سيـــاســة

صعود وهبوط منحني الدمج السياسي للفئات المهمشة


محمــد ماهـر - شيريـن راغب

بدأ العقد الأول من الألفية الثالثة بشكل مدو ودموي في الوقت نفسه فيما يتعلق بوضع الأقباط في مصر، فقد اندلع أحد أعنف الصدامات الطائفية علي مدار التاريخ المصري - وهي أحداث قرية الكشح بمحافظة سوهاج- يوم 31 ديسمبر 1999 واستمرت حتي 2 يناير 2000 وأسفرت عن مصرع 21 شخصا واصابة 35 اخرين، إلا أن كل المتورطين في القضية والمقبوض عليهم علي ذمتها تم الإفراج عنهم لعدم ثبوت الأدلة، وانتهي الأمر بأحكام براءة للجميع لتصيب الأقباط بخيبة أمل وإحباط رهيب.


و في نفس العام جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية لعام2000  لتزيد من احساس الأقباط بتدهور وضعيتهم، فلم يحصدوا في هذه الانتخابات سوي ثلاثة مقاعد فقط، فضلاً عن تعيين أربعة نواب آخرين، وهو الأمر الذي فجر مطالبات قبطية متزايدة بضرورة تخصيص كوتة برلمانية للأقباط وفقاً لنسبتهم في المجتمع، كما تزايدت مظاهرات أقباط المهجر أمام السفارات المصرية في الخارج لتؤرق مضجع النظام، خاصة أن هذه الاحتجاجات بدأت تلقي اذانا صاغية من جهات دولية متعددة.

وجاءت نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2005 لتعزز العزوف القبطي عن المشاركة، فلم يفز في هذه الانتخابات سوي قبطي واحد، وهو الدكتور يوسف بطرس غالي الذي دخل البرلمان لكونه وزيراً للمالية، وهو ما ضمن له النجاح في الانتخابات، كما تم تعيين خمسة أقباط آخرين في البرلمان.

ومع مطلع 2006 خطي الدمج السياسي للأقباط خطوة مهمة، تمثلت في تعيين اللواء مجدي أيوب إسكندر محافظاً لقنا ليصبح أول محافظ قبطي منذ عام 1952 وذلك بعد أن كان الأقباط يتقلدون أعلي المناصب - بما في ذلك منصب رئيس الوزراء - قبل اندلاع ثورة يوليو.

وفي نفس العام - عام 2006 - برز اسم الناشط المهجري مايكل منير الذي بدأ سلسلة لقاءات مع عدد من المسؤلين المصريين بالقاهرة، دون أن يتم الإعلان عن طبيعة ما دار في هذه اللقاءات.

وفي يوليو 2009 تحقق اختراق جديد لحاجز الوظائف التي يشكو الأقباط من حرمانهم من توليها، وذلك عندما تم تعيين القبطي عاطف جوهر شفيق في منصب الأمين العام لجامعة حلوان، ثاني أهم منصب بعد رئيس الجامعة، ليجدد الامال في النفوس في إمكانية دمج الأقباط في شتي مناحي الحياة المدنية.

إلا أن هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لم يشأ أن يرحل قبل أن تخيب هذه الآمال وتعيد منحني الدمج السياسي للأقباط إلي مستويات دنيا من جديد

فلم يتجاوز عدد المرشحين الأقباط في الانتخابات البرلمانية ثلاثين شخصاً، منهم سبعة فقط علي قوائم الحزب الوطني بعد أن كانت التوقعات تشير إلي أن الحزب سيقوم وحده بترشيح ثلاثين قبطياً علي الأقل، وفاز من إجمالي المرشحين ثلاثة فقط، ليقوم الرئيس مبارك - في سابقة هي الأولي من نوعها - بتعيين سبعة أقباط ليرفع عددهم تحت القبة إلي عشرة لأول مرة خلال العقد الماضي، لكن وبرغم هذا العدد غير المسبوق فإن التمثيل القبطي تحت قبة البرلمان لم يتجاوز نسبة الـ%2 ، نتيجة ارتفاع العدد الإجمالي لجملة مقاعد البرلمان، الذي وصل إلي 518 بعد إقرار الـ 64 مقعداً لكوتة المرأة.

أما علي صعيد الملف النوبي، فقد استمر الشد والجذب بين بعض النشطاء النوبيين والحكومة طوال هذا العقد، واكتسبت المطالب النوبية بالتعويض واقرار حق العودة لتلك الاسر النوبية التي تم تهجيرها أثناء بناء السد العالي في منتصف القرن الماضي قوة وزخماً، مما جعل الملف النوبي يتصدر المشهد مرة أخري، وفي نهاية 2009 قامت الدولة بإنشاء منطقة سكنية تعرف »بوادي كركر« بأسوان للنوبيين المتضررين الذين تم تهجيرهم من اراضيهم، إلا أن استمرار الاعتراضات النوبية علي هذه المنطقة لبعدها عن بحيرة ناصر، شكك في إمكانية نجاح هذا المشروع.

وفي ذات السياق انطلقت دعاوي عديدة بضرورة فصل دائرة نصر النوبة عن دائرة كوم امبو وذلك حتي يتمكن النوبيون من الحصول علي مقعد لهم تحت القبة، وجاء ترشيح الحزب الحاكم لأول مرة لنوبي خلال انتخابات 2010 ليحاول تجاوز هذه المطالب.

البهائيون

لم تكن قضية البهائيين مطروحة علي الساحة السياسية قبل بداية هذا العقد، إلا انها بدأت في الظهور علي السطح مع بروز قضية عدم قدرتهم علي استخراج بطاقة الرقم القومي وباقي الأوراق الثبوتية نظرا لإصرار مصلحة الاحوال المدنية علي أن يختاروا احدي الديانات السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والاسلام) لتدوينها في خانة الديانة، وهو الأمر الذي رفضة البهائيون، مطالبين بدلا من ذلك بأن تتم كتابة صفة بهائي أو حتي ترك خانة الديانة فارغة او وضع شرطة فيها.

إلا أن اعمال العنف التي اندلعت بقرية الشورانية بسوهاج في ابريل 2009 ضد بعض الاسر البهائية جاءت لتزيد من سخونة هذه القضية بشكل واضح، وذلك حتي جاء يوم 8 أغسطس 2009 حينما ففوجئ الجميع بمشهد استخراج مصلحة الاحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية لأول بطاقة رقم قومي للتوأم البهائي عماد ونانسي مدوناً بخانة الديانة بها ( - ) وذلك استجابة لأحكام قضائية نهائية في ذلك الصدد، الأمر الذي ساهم في نشر حالة من التفاؤل بشأن المستقبل المدني والسياسي للبهائيين بعد سنوات من الجدل القانوني والمجتمعي - وملاحظلات التقارير الدولية - حول حقوق المواطنة للبهائيين.

المرأة:

ربما تكون المرأة هي اكثر الفئات المهمشة التي أنصفها العقد الأول من الألفية الثالثة، في عام 2000 تم انشاء المجلس القومي للمرأة بقرار رئاسي كمؤسسة سياسية تعمل علي تمكين المرأة، وفي عام 2002 تم تعيين أول قاضية مصرية هي »تهاني الجبالي«.

الا أن المراة لم تستطع أن تحقق نفس التقدم علي الصعيد البرلماني، فقد شهدت بدايات العقد الماضي تراجعا في نسبة تمثيلها بالبرلمان، ففي انتخابات مجلس الشعب عام 2000 خاضت -120- سيدة الانتخابات بينهن -»11«- وطني و-»97«- مستقلة و»8«- وفد و»4« تجمع،- ولم تنجح منهن سوي -»7«- سيدات فقط-، اما في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 فبلغ عدد من ترشحن فيها 14 سيدة منهن »6« مرشحات عن الحزب الوطني و»7« مرشحات للتحالف المعارض الذي ضم نحو 14 حزبا وقوي سياسية صغيرة، اضافة لمرشحة واحدة رشحتها جماعة الاخوان المسلمين، وبالرغم من أن عدد النساء المسجلات في جداول الانتخابات يصل إلي %37 أي ما يعادل »11.6 مليون ناخبة من بين 32 مليون ناخب« لكن تمثيل المرأة في البرلمان اوائل ومنتصف السنوات العشر الماضية لم يتعد %2.

لكن نهاية العقد الماضي شهدت اتجاها قويا لإنصاف المرأة وتمكينها سياسيا، ففي عام 2009 تم اقرار قانون كوتة لها بتخصيص عدد 64 مقعداً للمرأة بمجلس الشعب لدورتين برلمانيتين، وأجريت انتخابات مجلس الشعب عام2010  وفقاً لهذا النظام وانتخبت 64 سيدة ليصبح عدد مقاعد المجلس 508 مقاعد.

اما عن العمال والفلاحين الذي يمنحهم الدستور تمييزا ايجابيا، حيث نص علي ضرورة أن يكون نصف مجلسي الشعب والشوري من العمال والفلاحين علي الاقل، ولكن بالرغم من هذا التمييز الايجابي لكن الواقع يقول إن فئات اخري تستفيد من هذا التمييز ،حيث يترشح علي مقاعد العمال والفلاحين لواءات شرطة سابقون واعلاميون..و غيرها من الفئات الذين يستغلون امتلاكهم لعدة افدنة او يحصلون علي شهادة تفيد بأنهم من العمال ليترشحوا بصفة العمال والفلاحين، وذلك لأن فرصة فوزهم علي هذه المقاعد اكبر بكثير من مقاعد الفئات، وبناء علي هذا ضعف صوت العمال والفلاحين داخل البرلمان لعدم وجود تمثيل حقيقي لهم .

الأغلبية الصامتة:

ربما تكون أكثر الفئات تهميشا في مصر هي الأغلبية الصامتة التي اعتاد الجميع التحدث باسمها دون أن يعيروها التفاتا حقيقيا، فخلال العقد الماضي لم تخرج هذه الأغلبية عن صمتها، حيث ظلت نسبة مشاركتها في التصويت ضئيلة للغاية، ففي الانتخابات التشريعية عام2000  بلغت النسبة %25 حسب الأرقام الرسمية، ووصلت نسبة المشاركة السياسية في انتخابات عام 2005 إلي %25 من اجمالي المقيدين في الجداول الانتخابية، أي 8 ملايين ناخب ادلوا بأصواتهم من أصل 32 مليون مواطن مقيدين بالجداول الانتخابية ويمثلون %40 فقط من المواطنين.

وفي عام 2005 أجريت أول انتخابات رئاسية في مصر وبلغت نسبة التصويت %23، وارتفعت قليلاً هذه النسبة في الانتخابات البرلمانية عام 2010 لتصل إلي %30 وفقاً للأرقام الحكومية التي شككت فيها قوي المعارضة.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة