أقرأ لهؤلاء

من أرشيف الذكريات (70)


رجائى عطية :

انتهى السادات فى اجتماعه بمجلس الوزراء، بعد العرض الذى أبداه حافظ إسماعيل إلى أنه قد صار حتميًّا تحريك الموقف بعمل عسكرى.. فى ذلك الوقت كان عرض قضية الشرق الأوسط جاريًا بمجلس الأمن والأمم المتحدة، بدأت التحركات بما أبداه حافظ للسكرتير العام للأمم المتحدة فى اجتماعه به فى فبراير 1973 قبل لقائه الأول بالدكتور هنرى كيسنجر، ثم عاود الحديث فى ذلك إلى كيسنجر نفسه فى اجتماعه الثانى به فى مايو.. منوهًا إلى أن ذلك يساعد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل إن كانت حقًا تحتاج إلى مساعدة، داعيًا إيّاه إلى ألاّ تستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو فيما عساه يصدر من قرار يرضى أعضاء مجلس الأمن، وفى موسكو ناقش الزيات وزير الخارجية هذا التحرك المزمع مع نظيره السوفييتى، وفى لقاء حافظ الأخير بالرفيق بريجنيف أبدى أنهم سيكونون إلى جوارنا فى مجلس الأمن.

وقد وفرت الغارة الإسرائيلية على بيروت مدخلاً لمناقشة القضية فى مجلس الأمن، وشجعت مصر لبنان على طلب عقد اجتماع عاجل للمجلس لمناقشة هذا العدوان الإسرائيلى، وقررت مصر أن ينتقل وزير خارجيتها للاشتراك فى هذه المناقشة ولينتقل منها لطرح مشكلة المنطقة برمتها. وكانت أهداف مصر اتخاذ خطوة أساسية لتصحيح واقع القضية بعد ما أصابها من تشويه، وتسعى أيضًا إلى صدور قرار من المجلس يشير إلى مذكرة يارنج فى فبراير 1971 مع تأكيد قرار المجلس رقم 242.

وأبرزت مصر فى مناقشات الجولة الأولى فى مجلس الأمن (6 15 يوينو)، عدة أسس:

انسحاب إسرائيل من كل الأراضى العربية التى احتلت فى 5 يونيو سنة 1967 وتأكيد حدود مصر الدولية.

أن ساحة المشكلة الفلسطينية هى أرض فلسطين «كما كانت تحت الانتداب» وأن من حق الأمة الفلسطينية الحياة فى سلام داخل حدود آمنة معترف بها. ولهم وحدهم تقرير مصيرهم.

طرح ثلاثة أسئلة محورية أبداها الدكتور الزيات وأجاب السكرتير العام عليها جميعًا بالإيجاب:

الأول. أن الدكتور يارنج كان يعد أوراقًا بشأن الأردن وسوريا واللاجئين فى فبراير 1971 مماثلة للورقة المصرية، وأن مصر تسلمت ورقتها منه بعد هذا الإيضاح.

الثانى. أن الدكتور يارنج أبلغ وزير الخارجية المصرى أن غزة أرض عربية تحتلها إسرائيل ويجب أن تنهى احتلالها.

الثالث. أن المندوب الأمريكى بصفته رئيس اجتماع الدول الأربع قد أبلغ السكرتير العام فى يونيو 1971، بأن الدول الأربع قد رحبت وأيدت مبادرة يارنج.

* * *

وكان الحصاد فى مجمله إيجابيا، فقد استجاب المندوب السوفييتى للموقف المصرى، وأبدى المندوب الفرنسى استعداده للتصويت على قرار يدعو لانسحاب إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة. أما المندوب البريطانى، فرغم التزامه بصيغة هاروجيت فى أكتوبر 1971 حول حدود مصر الدولية، فإنه كان يأمل التشاور بين مصر والولايات المتحدة، ولكنه سلم فى النهاية بالتصويت مع قرار يدعو لانسحاب إسرائيلى من جميع الأراضى المحتلة.. وإن فعل ذلك بحزن !

أما المندوب الأمريكى، فقد أعرب عن رفض حكومته تفسير أو تعديل أو تغيير القرار 242، ودعا إلى مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين الأطراف المعنية، وتشجيع عملية «خطوة.. خطوة»، تبدأ ببعض الانسحاب الإسرائيلى فى سيناء، وفتح قناة السويس فى إطار وقف ممتد لإطلاق النار (؟!!!)، كمرحلة أولى للتسوية النهائية.

* * *

واستمرت المحاولات للوصول إلى صياغة تقبلها مصر ولا تستثير الفيتو الأمريكى، ولكن مصر تشبثت بموقفها، بينما كانت بريطانيا فى خدمة السياسة الأمريكية، وطرحت صياغة مائعة، وفى النهاية لم يكن مأمولا تحقيق أى تغيير فى الموقف الأمريكى فى ظروف مشاكل الرئيس نيكسون الداخلية، وموعد الانتخابات الإسرائيلية فى أكتوبر.

وإزاء إصرار مصر، ورغم التهديد بالفيتو الأمريكى، تقدمت الدول غير المنحازة بمشروع قرارها للمجلس، ووافق عليه 14 عضواً، بينما اعترض المندوب الأمريكى كالمتوقع، وقررت مصر ألا تتقدم بمشروعات أخرى، واعتبرت أنها بلغت بذلك غاية عملها السياسى !

* * *

مصر تؤكد طريقها

ومنذ الصيف، صارت مصر هدفاً لضغوط متباينة بغرض إقناعها بعدم الالتجاء إلى استخدام القوة ومواصلة الجهود السياسية، ولكن مصر رفضت فيما يروى حافظ التحول عن موقفها المبدئى من التسوية الشاملة، ومن ثم فلا سبيل إلاَّ استخدام القوة.

ومنذ 9 يوليو استأنف الدكتور كيسنجر اتصاله باسم «الجانب الأمريكى» من أجل الاتفاق حول جولة مباحثات ثالثة مع حافظ إسماعيل، لمراجعة الموقف، مقترحًا إن رأت مصر فائدة لذلك أن يكون اللقاء فى أسبانيا.

وبدا وكأن كيسنجر يدعو لمزيد من التنازلات حتى من قبل أن يتم اللقاء الذى يدعو إليه، ولما كانت مصر وقتها فى قلب مناقشات مجلس الأمن، فقد رد حافظ إسماعيل «الكرة» إليه، ذاكراً الترحيب باللقاء «إن كان كيسنجر يقدر فائدة له».

ثم كان أن أسقطت المواجهة فى نيويورك، أى احتمال للقاء «مفيد» مع الأمريكان، ومنذ يوليو وحتى 6 أكتوبر، توقفت الاتصالات بين حافظ إسماعيل وبين الدكتور هنرى كيسنجر.

ويذكر حافظ أنه خلال أغسطس دُعِى لزيارة كل من رومانيا ويوغوسلافيا، وأن دعوة الرئيس شاوسيكو كانت تتعلق بإبلاغنا معلومات «هامة جدًا»، وكان تقييمه للموقف يقضى بضرورة التحرك السريع نحو حل قضية الشرق الأوسط، وتقديره أن الحل المرحلى «ليس سيئًا».. وأن الحل العسكرى «ليس ممكنًا» فى الحال أو المستقبل القريب.. ولم يكن يرى الربط بين حل فلسطينى والانسحاب من الأرض المحتلة، فالفلسطينيون فيما يرى لا يتمتعون بتصور واقعى وليس لديهم برنامج عمل واضح. وفى رأيه أن الظروف ملائمة للتوصل إلى تسوية من قبل الانتخابات الإسرائيلية، وأن جولدا مائير على استعداد للاتصال بمصر على النحو الذى يناسب الرئيس السادات، وهى ترحب بحل سلمى، وتتوقع الانسحاب من جميع الأراضى العربية «تقريبا».. إلاَّ أنها لا تستطيع تطوير آرائها إلاَّ من خلال اتصالات مباشرة وربما سرية.

وفى القاهرة، رفض السادات منطق شاوسيكو، مع شكره على اهتمامه، مبديا أن السلام لا يتجزأ، وأن أنصاف الحلول تسهم فى زيادة «شهية» إسرائيل للمغامرات !!

وفى دوبرفنيك، أبدى وزير الخارجية اليوغسلافى لحافظ إسماعيل، أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تنفرد بالتسوية بالنظر إلى علاقات القوى، وأن قمة واشنطن لم يتحقق فيها غير الاتفاق على تجنب المواجهة بين القوتين الأعظم. ودعا مينتش إلى مواصلة الجهد السياسى، مؤكدًا جدوى استمرار الضغط على الولايات المتحدة بدعم كتلة عدم الانحياز والأمم المتحدة واستخدام «الطاقة» كأداة ضغط.. مع ضرورة باسم الرئيس تيتو ألاّ نعطى الانطباع لإسرائيل بضعفنا العسكرى.

المعركة ضرورة

وهكذا، فيما يبدى حافظ إسماعيل، جئنا إلى نهاية صيف 1973، وقد صرنا واثقين أن المعركة العسكرية باتت حتمية.. كانت ضرورة معنوية وسياسية.. للقوات المسلحة وللشعب، ولأجيالنا القادمة.. وكان أن ساد الهدوء جبهة عملياتنا السياسية خلال سبتمبر 1973، ولكنه كان الهدوء الذى يسبق العاصفة.

(يتبع)

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة