اقتصاد وأسواق

‮»‬متعددة الجنسيات‮« ‬في أمريكا تضخ ملايين الوظائف بالخارج


إعداد ـ أيمن عزام

لا تجرؤ إدارة الرئيس أوباما، بدعوي حماية حرية السوق، علي إجبار شركات عالمية عملاقة تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها مثل آبل، وتشيفرون، وIBM ، وHP علي وقف هروب الوظائف خارج البلاد بهدف خلق فرص عمل أكبر علي الأراضي الأمريكية وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من التراجع الحالي في معدلات النمو الاقتصادي الذي يهدد بعودتها للدخول في نوبة ركود حادة، لكن العجيب هو إقبال هذه الإدارة علي ضم المديرين التنفيذيين في هذه الشركات للجان استشارية مختصة بتحسين معدلات التوظيف داخل البلاد.

وقد اكتسب مكان وجود الوظائف في داخل الولايات المتحدة أو خارجها أهمية خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع معدلات نموها الاقتصادي، وهو ما استدعي تدخل الرئيس أوباما شخصياً لدعوة الشركات العالمية لضخ وظائف داخل البلاد.

ويبدو أنه سيكون في حاجة لإعادة النظر في فكرة استشارة هؤلاء المديرين التنفيذيين، فالنزعة الوطنية التي كان لابد أن تستثيرها الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تطارد الولايات المتحدة لم تفلح وفقاً لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست في إقناع شركات عالمية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها بزيادة عدد وظائفها داخل البلاد نظير تلك التي توفرها في الخارج، بل تمعن هذه الشركات في إخفاء حقيقة توفيرها فرصاً أكبر في خارج البلاد عن طريق اشتراط عدم قيام جهات المحاسبة الحكومية بالإعلان إلا عن أرقام إجمالية بشأن بيانات التوظيف في الداخل والخارج، بينما تغلبت علي هذه النزعة رغبة هذه الشركات في مضاعفة أرباحها والاستفادة من رخص الأيدي العاملة في الخارج.

وذكرت الصحيفة أن أحدث بيانات التوظيف يشير إلي قيام هذه الشركات العالمية بالتخلص من نحو 2.9 مليون وظيفة داخل الولايات المتحدة مقابل إضافة نحو 2.4 مليون وظيفة في الخارج خلال الفترة من 2000 إلي 2009.

والأدهي أن بعض هذه الشركات مثل شركة آبل للكمبيوتر وشركة بفايزر للأدوية تدفع المشرعين لمنحها إعفاءات ضريبية بدعوي توفيرها وظائف علي الأراضي الأمريكية

لكن الخبراء يحذرون المشرعين من التسرع في منح هذه الشركات الإعفاءات الضريبية التي تطالب بها دون تقديم البيانات التفصيلية الدالة علي حجم مساهمتها في نمو الوظائف داخل البلاد.

وقال رون هيرا، الأستاذ في قسم السياسات العامة لدي معهد روتشستر للتكنولوجيا، إن هذه الشركات كثيراً ما أسدت نصائح للحكومة بشأن سبل رفع معدلات النمو الاقتصادي، بينما تكون منخرطة في واقع الأمر في تسريح العمالة والتخلص من الوظائف، مطالباً لذلك بالتشاور فقط مع الشركات التي تقوم فعلياً بخلق فرص عمل داخل الولايات المتحدة. وهرع الرئيس أوباما والمشرعون والتكتلات المدافعة عن الشركات بدعوة كبري الشركات العالمية للتركيز علي توفير فرص العمل داخل البلاد خصوصاً في الوقت الراهن الذي يشهد صعود معدلات البطالة.

أما جيف إيمليت، المدير التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، رئيس مجلس التوظيف الذي وضعه الرئيس أوباما للبحث في كيفية حل مشكلة البطالة، فقال عقب تجوله في أحد المصانع التابعة للشركة في مدينة جرينسبور الأمريكية إن الشركات يتعين عليها تحمل مسئولياتها الوطنية في الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد حالياً.

وسعي إيمليت لمخاطبة الشركات وحثها علي التوظيف في الداخل عن طريق إشعارها بأن خطوة من هذا النوع سترشح الشركات لاكتساب حب وتقدير جارف من قبل المتعطلين الأمريكيين ولدي جميع شرائح المجتمع الأمريكي.

وكشفت البيانات التي قدمتها شركة جنرال إلكتريك لهيئة الأدوات المالية والصرف في عام 2010 عن أن نحو %46 من إجمالي عدد يقدر بنحو 287 ألف موظف يعملون داخل الولايات المتحدة، مقارنة بنسبة %54 في عام 2000.

لكن الكثير من الشركات بما في ذلك تلك التي يحرص الرئيس أوباما علي استشارة مديريها التنفيذيين بشأن كيفية تقليص معدلات البطالة تتحاشي الإعلان في تقاريرها السنوية عن عدد موظفيها العاملين في الولايات المتحدة.

وحرص الرئيس الأمريكي علي مقابلة بالمسينو، المدير التنفيذي لشركة IBM ، مرات عديدة بصحبة مديرين تنفيذيين آخرين خصوصاً في شهر يوليو الماضي، للحديث عن سبل خلق المزيد من الوظائف وإقالة الاقتصاد من عثرته، لكن الشركة امتنعت بعد ذلك عن تقديم بيانات بشأن عدد موظفيها العاملين داخل البلاد، وبرر ذلك المتحدث الرسمي باسم الشركة باتباعها سياسة عدم الإعلان عن عدد موظفيها العاملين في الخارج.

وتشير بيانات ما قبل عام 2009 إلي أن الشركة قد أقبلت بوتيرة متسارعة علي نقل موظفيها إلي الهند، وكشف ديف فاينجولد، عميد مدرسة روتجيز للإدارة وعلاقات العمالة عن أن عام 2009 الذي شهد امتناع الشركة عن الإفصاح عن بيانات موظفيها داخل البلاد قد سجل للمرة الأولي صعود عدد موظفيها في الهند مقارنة بعددهم داخل الولايات المتحدة، واستقي فاينجولد معولماته من مصادر متعددة مثل وسائل الإعلام وأطراف ثالثة وموظفين سابقين حاولوا استقصاء أرقام العمالة.

وسارت علي الدرب نفسه شركة بركتر آند جامبل، التي قال بول فوكس، المتحدث باسمها، عند سؤاله عن عدد موظفيها في البلاد عام 2009 أن الشركة ليست معنية بإحصاء عدد الوظائف داخل الولايات المتحدة مقابل تلك المتوافرة في الخارج، لكنه سرعان ما تراجع عن أقواله عندما تم تذكيره بأن بوب ماكدونالد، المدير التنفيذي للشركة، قد سبق له إيراد الرقم في مناسبة سابقة، ويشير الرقم إلي أن عدد موظفيها داخل الولايات المتحدة قد بلغ نحو 35 ألف عامل من إجمالي يقدر بنحو 127 ألف عامل، أي بنسبة %28. وينطبق الأمر نفسه علي شركات أمريكية عملاقة في قامة شركة هيوليت - باكرد وAT&T ، وآبل وبفايزر، التي امتنعت عن إيراد أي بيانات في استقصاءات هيئة الأدوات المالية والصرف عام 2000.

وقد انضمت شركتا آبل وبفايزر في تحالف يضم عدداً من الشركات للضغط علي الكونجرس لمنحها إعفاءات ضريبية نظير ضخ استثمارات إضافية داخل الولايات المتحدة بدعوي مساهمة هذه الاستثمارات في تحسين فرص التوظيف.

ويجبر القانون الشركات علي الإفصاح عن مكان وجود موظفيها، وبينما تستطيع الشركة الامتناع عن إمداد هيئة الأدوات المالية والصرف ببيانات حول عدد الموظفين في الداخل والخارج بدعوي حماية مصالح حملة أسهمها، لكنها مطالبة بنصوص القانون بإيراد الأرقام لوزارة التجارة التي تتولي عادة إيراد تقرير سنوي حول إجمالي موظفي الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات.

وقال راي ماتالوني، الباحث لدي مكتب التحليلات الاقتصادية، إن الحكومة تحصل علي الأرقام من الشركات بناء علي اتفاق يقيد قدرتها علي الإفصاح عن جميع بيانات التوظيف، مشيراً إلي أنه أصبح لا يدري السبب الحقيقي وراء إحجام الشركات عن إيراد الأرقام كاملة، كما أن التفسير الوحيد لهذا الموقف هو رغبتها في إخفاء مخالفات لا ترغب في الإفصاح عنها، خصوصاً أن أعداد الشركات التي تخشي إطلاع الشركات المنافسة علي حجم أعمالها في حال الإفصاح عن البيانات كاملة في تراجع مستمر.

وقد اعتاد المديرون التنفيذيون في الشركات متعددة الجنسيات البحث عن الأرباح وتلبية مصالح حملة الأسهم، لكن تفاقم مشكلة البطالة دفع السياسيين لتركيز الأضواء علي القرارات التي يتخذونها بشأن جنسية ومكان التوظيف، كما تستفيد هذه الشركات من ميزة عدم ارتباط مصالحها ببلد واحد بفضل تمركز فروعها في عدد متنوع من البلدان. واعترف جيف إيمليت الشهر الماضي صراحة باعتزازه بعدم ارتباط شركة جنرال موتورز حالياً بالاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلي أن العديد من الشركات متعددة الجنسيات بما في ذلك شركته قد أصبحت غارقة حتي أذنيها في إبرام صفقات التعهيد في العديد من بلدان العالم، مما يعني أنها جميعاً أصبحت تضع هدف زيادة الأرباح فوق أي اعتبار آخر.


بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة