لايف

أدباء يگتبون رواياتهم بآليات سينمائية


كتب ـ علي راشد:
 
»لا أنام ، في بيتنا رجل، القاهرة 30، عمارة يعقوبيان، عصافير النيل« وغيرها من الاعمال الروائية التي تحولت الي افلام سينمائية، وحققت نسبة عالية من المشاهدة، واكدت مدي تأثر السينما بالادب والرواية خصيصا، لكن يبدو ان علاقة التأثير والتأثر تلك لم تكن في اتجاه واحد، فقط أصبح من الملاحظ مؤخرا تزايد عدد الاعمال الادبية التي تعتمد التقنيات السينمائية ـ كالفلاش باك والقطع المتوازي والتركيز علي الصورة ـ في كتابتها، فأصبحنا نجد العديد من الروائيين ـ سواء عن قناعة او رغبة في مجاراة الموجة ـ يلجأون بكثرة لهذه التقنيات المأخوذة من عالم الفن السابع.

 
الناقد الدكتور محمود الضبع اشار الي ان السينما بدأت معتمدة علي الرواية في المقام الاول من خلال تمثيل الروايات والقصص الطويلة واخراجها في افلام وحلقات مطولة، ومع مرور الوقت بدأ الاهتمام بكتابة الرواية يتجه الي تمثيل احداثها علي طريقة الفيلم، ومن ثم بدأ عقل الكاتب يشتغل علي طريقة الكاميرا السينمائية، والكاميرا ثلاثية الابعاد، وقد تأثرت الرواية علي اكثر من مستوي بالتقنيات السينمائية، حيث اثرت فيها طبيعة كتابة السيناريو بما فيه من وصف للمشاهد، وأثرت فيها طبيعة حركة الكاميرا بدءا من الكاميرا الاحادية وانتهاء بالكاميرا ثلاثية الابعاد، واثرت فيها حركات المونتاج والقطع والوصل، وشمل التأثير كذلك طبيعة التناول لموضوعات تتواصل مع عامة المتلقين، وتأثرت الرواية باللغة المحكية كما هي في طبيعة الافلام.
 
ولفت »الضبع« الي ان هذا التأثير بدأ مع حركات الانفتاح التي بدأتها السينما مع الرواية بعد تمثيل كثير من روايات نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس في الستينيات من القرن الماضي وحتي العصر الحالي غير انها تزايدت مع مطلع الالفية الحالية علي نحو متسع، خاصة مع الرواية الجديدة.
 
وعن أهم الروايات التي تأثرت بالسينما، قال إن كل الروايات التي تنتمي الي مفهوم الرواية الجديدة فيها تأثر بالسينما بدءا برواية »شارع بسادة« لسيد الوكيل ومرورا بروايات »ان تكون عباس العبد« لاحمد العايدي، و»فانيليا« لطاهر الشرقاوي و»وقوف متكرر« لمحمد صلاح العزب و»فاصل للدهشة« لمحمد الفخراني و»الرق« لمحمد نصر، وغيرها كثير مما ينتمي لهذا التيار.
 
واكد »الضبع« ان هذه الاعمال تحمل الكثير من الايجابية، اذ انها تضيف الي طرائق السرد الروائي خاصة اذا نظرنا الي التطور علي انه تجاوز مع الاشكال السابقة وليس الغاء له، ويري ان هذا التأثر فيه انفتاح علي آفاق جديدة للكتابة الروائية يتناسب وطبيعة المتلقي من جهة، ويضيف الي اساليب السرد الروائي من جهة ثانية.
 
اما الكاتب والفنان احمد الجنايني فاستشهد بروايته »عاريات مودلياني« التي برز فيها التأثر بالسينما من خلال استخدامه تقنية الفلاش باك واستخدامه الزمان والمكان بطريقة سينمائية، وايضا استخدام اللغة الشعرية في وصف الصورة، وظهر التأثير ايضا من خلال اعطاء مساحة لتناول وعرض اماكن وتواريخ مختلفة تربطها دراما العمل نفسه من خلال القطع السينمائي والانتقال من زمن الي آخر.
 
وشدد »الجنايني« علي ان الفنون الابداعية جمعيها يرتبط كل منها بغيره كما انه لا يوجد نص ابداعي بعيدا عن نص شعري او روائي او حتي موسيقي، حيث تبقي العلاقة بين الصنوف الابداعية ولكن المهم ألا يسيطر المؤثر علي العمل الاساسي وأن يدرك كل منا ما يقوم به فإن كان عمله بصريا يركز علي العمل البصري اكثر من المؤثرات الاخري.
 
واشار الروائي الدكتور بهاء عبدالمجيد الي ان السينما غيرت كثيرا في شكل السرد الروائي، والعلاقة بين الكتابة والسينما متداخلة وجدلية فلا نعرف من الذي اثر علي الآخر، فقد كانت الرواية سببا في بروز السينما بينما احتوتها السينما من خلال تقنيات الكتابة الحديثة مثل المقاطع المتفرقة والصورة والتداعي او الفلاش باك، ومن هنا اثرت السينما في بنية السرد الروائي وجعلتنا نراه امرا مرئيا.
 
وأكد »عبدالمجيد« ان هذا التأثير امر ايجابي حيث من المفترض ان تتداخل كل الفنون لانها جميعا تصب في اناء واحد ومهمة الكاتب الواعي ان يخرج لنا في عمله اشياء جديدة ومختلفة، مشيرا الي ان رصيد الرواية زاخر بالاعمال التي يجب ان تحول الي افلام ولا يشترط ان نأخذ العمل الروائي كاملا بل من الممكن ان نتناول خطا معينا في الرواية ونبني عليه الاحداث، ولكن هذا لا يعني ان نلتقط الافكار من الروايات او الافلام الاجنبية لان ذلك يعد نوعا من القصور، وهناك العديد من الاعمال التي تحولت الي افلام وكان لها صدي كبير منها »عصافير النيل« لمجدي احمد علي، و»عمارة يعقوبيان« لعلاء الاسواني، ولكن الناس توقفت عن ذلك، وكنا في الستينيات لدينا وعي كبير بذلك، فقد كانت اعمال احسان عبدالقدوس تلقي نجاحا واقبالا هائلا لوجود العقليات التي كانت تتفهم هذه الاعمال وتدرك قيمتها.
 
واكد الروائي محمود ابوعيشة ان اعظم الافلام عربية كانت او اجنبية، مأخوذة من الروايات ومثال علي ذلك في تاريخ السينما المصرية روايات نجيب محفوظ التي تحولت الي افلام غاية في الجودة الفنية والحبكة الدرامية وحققت نسبة كبيرة من المشاهدة، إلا أن الرواية تكون صعبة في تحويلها الي السينما او الدراما وبالتالي يستسهل الكتاب ويأخذون فكرة الرواية فقط ويحورونها ولذلك تأتي معظم الافلام مسطحة بعكس الافلام الروائية التي تبرز الافكار فيها بعمق.
 
واستطرد »ابوعيشة« قائلا »ولكن يجب ان نتساءل: هل اصبحت عين الكاتب في عمله الروائي علي السينما؟ نعم، فقد اصبح الكتاب يكتبون اعمالهم بطريقة القطع السينمائية حتي تتحول لافلام بسهولة ومن ذلك »عمارة يعقوبيان« لعلاء الاسواني، والرواية بهذا الشكل تكون سهلة التحويل لفيلم سينمائي، ولكن ستظل الاعمال التي يضع مؤلفوها اذهانهم علي السينما اثناء كتابتها، ضعيفة روائيا، ومن هذه الاعمال التي فشلت مسلسل »عايزة اتجوز« المأخوذ من مدونة ثم كتاب لغادة عبدالعال، حيث لا يحمل العمل اي فكرة جادة وكان مجرد كوميديا فجة«.
 
ولفت »ابوعيشة« الي ان السرد الروائي اصبح يعتمد علي السينما في تقنيتين رئيسيتين، هما »المونتاج« ويعني تقطيع المشاهد بطريقة متتالية حيث ينتقل من مشهد لآخر دون ان ينتهي الاول ويعود له مرة اخري، اما التقنية الثانية فهي »ثقافة الصورة« وتتمثل في وصفه الاشياء حيث يعطي صورة سريعة او لقطة ولا يستطرد في الوصف كما كان يحدث عند نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس وبدايات خيري شلبي.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة