استثمار

من تراب الطريق‮ !‬من همس المناجاة وحديث الخاطر ‮(‬127‮)‬


> يبدو أننا نعيش الآن ـ حسب الأعم الأغلب ـ حياة ليست لها أعماق وجذور.. حياة غير سليمة بدنياً أو فكرياً أو عاطفيا علي أرض دائمة الاهتزاز بنا.. في جماعات مفككة وظروف قلقة مزعجة.. حياة هشة واهية العزائم والآمال تتهددها زوابع وأعاصير وفواجع هنا وهناك!! ونحن في يقظتنا البليدة المألوفة.. نصف النائمة ـ لا نرغب أن يكمل ويتم صحونا كأننا يزعجنا أن نفيق ونشهد ما لا نطيق أن نشهده! ـ ومع ذلك فما زال السؤال يجيء ويذهب لدي بعضنا يزلزل داخله : هل نقدر علي الإفاقة ونتحمل مواجهة مصاعبها بعيون وعقول صاحية فنتمكن من مواجهتها؟ أم سنمضي في الاستغراق فيما نحن عليه الآن إلي نهايته ـ نلوذ باللغو واللجاج والتزاحم عليهما!!

> الخوف من الله ـ أمان المؤمنين، وفي الحديث : »لا يدخل النار من بكي من خشية الله  تعالي«.. والخوف علي مراتب وأنواع :خوف، وخشية، وهيبة..

فأما الخوف فمن شروط الإيمان. قال الله تعالي : »وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ«

وأما الخشية فمن شروط العلم. قال تعالي »إِنَّمَا يخْشَي اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء«

وأما الهيبة فمن شروط المعرفة. قال الله تعالي : »وَيحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ«

> قيل في الخوف إنه سراج القلب.. به يبصر ما فيه من الخير والشر.

> قال أبو القاسم الحكيم : الخوف علي ضربين  : رهبة وخشية.

فصاحب الرهبة يلتجئ إلي الهرب من المعصية اذا خاف.

وصاحب الخشية يلتجئ إلي الرب..

>>>

> الصلة بين الأطماع وبين الحظ وثيقة للغاية.. إذ لا يخلو طمع طامع من افتراض شئ من حسن الظن بالأيام والأحداث، أو علي الأقل من افتراض أنه لن يصادف هو بالذات سوء طالع مفاجئ ليس في استطاعته إبعاده.. لأن من يطمع يفترض دائماً أنه قد أقام مطمعه علي أسس متينة محكمة، وزودها بما يكفيها من عوامل يرجح معها الفوز.. وهو غالباً ما يبالغ في التفاؤل ـ قليلاً أو كثيراً ـ لشدة شوقه وقوة رغبته في نيل وتحقيق ما يطمع فيه، وهو حين يفشل يعزو فشله في الغالب للحظ العاثر والمقادير والمكتوب وتدخل الخصوم والحاسدين الذين لا يغفر لهم قط  حسدهم ولا غيرتهم ولا تدخلهم الذي يتوهمه أو يزعمه ويفترض حصوله بدلالة فشله الذي صدمه، دون أن يكلف خاطره مراجعة لنفسه ورغابه وقدراته وسلوكه وما فعله أو لم يفعله وما اتخذه أو لـم يتخـذه من تدابير وأسباب منتجة تصلح لنيل ما يتمناه وتحقيق ما يرتجيه في الحياة!

> لا حياة لمن ينعزل عن واقع الحياة، وحركة التاريخ.. الحياة في صيرورة دائمة، يخسر ويتخلف من لا يمتطي جوادها ويسير بصيراً متفطناً في موكبها الذي لا يكف عن الحركة!

> من الناس من يقبل النصيحة ويجعلها مرعًي يرتاده، ومنهم من يكابر فيلقيها بعيدا ويشيح

عنها!!

> من فارقه العلم لزمه الجهل وقاده إلي المهالك، ومن لزمه العلم فتح له أبواب المزيد منه.

>>>

> لو عرف الإنسان طعم ما يقوله أو ما يفعله أو ما يحس به قبل أن يقوله أو يفعله أو يحس به  معرفة تامة ـ لأصبح قديماً ولاستغني عنه، ولتوقفت مسيرة حياته بتوقف الجدة والجديد فيها.. وهما ما يحرك ويوقظ  رغبة الإنسان فيها وجاذبيتها له. وخوفه من هذا الجهل الجزئي الملازم لكل نشاط نمارسه منذ أن نولد إلي أن نموت ـ  هو أساس كل توقع وكل أمل وكل خوف وكل حركة حية وكل سكون حي!

> من الحكم العطائية : »دَلَّ بوجود آثاره علي وجود أسمائه، وبوجد أسمائه علي ثبوت أوصافه، وبثبوت أوصافه علي وجود ذاته،إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه، فأرباب الجذب ـ يكشف لهم عن كمال ذاته، ثم يردهم إلي شهود صفاته، ثم يرجعهم إلي التعلق بأسمائه، ثم يردهم إلي شهود آثاره، والسالكون علي عكس هذا، فنهاية السالكين ـ بداية المجذوبين، وبداية السالكين ـ نهاية المجذوبين، لكن لا بمعني واحد، فربما التقيا في الطريق: هذا في ترقيه، وهذا في تدليه«!!

> بين الله السبل لعباده، فعرفهم سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة.. وعرفهم ـ سبحانه ـ عاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة الآخرين مفصلة.. فيقول الله تعالي:

ـ »كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ«. (الأنعام 55)

ـ »مَن يشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَينَ لَهُ الْهُدَي وَيتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّي وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا«. (النساء 115)

> العالمون بالله وكتابه ودينه، يعرفون سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، فيستبين لهم السبيلان كما يستبين للسالك طريقه ومقصوده.

رجائي عطية
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة