أقرأ لهؤلاء

حلول غير تقليدية لأزمة المياه


ليلى حافظ :

لكل شىء حل لدى الخبراء، بعيدا عن القروض والديون والصكوك وحقوق الانتفاع، وللكارثة التى نواجهها اليوم، والتى كنا نتحدث عنها منذ أكثر من عشر سنوات، وهى نتائج بناء سد النهضة فى إثيوبيا، أيضا لها حلول لدى الخبراء الحقيقيين.

فقد أقيمت ندوة نظمها بيت الخبرة المصرى «شركاء التنمية للبحوث والاستشارات والتدريب» بعنوان: «أزمة حوض النيل»، والتى تصادف موعد انعقادها فى اليوم التالى لإعلان إثيوبيا تغيير مجرى النيل الأزرق للشروع فى بناء سد النهضة، وفى كلمته أكد الدكتور محمد سالمان، الذى قدم ورقة العمل، أن مصر لديها كروت ضغط عديدة من أجل مواجهة تلك الكارثة وأن الحلول مطروحة وممكنة.

وإن كانت النظم السياسية فى الماضى وعبر الأربعين عاما الماضية، قد أهملت أفريقيا قصدا، وكانت السبب الرئيسى فى تراجع الدور المصرى هناك بعد أن كانت له الريادة فى كل المجالات، فإن علينا اليوم ألا نبكى عما حدث وأن ننظر الى الأمام، ونحاول إعادة ترتيب الأوراق من أجل استعادة وضعنا السابق فى تلك القارة التى طالما اعتبرناها عمقنا الاستراتيجى، وبالنسبة للوضع الراهن وفى مواجهة الأمور المستجدة، فقد قام الدكتور سالمان والفريق الذى عمل فى وضع ورقة العمل، بتحديد بعض الرؤى والقرارات التى علينا اتخاذها.

بداية أوضحت ورقة العمل أن هناك رؤى سياسية جديدة وغير تقليدية يجب أن تحكم الرؤية المصرية المستقبلية حيال نهر النيل، وهى حلول عملية وغير تقليدية للتعاطى مع أزمة مياه النيل فى مرحلتها الراهنة، تلك الحلول تضم آليات مقترحة، كما تضم محاولات تعزيز التعاون المشترك بين دول حوض النيل. ومن أهم النقاط التى علينا البدء بها هى فهم مشكلة مياه النيل وحجمها الحقيقى وأهميتها فى دول المنبع من ناحية، ولدى دول المجرى والمصب، وهما السودان ومصر، من ناحية أخرى، وإدراك أن الدول على طول المجرى تتفاوت احتياجاتها لمياه النيل، ففى حين هناك دول فى المنبع تعتمد على مياه أخرى فى زراعتها، سواء مياه أنهار أخرى او بحيرات، فإن السودان ومصر تعتمدان على مياه النيل بنسبة %96، ولكن فى حين أن دول المنبع تعانى الفقر وقلة التنمية، فإن مصر استطاعت أن تحقق تنمية زراعية وطاقة بسبب السد العالى.

فى الوقت نفسه، علينا فهم الأبعاد الاستراتيجية الدولية الخاصة بتلك المشكلة، ومواقف الدول الأخرى التى لها دور فيها مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا والصين، فمما لا شك فيه أن غياب مصر عن أفريقيا ترك الساحة خالية لتدخل القوى الأخرى التى ترى فيها ما رفضنا نحن أن نراه خلال السنوات الاربعين الماضية، خاصة منذ أن وصفهم الرئيس الأسبق انور السادات بأنهم «شوية فكة».

لذا فإن على مصر ليس فقط إعادة تقييم علاقاتها مع دول أفريقيا، ومحاولة استرداد بعض مما فقدته من دور فيها، وذلك من خلال اقامة مفاوضات ومشاورات ثنائية معها، ولكن عليها أيضا التواصل مع الدول الأجنبية الأخرى التى لها دور فى تشجيع ودعم إثيوبيا فى بناء سدودها، سواء كانت الدول أو الهيئات الدولية الداعمة والمانحة.

مع بدء عملية المفاوضات علينا أن ندرك شمولية المسألة وتعدد ابعادها، حيث يتداخل فيها السياسى والاقتصادى والقانونى، جنبا الى جنب مع الثقافى والبيئى والفنى والديموجرافى والانثروبولوجى.. وفى الوقت نفسه علينا إدراك شمولية الفاعلين فى تلك المسألة، فعلينا اشراك كل الأطراف المعنية بتلك المسألة وهى باختصار المجتمع كله.

وفى الوقت نفسه، على مصر أن تعى أن الطرف الآخر لديه ايضا احتياجات يريد تحقيقها، فإن إثيوبيا تأمل فى توليد الكهرباء من السد، ويشير التقرير أيضا الى حالة دول الحوض التى تعانى الفقر الشديد وبحاجة الى تنمية فى كل المجالات، خاصة مجالات البنية التحتية التى بحاجة الى الاهتمام. فهل مصر قادرة على تقديم مساعدتها فى تلك المجالات؟ أم أنها ستترك إسرائيل والصين والولايات المتحدة للقيام بهذا الدور؟

مما لا شك فيه أن مصر أكثر الدول الموجودة فى المنطقة قدرة على جذب دول حوض النيل اليها، وذلك لأسباب تاريخية وثقافية ودينية واقتصادية، كما أن مصالحها واحدة ومصيرها أيضا واحد، فمصيرنا جميعا مرهون بهذا الخط المائى الأسطورى، إن لدينا القدرة، ولكن السؤال هو هل النظام الحالى لديه النية او العلم أو الإدراك، للقيام بهذا الدور؟ إن مصير مصر على المحك اليوم أكثر من أى وقت مضى، فماذا نحن فاعلون؟

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة