اقتصاد وأسواق

الريح‮ .. ‬والبلاط وجه مصر تغسله‮ »‬الثورة القادمة‮« »‬1‮«‬


 أخيرًا أتي »زمان مصر«، أخرجه ثوار التحرير من تحت أنقاض حكم مبارك المطرود، الذي تصور أن مصر التي يحكمها هي »روما نيرون القديم« المجنون الذي ألهمته ألسنة نيرانها »نوتة ألحانه« التي لم يحتفظ بها تاريخ المدينة القديمة، وإن احتفظ ذلك التاريخ بتفاصيل ما فعله نيرون في ليلة روما المشئومة، لتتعلم شعوب الأرض نتائج تسليم أمورها للحكام المجانين الجهلاء الذين لا يدركون قيمة الأرض والشعب الذي يحكمونه، فهؤلاء لا يتركون خلفهم عند الرحيل - ولابد أن يرحلوا - غير »الأنقاض والتراب«، وذلك تمامًا ما تركه مبارك وفرقة لصوصه عقب أن أجبروا علي الرحيل إحياء لحكمة يعلمها الله بأن يلتقوا خلال سني حياتهم الأخيرة بـ »هول« المواجهة التي لم يعملوا لها - طوال سني حكمهم - أي حساب ذلك أن الشعب المصري كله - بملايينه التي تقترب من الثمانين - كان خارج كل حساباتهم حتي في تخاريف الأحلام منذ تصوروا - بألوهية دنيوية زينها لهم »خبث« صفوت الشريف و»لؤم« زكريا عزمي - أنهم نعمة من الله علي المصريين، الذين - في تصورهم - ليسوا »وش نعمة«، ومن ثم كان لابد من »أجهزة أمن جهنمية« تجبر هؤلاء علي قبول النعمة حتي لو كانوا كارهين، ليخرج من وسط هؤلاء »سعداء الحزب الوطني« بداية بـ »أحمد عز« ونهاية بأي عضو »جربوع« في قرية مصرية نصب نفسه - بعضوية الحزب أو سيد قراره - »عمدة« عليها حتي لو لم يكن كذلك، لتصاب مصر كلها بالعمد السعداء وسط بؤس مصري حزين تقضيه أسر مصرية كثيرة لا تجد قوت عيالها وإن لم تسلم من زيارات منتصف الليل لأفراد »مباحث أمن الدولة« لتعود بشباب تلك الأسر بجريمة »التفكير« في قلب نظام الحكم، وهي تهمة لا يعود منها المتهم أبدًا حتي لو ماتت أمه كمدًا، ومعها أبوه في تشييع لجنازات ضحايا ظلوا بقية حياتهم التعيسة يتساءلون: أين اختفي الأولاد؟

 
إن »زمان مصر« الذي أتي به ثوارها لن يعود أبدًا إلي الوراء إلي حيث لا شمس ولا قمر، ولا مبارك من جديد، ولا عزمي، ولا العادلي، ولا الشريف، ولا جمال، ولا علاء، ولا الفاضلة أمهم، بعد أن علمونا بقسوة قلوبهم الكثير، وتعلمنا من نهبهم لكل خير علي أرض مصر الأكثر، فزمان هؤلاء لن يعود، وزمان أشباهههم كذلك لن يعود، ذلك أن ما ذهب - طبقًا لخبرات الدهر - أبدًا لن يعود تحقيقًا لقوله تعالي: »وتلك الأيام نداولها بين الناس« »آية 140 آل عمران«.

 
ورغم كل »الفوضي« المحيطة بنا من كل جانب، والقادمة من كل اتجاه، بعضها رياح سوداء قادمة من سماوات في الخارج، وبعضها قادم من سحب الجهل المصرية، والتشرذم المحيط بجماعات »أدمنت« ميدان التحرير، بينما لم يحضر أي منها »أيامه الحرجة« التي سقط فيها المصابون وشهداء القناصة، وإن ارتدوا الآن ملابس المجاهدين، رغم وجود قلة من ثوار التحرير الحقيقيين التائهين وسط آلاف الغرباء والذين يحسون بالكثير من الأسي علي »النقاء« الذي صنعوه قبل أن يختلط بانتهازية الكثيرين الذين أتوا لقطف ثمار أشجار لم يزرعوها، ناسين أن كل قطاف بغير عناء هو قطاف من حرام، ذلك أن الزارع الأصيل هو الأولي بما زرع.. وهم المصريون!

 
وتقول القراءات المصرية الصحيحة لكل ما يجري، إن الفوضي الحالية هي »حالة مؤقتة« لن تدوم، وإن اليقظة الشعبية التي تتابع وتراقب لن تسمح بالانحراف عن نهج الثورة التي صنعها ودفع ثمنها »شباب النقاء المصري«، ولن تسمح كذلك لأي يد باغتيال تلك الثورة بأي حجة كانت، وتتولي حراسة الثورة الآن كتائب مليونية من شعب مصر الصامت الذي يتتبع ويراقب ليل نهار، حفاظًا علي »مولوده الأول« الذي حمله رحم الشعب المصري ثلاثة عقود كاملة إلي أن ولد عملاقًا في ميدان التحرير، وهو المولود الذي يواجه الآن - بقدرة شعب مصر كله - آلاف العمالقة ذوي »الأقدام الفخارية« الذين يتصور كل منهم أنه سوف يكون المنتصر في نهاية الأمر، وهو أبدًا لن يكون، ذلك أن ما مضي لن يعود طبقًا »لعبقرية الأيام« وأن من ينصره الله لا يهزمه بشر!!

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة