أسعار العملات
أسعار الدولار بالبنوك
سعر الشراء سعر البيع البنك
17.87 17.97 البنك المركزى المصرى
17.86 17.96 بنك الإسكندرية
17.89 17.79 بنك مصر
17.88 17.78 البنك الأهلي المصري
17.96 17.86 بنك القاهرة
17.96 17.86 البنك التجاري الدولي CIB
17.95 17.85 البنك العربي الأفريقي
أسعار الذهب
متوسط أسعار الذهب بالعملة المصرية
السعر بالجنيه المصري الوحدة
600.00 عيار 21
514.00 عيار 18
686.00 عيار 24
4800.00 الجنيه الذهب
اسعار السلع
اسعار السلع الاساسية بالجنيه المصرى
السعر بالجنيه المصري السلعة
9.00 الارز
16.00 الزيت
10.00 السكر
8.00 المكرونة
7.00 الدقيق
3.50 الشاي 40 جم
80.00 المسلى الطبيعي
40.00 المسلى الصناعي
35.00 الفراخ البلدي
28.00 الفراخ البيضاء
45.00 ديك رومي
45.00 بط
30.00 سمك بلطي
50.00 سمك بوري
60.00 سمك مكرونة
150.00 جمبري
80.00 كابوريا
140.00 لحم بتلو
120.00 لحم كندوز
130.00 لحم ضاني

سيـــاســة

الوجه الآخر لتركيا أردوغان.. فقر وسلطوية وتوزيع ظالم للثروة


رجب طيب اردوغان
رجب طيب اردوغان
رمضان متولى:

غطت سحب الدخان الكثيفة سماء اسطنبول، ثانية أكبر مدن تركيا، لمدة أربعة أيام على التوالى، بينما انتشرت فى ضواحيها القريبة من ميدان «تقسيم» الشهير أصوات قنابل الغاز المسيلة للدموع وعمليات الكر والفر بين الشرطة والمتظاهرين من كل ألوان الطيف السياسى المعارض، فيما يذكرنا بمشاهد الانتفاضة الثورية فى مصر وتونس أوائل العام 2011.

وكما حدث فى ثورتى مصر وتونس الرائعتين، تسبب عنف الشرطة ووحشيتها تجاه المتظاهرين وتعنت السلطة وعنادها فى انتشار المظاهرات حتى تغلبت على شوكة قوات مكافحة الشغب التى انسحبت من ميدان تقسيم يوم السبت أول يونيو الحالى، واندلعت مظاهرات أخرى فى أنقرة العاصمة والعديد من المدن والضواحى الأخرى، وبدأت المطالب تتصاعد بسقوط رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان الذى ينتمى إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامى الحاكم.

بدأت الانتفاضة الثورية فى تركيا بتجمع عدد صغير لا يزيد على 50 شابا وفتاة فى حديقة جيزى القريبة من ميدان تقسيم فى مدينة اسطنبول يوم 28 مايو الماضى، فى محاولة لمنع الحكومة من تدمير الحديقة وقطع الأشجار لإقامة بناء على الطراز العثمانى يحوى مركزا تجاريا قرب الميدان. هاجمت الشرطة المتظاهرين بوحشيتها المعهودة فى تركيا وبمساعدة مجموعات من البلطجية المنظمين الذين أحاطوا بالمتظاهرين من كل جانب وبدأوا فى إلقاء كرات اللهب وقنابل الغاز عليهم مما نتج عنه فض اعتصامهم وحرق الخيام.

 
وحشية الشرطة ضد أى مظاهرات معارضة للسلطة ليست جديدة على تركيا، رغم كل ما يقال عن ديمقراطيتها، غير أن رد فعل الجماهير كان مختلفا هذه المرة، استخدم الشباب مواقع التواصل الاجتماعى تويتر وفيسبوك على شبكة الانترنت فى فضح العنف البوليسى تجاه المتظاهرين أثناء فض الاعتصام، مما أدى إلى تزايد أعداد المتظاهرين الذين توافدوا على ميدان تقسيم ودخلوا فى مواجهات مفتوحة مع قوات مكافحة الشغب حتى تحول الاعتصام الاحتجاجى الصغير إلى حركة جماهيرية واسعة ضد الحكومة انتشرت فى مختلف أنحاء البلاد، وامتدت إلى 70 مدينة تركية من بينها أنقرة العاصمة.

أمام صلف أردوغان وتصريحاته العنجهية، تدفقت الجماهير فى مظاهرات حاشدة ضمت مئات الآلاف فى شوارع اسطنبول يوم الجمعة 31 مايو واشتبك الآلاف منهم مع الشرطة فى شارع استقلال، استخدمت خلالها السلطة كميات هائلة من الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه فى محاولة فاشلة لمنع المظاهرات من الوصول إلى ميدان تقسيم.

وقام المتظاهرون بإقامة المتاريس فى مختلف أنحاء المدينة حيث استمرت الاشتباكات حتى الساعات الأولى من صباح السبت أول يونيو، وفى أنقرة العاصمة خرجت مظاهرات الطرق على الأوانى بينما شاركت مدن أخرى بإطفاء المصابيح الكهربية وإشعالها فى فترات معينة إعلانا للتضامن مع المحتجين واعتراضا على وحشية الشرطة.

تنوعت انتماءات الجماهير المشاركة فى المظاهرات، وكانت الغالبية الساحقة بينهم ممن لا ينتمون إلى أى تنظيمات أو تيارات سياسية، ولكن كان بينهم أيضا الشيوعيون الذين لوحوا بأعلامهم الحمراء، والأناركيون، وجبهات اشتراكية ونقابيون مع أحزاب كردية، كما كانوا ينتمون إلى مختلف الفئات العمرية من الرجال والنساء والعاطلين والمهنيين وفقراء المدن، إضافة إلى فئات تنتمى إلى الطبقة الوسطى بل حتى شرائح من الطبقات الغنية.

 
انضمت للمظاهرات كذلك روابط مشجعى كرة القدم من مختلف الفرق المتنافسة على غرار مشاركة الألتراس فى الانتفاضة الثورية فى مصر. كما شهد الميدان مشاركة واسعة من الأكراد والعلويين حتى إن عضوا برلمانيا عن حزب السلام والديمقراطية الكردى تعرض للاعتداء من جانب الشرطة فى بداية الأحداث.

وكانت نتيجة هذه المشاركة الواسعة أن هزمت الشرطة التركية أمام الجماهير لأول مرة منذ أحد عشر عاما ونجح المتظاهرون فى اقتحام ميدان تقسيم واحتلاله للمرة الأولى بعد حظر المظاهرات بالميدان الشهير منذ الانقلاب العسكرى فى أواخر السبعينيات، عندما تعرض العمال لحملة قمع وحشية فيه أثناء احتفالات عيد العمال، أصبح الميدان بعدها قبلة لجميع المظاهرات التى تخرج احتجاجا على السلطة، ولكنها كانت تقمع بوحشية قبل بلوغه.

وقبل شهر واحد من أحداث الانتفاضة الحالية، وتحديدا فى أول مايو من العام الحالى واجهت الشرطة مظاهرات العمال التى اتجهت إلى الميدان للاحتفال بعيدهم والاحتجاج على تردى أوضاعهم نتيجة سياسة الليبرالية الجديدة التى تنتهجها حكومة حزب العدالة والتنمية. واستخدمت قوات الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة ضد المظاهرات وقامت بالقبض على العديد من المشاركين فيها وتمكنت من تفريقها قبل بلوغها الميدان الذى أصبح قبلة المظاهرات الاحتجاجية منذ انقلاب 1980 وحتى الآن.

وخلال الانتفاضة الأخيرة التى انطلقت أواخر الشهر الماضى حاولت الشرطة عبثا منع المتظاهرين وتفريقهم قبل بلوغهم ساحة تقسيم الشهيرة باستخدام قنابل الغاز وخراطيم المياه والرصاص المطاطى على مدى أربعة أيام، ولكنها فشلت وانسحبت من الميدان بعد سقوط ثلاثة قتلى أحدهم شرطى وإصابة 4000 من المتظاهرين، وقد ألقت الشرطة القبض على 900 آخرين.

 
مطالب المتظاهرين التى بدأت بمحاولة منع قطع الأشجار وإقامة المبنى تصاعدت إلى المطالبة باستقالة أردوغان وفصل قيادات الشرطة التى أمرت باستخدام القوة ضد المتظاهرين. هذه المطالب مع ذلك لا تمثل إلا قمة جبل الجليد، وما يدور فى تركيا أعمق بكثير من مجرد عنف الشرطة وقطع الأشجار. بل يتجاوز بكثير ما يتصوره العديد من القوى المشاركة فى الأحداث عن مضمونها ودوافعها، خاصة ما يتصوره «العلمانيون» عن أن المظاهرات خرجت دفاعا عن «علمانية» الدولة ضد التوجهات الدينية لسياسة أردوغان - خاصة بعد قوانين تنظيم بيع الخمور التى تحظر بيعها خلال الفترة بين العاشرة مساء والسادسة صباحا.

دوافع ومضمون المظاهرات أيضا تختلف عن الرواية التى تروج لها الحكومة التركية والتى عبر عنها أردوغان لدى عودته إلى البلاد مساء الخميس الماضى كأب غاضب يتوعد أطفالا أشقياء! وبدا أردوغان عنيدا وحاسما فى خطابه الذى ألقاه أمام 10 آلاف من مؤيديه الذين ذهبوا لاستقباله فى المطار رفعوا خلاله شعارات معادية ومتوعدة ضد المتظاهرين. ورغم ذلك بدا أنه تراجع عن إقامة مركز تجارى فى حديقة جيزى المجاورة للميدان وقال إنه سيقيم مركزا ثقافيا كبيرا. لكنه لم ير فى المظاهرات إلا مؤامرة من قبل جماعات «إرهابية» وماركسية لينينية متشددة. ووجه هجوما شرسا ضد الإعلام متهما الصحفيين والقنوات التليفزيونية بأنها شجعت أعمال العنف والتخريب. كما سبق وهاجم مواقع التواصل الاجتماعى واتهم المتظاهرين بأنهم يحاولون عرقلة أى عمل إيجابى لحزب العدالة والتنمية!

ورغم أن العديد من المجموعات الاشتراكية والأناركية نصبت خيامها فى حديقة جيزى للاعتصام، فإن أغلبية ساحقة من المتظاهرين والمعتصمين لا ينتمون لأى تيارات سياسية ولا أى أحزاب، فقد تحول ميدان تقسيم إلى مهرجان ديمقراطى شعبى بعد منع عبور السيارات فيه وإقامة المتاريس على مداخله بعد انسحاب الشرطة فى أول يونيو الحالى، وأصبح الميدان شبيها إلى حد كبير بميدان التحرير خلال فترات الاعتصام الحاشدة ينتشر فيه باعة جائلون للطعام والشراب وآخرون يبيعون الأقنعة المختلفة ونظارات السباحة للوقاية من تأثير الغاز.

مشاركة جماهيرية حاشدة وقوى سياسية تقتنص الفرصة:

وصف تقرير لجريدة الجارديان البريطانية الأغلبية الكاسحة من المشاركين فى اعتصام ميدان تقسيم بأنهم لا ينتمون إلى أى حزب سياسى ولا أيديولوجية محددة، وأن جلهم من الشباب المتعلمين الساخطين على سياسات أردوغان المحافظة، ومنهم الطلاب ومبرمجو الكمبيوتر والمدرسون وسيدات البيوت وبائعو المجوهرات. عدد منهم نصبوا خيامهم فى الميدان، وبعضهم أنشأ مكتبة للاطلاع وتطوع آخرون لمهمة النظافة، وتتركز المطالب بشكل أساسى على الرغبة فى حماية الحريات الشخصية والديمقراطية.

 
هذه الصورة تذكرنا بما كان يردده الإعلام بعد الأيام الثمانية عشر الأولى من الانتفاضة الثورية فى مصر، والتى كانت تصف المتظاهرين «بالشباب الطاهر النبيل» وأبناء الطبقة الوسطى المتعلمين، فى محاولة غير مباشرة لإدانة جميع الأحداث والاحتجاجات التى أعقبت هذه الفترة الوجيزة من عمر الثورة المصرية.

لكن الصراع فى تركيا أيضا ليس بسيطا، والجماهير الحاشدة التى خرجت منتفضة ضد أردوغان وحزب العدالة والتنمية التحقت بها وشاركت معها جماعات سياسية كثيرة وأحزاب لها توجهات متباينة وتحاول الهيمنة على الاحتجاجات، وأغلب هذه الجماعات والأحزاب السياسية ذات أغراض تختلف تماما عن طموحات وآمال الجماهير الثائرة.

من بين الجماعات السياسية التى شاركت فى المظاهرات بعد هزيمة الشرطة هو اتحاد الشباب التركى، وهى جماعة عنصرية تحاول استدعاء الحكم العسكرى إلى تركيا، وقد رددت هتافات مثل كلنا جنود مصطفى كمال (أتاتورك)، ذلك علاوة على القوميين من حزب الشعب الجمهورى (الكماليين) - وهو أكبر أحزاب المعارضة الذى خسر فى الانتخابات الأخيرة أمام حزب العدالة والتنمية بفارق كبير - وحزب الحركة القومية، وهو حزب فاشى، يسعى مع الكماليين إلى الدعوة لانقلاب عسكرى على أردوغان وتشكيل حكومة ائتلافية فى حماية الانقلاب. ويسعى هذا التحالف بين القوميين والعسكريين إلى الهيمنة على المظاهرات، ولكنهم ما زالوا حتى الآن عاجزين عن ذلك بسبب مشاركة العديد من القوى السياسية الأخرى خاصة الاشتراكيين والأناركيين الذين يرفضون الخطاب القومى العنصرى والانقلاب العسكرى كما يرفضون سياسات حزب العدالة والتنمية. وعندما حاول ممثل حزب الشعب الجمهورى إلقاء كلمة وسط الجماهير أجبروه على التوقف بالهتافات المعادية للعنصرية والعسكرة.

وأكثر ما يثير غضب القوميين تجاه حزب العدالة والتنمية هى مساعى أردوغان الأخيرة لإطلاق عملية سلام مع الأكراد، لذلك فهم يحاولون استدعاء الجيش لوقف هذه العملية، وذلك على خلفية تاريخ الجيش التركى وانقلاباته العسكرية المتكررة والتى كان يعقبها قمع وحشى للجماهير وللأقليات الكردية وغيرها. وكانت نتائج الصراع والقمع العسكرى للأقلية الكردية على مدى 30 عاما قتل الملايين من الأكراد الذين يناضلون من أجل حقوقهم الثقافية والقومية بالإضافة إلى العديد من جنود الجيش التركى والمدنيين وعمليات التعذيب والقمع الوحشى التى مورست ضدهم. مبادرة حزب العدالة والتنمية لإطلاق مفاوضات سلام مع الأكراد والقيادة المباشرة لحزب العمال الكردستانى تلقى تأييدًا واسعًا من غالبية الشعب التركى وتهدف إلى الاعتراف بحكومة الإقليم ومنحها صلاحيات أوسع، بالإضافة للاعتراف باللغة والثقافة الكردية.

الأمر هنا لا يقتصر على النزعة القومية والعنصرية لدى الكماليين والفاشيين تجاه الأكراد والقوميات المضطهدة فى تركيا والتى ترى مفاوضات العدالة والتنمية مع حزب العمال الكردستانى خطرا عليها، بل يمتد إلى الصراع الطويل بين هذا الحزب منذ نجاحه فى انتخابات عام 2002 مع ما يسمى «الدولة العميقة» فى تركيا خاصة مؤسستى الجيش والقضاء، وهو صراع هدأ لفترة طويلة نسبيا بعد تحالف أردوغان الظاهرى مع قيادات الجيش، وعدم تعرض الحكومة للمؤسسة الاقتصادية الهائلة التى يديرها الجنرالات، والفائدة العظيمة التى حققها رجال الأعمال الأتراك من السياسات الليبرالية الجديدة فى ظل انتعاش اقتصادى فى تركيا دام عدة سنوات حتى عام 2011 عندما تعرض الاقتصاد التركى لهزة عنيفة فى وقت بدأ فيه حزب العدالة والتنمية يشعر بالقوة ويحاول تعديل الدستور الذى أصدره العسكر ويمنحهم مزايا وصلاحيات كبيرة - بما يجعلهم دولة فوق الدولة - وبهدف منح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع، حيث يعتزم أردوغان ترشيح نفسه للرئاسة فى الانتخابات المقبلة.

صراع الإخوة الأعداء - الجماهير تدفع الثمن:

يتبنى حزب العدالة والتنمية التركى خطابا شعبيا محافظا، كونه ينتمى فى جذوره إلى تيار الإسلام السياسى، فقد خرج كانشقاق عن حزب الرفاه الإسلامى الذى قاده نجم الدين إربكان وحقق نجاحا انتخابيا فى منتصف التسعينيات من القرن الماضى وشكل حكومة ائتلافية، وهو ما انتهى بتدخل عسكرى فيما يشبه الانقلاب وتصفية وجود الحزب فى عام 1997عندما تم حل حزب الرفاه ومنع إربكان من ممارسة أى نشاط سياسى، كان خطاب إربكان أكثر تشددا تجاه الاتحاد الأوروبى وإسرائيل والغرب بوجه عام، ويرفض الرأسمالية من ناحية أنها تشجع الربا، غير أنه كان رافضا لفكرة الجهاد، فى وقت كانت الجماعات الإسلامية المسلحة فى ذروة نشاطها. خرجت مجموعة رجب طيب أردوغان لتتخلى عن فكرة العداء للغرب والرأسمالية، بل كانت تسعى بقوة إلى ضمان انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، الذى كان إربكان يعتبره ناديا مسيحيا صهيونيا، علاوة على انتهاج سياسة خارجية تتجنب الصراع مع جيرانها (إيران، والعراق، وسوريا) والتى كانت تركيا قبل ذلك على مشارف الحرب معها، وتواكب مع تغير خطاب الإسلاميين الذين شكلوا الآن حزب العدالة والتنمية تقارب شديد بينهم وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى (وخاصة بريطانيا) مع تبنى خطاب يمزج بين القومية والدين، مما أقنع الولايات المتحدة آنذاك بدعم الحزب الجديد حتى تدخلت لدى صندوق النقد الدولى لضخ حوالى 20 مليار دولار فى الاقتصاد التركى الذى كان يعانى آنذاك أزمة عنيفة، تدفقت على إثرها الاستثمارات الأجنبية بكثافة من الولايات المتحدة وأوروبا، كما تدخلت كذلك لاحتواء العسكريين وأقنعتهم بضرورة إفساح المجال للحزب لتحقيق الاستقرار فى تركيا التى كانت تعانى الأزمات السياسية والانقلابات خلال 30 عاما سابقة.

ينكر حزب العدالة والتنمية أنه حزب دينى، لكنه يستخدم الدين بكثافة فى دعايته السياسية والانتخابية وفى دعم قاعدته الشعبية بين أوساط اليمين المحافظ فى المناطق الحضرية. وخلال عشرة أعوام أمضاها فى السلطة، حقق نجاحا فى ثلاثة انتخابات متتالية متقدما فى كل مرة عن المرة السابقة، واستطاع أن يدعم نفوذه وهيمنته على مختلف المؤسسات، خاصة مؤسستى الجيش والقضاء اللتين اصطدم معهما أردوغان فى 2007 ثم فى 2012 عندما أحال عددا من العسكريين والصحفيين إلى المحاكمة بتهمة التآمر لتنفيذ انقلاب عسكرى بعضهم كان متورطا فيها بالفعل.

وانتهج الحزب سياسات الليبرالية الجديدة، والتى نتجت عنها خصخصة العديد من الشركات وما ترتب على ذلك من اتساع الفوارق الطبقية وما صاحبها من قمع شديد، لكن سياساته كانت مدعومة بتدفقات استثمارية هائلة من الخارج رفعت معدلات النمو خلال معظم سنوات حكمه إلى ما يقارب %7 فى المتوسط وبلغت فى بعض السنوات 9.5 % لتصبح تركيا ثانى أكبر اقتصاد من حيث معدل نمو الناتج المحلى فى العالم بعد الصين.

ساعد ذلك حزب العدالة والتنمية فى صراعه مع بيروقراطية الدولة والإعلام، وبدأ دعم مراكزه داخلها تدريجيا، حتى أضعف نفوذ المؤسسة العسكرية وقام باحتواء الشرطة والقضاء، كما استخدم المؤامرات التى كانت تحاك ضده فى ترتيب انقلاب عسكرى فى إضعاف المعارضة ومحاصرة الحقوق الديمقراطية، وخلال هذه الفترة ارتفع أصوات الحزب فى الانتخابات من 34.28 % من الأصوات فى انتخابات 2002 إلى حوالى 50 % من الأصوات فى انتخابات 2007 بفارق كبير عن أقرب معارضيه، وهو حزب الشعب الجمهورى (الكمالي). وفى عام 2009 بدأت المفاوضات مع حزب العمال الكردستانى التى أسفرت فى عام 2013 عن نداء زعيم الحزب عبد الله أوجلان - الذى يقضى عقوبة السجن مدى الحياة فى زنزانة انفرادية فى تركيا - إلى مقاتليه بإلقاء السلاح والكف عن أى عمليات فى تركيا. وتواكب مع ذلك نوع من تطوير العلاقات مع حكومة إقليم كردستان العراق للاستفادة من مواردها النفطية الهائلة.

وفى هذا الإطار تحولت حكومة العدالة والتنمية من حالة الدفاع إلى الهجوم، لم يكن الحزب فى يوم من الأيام يعتمد على دعم قوى اليسار أو الحركة العمالية - بل كان جزءا من ترتيبات استقراره فى الحكم يقتضى قمع هذه الحركة قمعا شديدا - وقد حدث ذلك كما يتضح من ضرب مظاهرات العمال فى احتفالات أول مايو الماضى. ولكنه الآن أصبح فى غير حاجة إلى التنازل أمام الليبراليين أو «العلمانيين»، كما بات يشعر بالقوة أمام العسكريين، وبدأ الهجوم على ما يتعلق بحقوق المرأة والحريات الشخصية، كما بدأ ترتيبات تعديل الدستور الذى فرضه العسكر - وهو دستور استبدادى، لكن أردوغان يستخدم ذلك ليس من أجل زيادة مساحة الديمقراطية فى الدستور وإنما لسحب بعض الصلاحيات من العسكريين وزيادة صلاحيات الرئيس، حيث يعد لترشيح نفسه رئيسا فى البرلمان المقبل عام 2014.

ربما أخطأ أردوغان توقيته فتأتى الرياح بما لا تشتهى السفن:

كما رأينا، اعتمد حزب العدالة والتنمية فى صراعه مع القوميين والعسكريين الذين يعتبرون أنفسهم حراس العلمانية فى تركيا على نجاحاته الانتخابية باستخدام خطاب دينى من جانب، وعلى سحب البساط من تحت أقدامهم بكسب الدعم الغربى الشديد عبر طمأنة الولايات المتحدة والأوروبيين على مصالحهم الاستراتيجية فى منطقة الشرق الأوسط، وعلى تحالفهم التاريخى مع تركيا، وإقناعهم بأن تركيا يمكن أن تحقق استقرارا لنفوذهم فى المنطقة تحت حكم الإسلاميين (المعتدلين). ومن جانب آخر، ضمن للعسكريين نفوذهم ومزاياهم (ولو مؤقتا) وتبنى سياسات ليبرالية جديدة لاحتواء رجال الأعمال وضمان مصالح الرأسمالية التركية - التى يستند إلى جناح منها يدعمه بالمال - ولكنه أيضا ساهم فى تحقيق مكاسب هائلة أيضا للرأسمالية التركية التى تدعم القوميين والعلمانيين بتبنى هذه السياسات على حساب جماهير الفقراء والعاملين بأجر.

شجع ذلك الولايات المتحدة على التدخل لدى صندوق النقد الدولى حتى يقدم لتركيا قرضا كبيرا فى عام 2002 لإنقاذها من أزمة اقتصادية حادة، وساهم فى تدفق رؤوس الأموال الأجنبية من الولايات المتحدة وأوروبا التى أعادت هيكلة الصادرات التركية وحققت معدلات نمو كبيرة فى إجمالى الناتج المحلى. كل ذلك جعل حزب العدالة والتنمية يتقدم فى كل انتخابات جرت منذ عام 2002 وحتى الأخيرة على خصومه السياسيين وقوضت إلى حد كبير من شعبية القوميين والفاشيين، خصوصا بعد مفاوضاته الأخيرة مع حزب العمال الكردستانى، ودفع أردوغان إلى الشعور بفائض من القوة أغرته بمحاولة تدعيم نفوذه ونفوذ حزبه أكثر. لكن الرياح جاءت بما لا تشتهى سفن أردوغان. فما بين تأثير سياساته الاقتصادية على زيادة الفوارق الطبقية والتضخم الذى يتحمل أعباءه الفقراء، إلى الأزمة الاقتصادية الأخيرة التى تعرضت لها تركيا بسبب اعتمادها الكثيف على التصدير إلى أوروبا وعلى تدفقات رأس المال الأجنبى - التى تراجعت بشدة بسبب الأزمة - إلى اندلاع الثورات فى المنطقة من تونس ومصر وغيرهما والتى كان لها تأثيرها فى إلهام الشباب التركى مواجهة خطط ومظالم الطبقة الحاكمة فى بلادهم، أصبح أردوغان محاصرا، وعاد القوميون والفاشيون إلى استدعاء العسكر وتأجيج الصراع من جديد بين أجنحة طبقة الحكم التركية.

على سطح الصورة، حققت تركيا فى ظل حزب العدالة والتنمية معدلات نمو هائلة فى إجمالى الناتج المحلى، وبين عامى 2002 و2011، بلغ متوسط معدل النمو 7.5 % سنويا، وارتفع نصيب الفرد من الدخل القومى من 2800 دولار فى عام 2001 إلى حوالى 10 آلاف دولار سنويا فى عام 2011. وتعرض الاقتصاد التركى لأزمة عنيفة بتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية فى عام 2008-2009، ولكنه استطاع التعافى منها بسرعة، محققا معدلات نمو قوية بلغت 9 % فى عام 2010 و8.5 % فى عام 2011.

غير أن هذا النمو الكبير اعتمد كما أشرنا على تدفق الاستثمارات الأجنبية فى إطار التوسع الشديد فى عملية الخصخصة، والاستفادة من انهيار العملة التركية خلال عامى 2000 و2001 بعد قرار الحكومة تعويم العملة، وبلغ معدل التضخم حوالى 90 % فى عامين، علاوة على ما أشار إليه تقرير بعثة صندوق النقد الدولى فى عام 2002، الذى أشاد بأوضاع سوق العمل فى تركيا موضحا أن مليونى عامل فقط من 20 مليون عامل تركى أعضاء فى نقابات، وأن اتفاقيات الأجور الجماعية لا تشمل إلى مليون عامل فقط، بينما بلغت نسبة البطالة رسميا %10.5 من قوة العمل، وأن النسبة الحقيقية تجاوزت ذلك بكثير إذا وضعنا فى الحسبان أن نصف القوى العاملة تعمل فى القطاع غير الرسمى، وإذا أضفنا إليها البطالة المقنعة فى القطاع الزراعى. وتحدث التقرير أيضا عن انخفاض الأجور الحقيقية للعمال بمعدلات كبيرة مقارنة بالعمال فى أوروبا وكذلك إعانة البطالة التى لم يتم إقرارها إلا فى مارس 2002 ولا تتجاوز 20 % من الحد الأدنى للأجور وتصرف لمدة ستة أشهر فقط، بما يغرى بتحقيق مكاسب هائلة للمستثمرين الأجانب والأتراك من عمالة رخيصة ومدربة وبلا أى ضمانات ضد الفصل التعسفى.

واعتمد النمو الاقتصادى الهائل فى تركيا خلال الفترة نفسها 2002 - 2011 على التوسع الكبير فى الاقتراض الخارجى، وخلال أربع سنوات فقط من 2008 إلى 2012 حقق الاقتصاد التركى نموا بقيمة 44 مليار دولار، بينما ارتفع الدين الخارجى بقيمة 55 مليار دولار، كما تركزت معظم هذه الاستثمارات والأموال فى قطاعات التصدير حتى أصبحت تركيا عرضة لمخاطر أى تقلبات فى السوق العالمية، وهو ما حدث بالفعل.

ففى عام 2012 تدهورت معدلات النمو فى إجمالى الناتج المحلى تدهورا حادا وصل إلى 2.2 % بتأثير تدهور شديد فى الاستهلاك المحلى وأزمة الديون الأوروبية التى أثرت على تدفقات رأس المال وعلى أسواق التصدير، وذلك بعد معدلات نمو كانت تنافس الصين، ووفق الأرقام الرسمية التى نشرتها جريدة وول ستريت الأمريكية، انخفض معدل النمو خلال الربع الأخير من عام 2012 إلى %1.4 فى أقل معدل ربع سنوى منذ عام 2009 عندما تعرض الاقتصاد التركى لصدمة عنيفة بسبب انهيار بنك ليمان براذرز، وكشفت أرقام النمو عن زيادة مساهمة الصادرات بنسبة 4.1 % فى إجمالى الناتج المحلى، بعد انخفاض هذه المساهمة بنسبة 1.1 % خلال عام 2011، غير أن هذه الزيادة تعود إلى توسع تركيا فى تصدير الذهب إلى إيران لتعويض تدهور الصادرات الصناعية، علاوة على انكماش الاستهلاك المحلى بنسبة 0.8 % خلال الربع الأخير من العام الماضى.

وكان لتدهور معدلات النمو أيضا انعكاسه فى زيادة هائلة فى عجز الحساب الجارى خلال عام 2011 مسجلا 77.2 مليار دولار أو 10 % من إجمالى الناتج المحلى، أعلى مستوى لعجز الحساب الجارى فى العالم بعد الولايات المتحدة - وذلك على الرغم من تراجع العجز خلال عام 2012 إلى 48.9 مليار دولار بما يمثل 6 % من إجمالى الناتج المحلى. ورغم ارتفاع الصادرات بنسبة %13.1 خلال عام 2012 إلى 152 مليار دولار مقارنة بعام 2011، كانت هذه الزيادة كما أسلفنا نتيجة صادرات الذهب إلى إيران مقابل استيراد النفط والغاز وعلى حساب الصادرات الصناعية. ويتوقع اقتصاديون زيادة فى عجز الحساب الجارى فى عام 2013، علاوة على عجز الحكومة عن تحقيق معدل نمو فى إجمالى الناتج المحلى مستهدف بنسبة 4 %.

وتشير مؤسسة موديز إلى أن المشكلة ليست فقط فى ارتفاع عجز الحساب الجارى وإنما أيضا فى مصادر تمويله. ففى عام 2011 بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر إلى تركيا 16 مليار دولار، بينما استثمر الأتراك فى الخارج حوالى 2.3 مليار دولار، وفى عام 2012 انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبى للداخل إلى 12.3 مليار دولار، بينما ارتفعت تدفقات الاستثمار للخارج إلى 4 مليارات دولار، مما يعنى انخفاضا بنسبة 40 % فى صافى تدفق الاستثمار الأجنبى المباشر فى تركيا فى عام 2012 عن العام السابق، وأن 80 % من إجمالى العجز فى الحساب الجارى تم تمويله من خلال الأموال الساخنة - وهى الأموال التى تتدفق حاليا للخارج نتيجة الأزمة الاقتصادية والسياسية.

على خلفية تدهور الأداء الاقتصادى، والآثار الملهمة للثورتين التونسية والمصرية، يبدو أن أردوغان اختار توقيتا خاطئا تمامًا لتدعيم سلطته وتصعيد الصراع السياسى مع شركائه فى السلطة لكسب مزيد من النفوذ والسيطرة فى تركيا. خاصة أن سياساته الاقتصادية سواء فى فترة الانتعاش أو فى فترة الأزمة كانت لها تكلفة اجتماعية كبيرة.

معجزة اقتصادية انتهت بتكلفة اجتماعية كبيرة، وأزمة سياسية وبشائر انتفاضة:

كما رأينا أعلاه، لم تكن المعجزة الاقتصادية التركية معجزة إلا بمعنى تمكن الطبقة الحاكمة من خلال ذراعها التى تستخدم الدين والأفكار المحافظة، مع ظروف إقليمية مساعدة، من تحميل جماهير الأتراك أعباء أزمتها الممتدة، ولفترة مؤقتة أيضا عبر تمرير سياسات نيوليبرالية بصورة حادة تجاوزت بكثير أقرانها فى دول أخرى.

كانت لهذه السياسات تكلفة اجتماعية قاسية على المجتمع التركى تجلت فى زيادة الهوة بين الأغنياء الذين ازدادوا ثراء والفقراء الذين ازدادا فقرا وبؤسا. ففى عام 2011، الذى حقق خلاله الاقتصاد التركى نموا بلغ 8.5 %، كان نصيب أغنى 20 % من السكان يبلغ نصف إجمالى الدخل القومى بينما كان أفقر 20 % يحصلون فقط على 6 % من إجمالى هذا الدخل، ورغم النمو الاقتصادى الذى حققته البلاد خلال عقد من الزمان، تقول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية إن تركيا هى ثالثة أكثر دول العالم من حيث انعدام العدالة فى توزيع الدخل - أى من حيث الظلم الاجتماعى.

ويمثل النظام الضريبى فى تركيا نموذجا لانعدام العدالة حيث تبلغ نسبة الضرائب غير المباشرة التى يتحمل عبئها الأكبر العاملون بأجر والفقراء حوالى ثلثى إيرادات الدولة من الضرائب، بل ويتم التلاعب بنسبة هذا الضرائب للتمييز لصالح الأغنياء حيث تبلغ الضريبة العامة على المبيعات %18 بينما تنخفض نسبتها على الكافيار إلى 8 % وعلى المجوهرات والأحجار الكريمة إلى صفر بالمئة.

وخلال هذه الفترة من النمو الاقتصادى استمر معدل البطالة حوالى 9 %، دون أن يعنى النمو توفير فرص العمل للعاطلين والداخلين الجدد إلى سوق العمل، وذلك مع تلاعب الأرقام الرسمية بنسبة البطالة فى تركيا حيث لا يتم احتساب الذين يئسوا من الحصول على عمل بين العاطلين، فيما تبلغ نسبة البطالة بين شباب الخريجين من الجامعات حوالى 30 % ويبلغ الرقم الرسمى لمن يعيشون تحت خط الفقر فى تركيا 16 % من السكان، ومع تدهور معدلات النمو الاقتصادى سوف تزداد هذه التناقضات حدة، خاصة فى ظل التطورات السياسية الجارية فى منطقتنا.

إن الإطاحة بحسنى مبارك فى مصر وبن على فى تونس، وتواكب ذلك مع مظاهرات واحتجاجات واسعة النطاق فى جنوب أوروبا ضد خطط التقشف، ساهمت بالتأكيد فى وعى وخيال المتظاهرين الأتراك الذين يحاولون الآن إعادة إنتاج ميدان التحرير فى ساحة تقسيم وحديقة جيزى، ومع ذلك، فإن محاولة القوميين والفاشيين وأنصار العسكر الهيمنة على هذه المظاهرات والاحتجاجات وضعف القوى التى تطرح بدائل ثورية لمطالب الانقلاب العسكرى تضع حدودا على فرص هذه الاحتجاجات، ولكن المفاجآت السارة واردة بالتأكيد.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة