اقتصاد وأسواق

انبعاثات الگربون تهيمن على محادثات المناخ المقبلة فى قطر


إعداد - رجب عز الدين

يعتقد البعض أن الأزمات الاقتصادية العالمية الحالية هى أخطر ما يواجهه عالمنا المعاصر، إلا أن البعض لا يزال يصر على أن هناك ما هو أشد من الأزمات الاقتصادية، وبالأخص ظاهرة الاحتباس الحرارى التى يشكل تزايدها بشكل قياسى خطراً لا يستهان به على العالم، نظراً لان خطورتها تتعلق بمصير العالم ومآله من حيث الوجود والعدم .

ورغم تحذيرات العديد من الجهات والمؤسسات الدولية من مخاطر هذه الظاهرة وضرورة التصدى لها فإن الدول الكبرى لا تزال تقف عقبة رئيسية أمام تحقيق أى انجاز يذكر فى هذا الشأن رغم أنها المتسبب الأكبر فى تزايد انبعاثات الكربون .

وحذر تقرير أصدرته شركة بى . دبليو . سى، إحدى الشركات الكبرى فى تقديم الخدمات المهنية، من تزايد انبعاثات الكربون السبب الرئيسى فى ظاهرة الاحتباس الحرارى .

وذكر التقرير : «إذا لم يسع العالم لخفض معدل انبعاثات غاز الكربون بنسبة غير مسبوقة بحلول عام 2050 للحيلولة فمن المتوقع زيادة درجات الحرارة العالمية بأكثر من درجتين خلال القرن الحالى، مما سيرتب عواقب وخيمة على العالم » ، وفقاً لما نشرته وكالة رويترز مؤخراً .

وأجرى التقرير السنوى الذى تصدره الشركة تحت عنوان «مؤشر الاقتصاد منخفض الكربون » تقييماً لمدى التقدم الذى أحرزته الاقتصادات المتقدمة والصاعدة بشأن تقليص كثافة الكربون لديها أو معدل انبعاثاتها لكل وحدة من الناتج المحلى الإجمالى .

وجاء فى التقرير أنه يجب خفض كثافة الكربون بأكثر من %5 سنوياً لتحقيق هذا الهدف، مقارنة بمعدل سنوى %0.8 فقط خلال الفترة من عام 2000 وحتى عام 2011.

وأضافت الدراسة نظراً لهذه البداية البطيئة فقد بات من الضرورى الآن خفض كثافة الكربون فى العالم بنسبة %5.1 فى المتوسط سنوياً من الآن وحتى عام 2050 وسط تحذيرات خطيرة من علماء المناخ تفيد بأن فرص الابقاء على معدل ارتفاع درجات الحرارة دون الدرجتين تتضاءل بشكل ملحوظ .

وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن انبعاثات الكربون فى العالم زادت بأكثر من %3 فى عام 2011 لتصل إلى مستوى قياسى، وأشارت إلى أن درجات الحرارة العالمية ارتفعت بنحو 0.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل عصر الصناعة .

ويتخوف البعض من عدم امكانية تحقيق هدف الخفض بنسبة %5 على المدى الطويل فى ظل تعنت الدول الكبرة فى تطبيق إجراءات خفض الانبعاثات الكربونية .

وكانت 200 دولة قد اتفقت فى عام 2010 خلال محادثات الأمم المتحدة حول المناخ، على الحد من ارتفاع درجات الحرارة ليكون دون الدرجتين المئويتين لتجنب وقوع آثار خطيرة نتيجة التغير المناخى لكن هذا الاتفاق لا يزال مجرد مراوغات سياسية لم تدخل بعد حيز التنفيذ، أكدتها الخلافات الحادة بين هذه الدول فى محادثات المناخ التالية فى عام 2011.

وتفيد الدراسة بأن دول الاتحاد الأوروبى قد حققت أعلى معدلات للتخلص من الكربون إذ خفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا كثافة الكربون بنسبة تزيد على %6 خلال الفترة ما بين 2010 و 2011.

وشهدت الولايات المتحدة انخفاضاً بنسبة %3.5 فى كثافة الكربون عام 2011 الأمر الذى يرجع فى المقام الأول إلى استخدام الغاز الصخرى بدلاً من الفحم فى خليطها من الوقود إلى جانب المركبات الأكثر كفاءة .

وتباطأ معدل إزالة الكربون فى الصين والهند خلال العقد الماضى على ما يبدو، بينما زادت كثافة الكربون فى استراليا بنسبة %6.7 العام الماضى وبنسبة %0.8 فى اليابان .

وقالت شركة بى . دبليو . سى إنه على الرغم من أن الاقتصادات الكبرى تعهدت بخفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون فإن هذه التعهدات ليس كافية لتحقيق هدف الحفاظ على معدل زيادة درجات الحرارة دون الدرجتين .

وشككت الشركة فيما إذا كان من الممكن الوفاء ببعض هذه التعهدات بسبب الضغوط الاقتصادية التى يعانى منها معظم دول العالم، فضلا عن ازمات منطقة اليورو المتفاقمة .

ومن المقرر أن تلتقى الدول فى قطر نهاية هذا الشهر لاجراء الجولة التالية من محادثات الأمم المتحدة حول المناخ، التى يفترض أن تناقش فيها سبل دعم أهدافها بهذا الصدد، لكن البعض لا يزال يتخوف من عودة الخلافات التى حدثت فى العام الماضى .

يذكر أن جولة محادثات المناخ التى جرت فى جنوب أفريقيا يوم 28 نوفمبر وانتهت 11 ديسمبر الماضى قد اتسمت بزيادة الانقسامات والاتهامات بين الدول الكبرى والصغرى والنامية، ولم تخرج بشىء سوى التوافق على تمديد العمل ببروتوكول كيوتو إلى ما بعد 2012 والاتفاق على مجموعة من التدابير التى من شأنها التوصل إلى اتفاق قانونى يشمل جميع دول العالم بحلول عام 2020.

وشهد المؤتمر خلافاً حاداً بين كبرى الدول الاقتصادية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والهند والصين حول صياغة «خريطة الطريق » لاتفاق عالمى جديد، حيث لم ترغب الهند والصين فى أن يكون ملزماً قانونياً، فاقترح دبلوماسى برازيلى أن تكون للاتفاق «قوة قانونية » بدلاً من صفة الالزام القانونى، الأمر الذى حظى بالقبول وتريد الهند من الدول التى توصف بـ «المتقدمة » الاستمرار فى الحد من انبعاثات الغازات لديها، وفقاً لتصريحات وزيرة البيئة الهندية جايانتى ناتاراجان أثناء المؤتمر التى انتقدت الدول الغربية بعدم جديتها فى الحد من انبعاثاتها، كما تعهدت، وأضافت : «لماذا يتعين على الدول الأفقر القيام بذلك نيابة عنها؟، واتخذت الصين نفس النهج الهندى فى النقاش وتحججت بأنها دولة ما زالت نامية وليست متقدمة حتى تتهرب من مسئولية الانبعاثات الحرارية .

وقال شيه تشن هوا، نائب مدير اللجنة الوطنية للتنمية والاصلاح، فى تصريحات لوكالة رويترز، إن الصين ما زالت دولة نامية ويتعين على الدول الأخرى أن تحترم المبدأ المؤسس للاتفاقيات القائمة الذى يقر بضرورة قيام الدول المتقدمة بالمزيد من واقع مسئوليتها عن معظم انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للتغيرات المناخية، منتقداً الدول الغربية بقوله «نقوم بأشياء لا تقومون بها .. نريد أن نرى اجراءاتكم الحقيقية » ، مشيراً إلى ضرورة ارجاء التفاوض بشأن وثيقة ملزمة قانونا الى ما بعد عام 2020 ، كما دعا إلى تقييم شامل وعلمى لفترة الالتزام الأولى «لبروتوكول كيوتو » قبل المفاوضات الرسمية لالتزامات الصين بعد عام 2020.

كما شهد المؤتمر انسحاب كل من اليابان وروسيا وكندا، أما ممثلو الاتحاد الأوروبى فقد أبدوا استعداداً لايجاد بديل ملزم قانونا عن اتفاقية كيوتو أو حتى تمديد العمل بها، لكنهم اشترطوا كذلك أن تكون الدولتان الأكثر تلويثاً للبيئة طرفين فيها، وهما الولايات المتحدة والصين اللتان تطلقان وحدهما نحو %40 من كربون العالم، محتجين بأن الوضع قد تغير بعد توقيع اتفاقية كيوتو عام 1997 ، فنصيب الأوروبيين اليوم من غاز ثانى أكسيد الكربون المتسبب فى حرارة الأرض لا يزيد على %11 ، وعلق الأوروبيون دعمهم لبروتوكول كيوتو بالتوصل إلى «خارطة طريق » فى ديربان وتطبيق معاهدة شاملة بحلول عام 2015 تغطى جميع المسئولين الرئيسيين عن الانبعاثات، بما فيها الولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة، على أن تدخل حيز التنفيذ بحلول عام 2020 ، أما الولايات المتحدة فقد جدد المفاوضون الأمريكيون تأكيدهم بعدم الموافقة على أى اتفاق ملزم قانوناً يستثنى أى أحد من المتسببين الرئيسيين فى الانبعاثات، خاصة الاقتصادات الرئيسية الناشئة مثل الصين .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة