سيـــاســة

توقعات الاستفتاء السوداني الهادئ لا تلغي مخاوف المستقبل


محمد ماهر

لحظات تاريخية تشهدها الجارة الجنوبية لمصر »السودان« بعد ساعات قليلة، حيث ينطلق أربعة ملايين ناخب جنوبي، في جنوب وشمال السودان وخارجه، للإدلاء بأصواتهم في استفتاء تقرير المصير لجنوب السودان مع تباشير الصباح الأولي ليوم التاسع من يناير. ذلك  اليوم التاريخي والفاصل ليس في تاريخ السودان فحسب، بل في تاريخ المنطقة بأسرها.


 
 عمر البشير
وبات الانفصال أمراً محتوماً اللهم إلا إذا حدثت مفاجآت غير متوقعة بالتصويت لصالح الوحدة بين شمال السودان وجنوبه وهو أمر أصبح بعيد المنال، لاسيما بعد تصدر مشهد استقبال الجنوبيين للرئيس السوداني عمر البشير بلافتة مكتوب عليها »مرحباً بك في الدولة 193« أي الدولة الجديدة والتي من المنتظر أن تنضم إلي الأمم المتحدة تحت هذا الرقم.

ورغم أن المشهد السوداني يبدو هادئاً إلي حد بعيد، خلافاً للفترة السابقة التي امتدت قرابة الستة أشهر استمر فيها التراشق والتلاسن بين الخرطوم وجوبا مع اقتراب موعد الاستفتاء. فإن آراء المراقبين تشير إلي احتمال تجدد أعمال عنف بشكل يمكن أن يتطور إلي حرب أهلية مع استمرار ملفات حساسة للغاية معلقة بين الطرفين مثل »توزيع عوائد النفط« والسيطرة علي منطقة »أبيي« الغنية بالنفط والواقعة بين الشمال والجنوب، فضلاً عن ترسيم الحدود ونسبة تحمل كل طرف للديون المستحقة علي السودان.

وأشار الدكتور إبراهيم آدم، الملحق الثقافي بالسفارة السودانية بالقاهرة، إلي أن الحكومة السودانية قررت نشر 17 ألف جندي لتأمين عملية الاستفتاء في الولايات المتحدة الشمالية، كما سهلت الحكومة بالتعاون مع مفوضية الاستفتاء جميع إجراءات المراقبة المدنية والإعلامية، وأجرت اتصالات مع الدول التي بها تجمعات للجنوبيين لتأمين عمليات الاستفتاء.

ولفت »آدم« إلي أن تأمين الاستفتاء في الولايات الجنوبية تضطلع به حكومة جنوب السودان وفقاً للتفاهمات التي تمت في هذا الشأن.

وشدد علي أن الحكومة عازمة علي إجراء استفتاء هادئ بدون أي مشاكل وستتخذ من الإجراءات ما يحول دون اندلاع أعمال العنف.

علي الجانب الآخر، لفت نصر الدين قشيب، مدير مكتب الحركة الشعبية لجنوب السودان بالقاهرة، إلي أن حكومة جنوب السودان نشرت بالفعل 7 آلاف جندي وشرطي لتأمين الاستفتاء، وقامت بجميع الإجراءات والتسهيلات اللوجيستية لمراقبي المنظمات الدولية والعربية للاستفتاء، مضيفاً أن للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وللاتحاد الأوروبي مراقبين بالإضافة إلي بعض المنظمات الدولية مثل مركز كارتر الأمريكي.

وتوقع الدكتور هاني رسلان، رئيس برنامج الدراسات السودانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إقامة الاستفتاء بشكل ناعم وسلس، لافتاً إلي أن الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس عمر البشير إلي جوبا مؤخراً أشاعت جواً من الهدوء وخففت من حدة التوتر القائم بين الشمال والجنوب لأنها حملت وعوداً قطعية من جانب »البشير« باحترام نتائج استفتاء جنوب السودان ولفتت تصريحاته إلي إمكانية إقامة علاقات جيدة بين الدولتين الشمالية والجنوبية في حال الانفصال.

وأضاف أنه علي الرغم من أنه لأول مرة منذ توقيع اتفاقية نيفاشا في 2005 بين الشمال والجنوب والتي منحت حق تقرير المصير للجنوب، توجد بوادر إيجابية بمثل هذا الشكل، لكن في الوقت ذاته تبدو احتمالات الحرب أو علي الأقل تجدد أعمال العنف بين الطرفين واردة، لاسيما أن بعض المسائل التي كان من المفترض أن يتم حسمها قبل إجراء الاستفتاء لم تحسم بعد مثل »أبيي« و»ترسيم الحدود« ومازالت معلقة حتي الآن وأغلب الظن أن تستمر بلا حل لفترة بعد الاستفتاء.

ومن جانبها أعربت الدكتورة إجلال رأفت، أستاذ العلوم السياسية، رئيس مركز الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، عن توجسها من الهدوء الذي يسيطر علي المشهد السوداني حالياً، لافتة إلي أنه من المحتمل أن يكون هذا الهدوء مقدمة لعاصفة تعصف باستقرار الأوضاع بالجارة الجنوبية لمصر، مشيرة إلي أن بقاء بعض المسائل الخلافية بلا حل حتي اللحظة الراهنة يشير إلي إمكانية عودة وتجدد أعمال العنف بين الخرطوم وجوبا وهو ما يمكن أن يؤثر بالطبع علي استقرار مصر.

ومن جانبها أكدت ميري أيرق، مدير مفوضية الاستفتاء بالقاهرة، أن المفوضية أنهت إجراءات تسجيل من يحق لهم التصويت خلال عملية الاستفتاء سواء داخل السودان أو في ثماني دول أخري - من بينها مصر - بها تجمعات جنوبية، وأنه تم إنشاء ثلاث لجان في مصر لهذا الفرض في المعادي ومدينة نصر وعين شمس لاستقبال الجنوبيين المقيمين في مصر للتصويت.

ومن جانبه أوضح صابر نايل، رئيس المركز العربي للتنمية وحقوق الإنسان، إحدي المنظمات المشاركة في الرقابة علي الاستفتاء، أن وجود رقابة إقليمية ودولية في استفتاء جنوب السودان لا يعني بالضرورة إجراء استفتاء نزيه، لافتاً إلي أن احتمالات تزوير الاستفتاء تبدو متوقعة، خاصة بعد تطمينات »البشير« خلال زيارته الأخيرة لجوبا.

وأكد »نايل« أن سيناريو تزوير الاستفتاء سيتسبب في تفجير حرب أهلية، لافتاً إلي أن الرقابة الإقليمية والدولية لن تحول بالضرورة دون تزوير الاستفتاء لأن الرقابة كانت موجودة في آخر انتخابات برلمانية سودانية ومع ذلك يتم التزوير.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة