سيـــاســة

التطهير بالقانون وليس بالوشايات والرصاص


فيولا فهمي
 
عندما انطلق صوت الرئيس الراحل، أنور السادات، عبر الإذاعة صباح يوم 23 يوليو 1952، معلناً بيان الثورة، ومفتتحاً إياه بالعبارة الشهيرة »اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير«، بدأت حملة التطهير في حصد المعارضين ورموز النظام الملكي، وذلك خوفاً من الانقلاب المضاد علي الثورة.

 
وبلغت مرحلة التطهير ذروتها بالإقصاء والسجن والمحاكمات العسكرية بالوشايات والرصاص، وخسرت مصر في تلك المرحلة العديد من السياسيين والمثقفين والأكاديميين بدعوي أنهم »رجعيون« و»موالون« للنظام الملكي البائد.
 
لكن حالياً في 2011 يبدو التساؤل عن طبيعة مرحلة التطهير عقب الثورة الشعبية التي اطاحت بالنظام السياسي في مصر، هو علامة الاستفهام التي لم يجب عنها أحد حتي الآن.. فهل تأتي رياح الثورة المصرية الجامحة بمراحل تطهير قاسية؟ أم أن الثورة البيضاء لن تأتي بتطهير انتقامي، وإنما سيكون داخل المنظومة القانونية الشرعية؟
 
الدكتور عمرو الشوبكي، خبير النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، توقع أن تتبلور مرحلة التطهير في ايجاد صيغة لبناء البديل التوافقي، الذي يبدو من خلال بناء مؤسسات قوية واضحة المعايير، بناءً علي الكفاءة والمهنية في العمل، وذلك للحيلولة دون استشراء الفساد، مشيراً إلي أن الجهد في هذا السبيل هو أبلغ رسالة للتطهير.
 
وأكد »الشوبكي« أن حملة التطهير يجب أن تشمل المتورطين في قضايا الفساد وإهدار المال العام واستغلال المناصب القيادية للتربح، وكذلك المتورطون في قضايا التعذيب التي اهانت كرامة المواطنين، ولكن دون التطرق لتصفية الحسابات مع المخالفين للرأي أو من كانوا معارضين للثورة الشعبية، وذلك حتي تكون مرحلة التطهير نظيفة وغير ملوثة، مشيراً إلي ضرورة أن تكون طبيعة التطهير باستبعاد الفاسدين من مناصبهم وتقديمهم للمحاكمات الجنائية.
 
واعتر الدكتور عماد جاد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن مراحل التطهير الدموية غالباً ما تعقب الثورة التي تأتي لإزالة نظام وإحلال نظام آخر، ولذلك جاءت الثورة التي أعقبت الانقلاب العسكري عام 1952 بفصول قاسية ودموية من التطهير لما سموه »رموز النظام الملكي البائد«.
 
ولكن الثورة الشبابية في 2011 في مصر يطلق عليها في العلوم السياسية »الثورة البيضاء«، لأنها اتسمت بالسلمية ولم تكن دموية، كما أنها جاءت للبناء علي النظام السابق، ولم تأت للانقلاب عليه بل علي رموزه فحسب، معتبراً أن التطهير سوف يكون ضد المجموعات التي افسدت الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في مصر من بقايا وأذناب الحزب الوطني الحاكم، لا سيما رجال الأعمال الذين تزاوجوا مع السلطة والمتورطين في إهدار المال العام والفساد وقضايا التعذيب.
 
ولفت »جاد« إلي أن ملامح طبيعة مرحلة التطهير أو التعامل مع الفاسدين سوف تتبلور في الملاحقات القانونية لأصحاب الثروات الضخمة والمسئولين الكبار، بهدف استعادة ممتلكات الشعب المصري المنهوبة طوال العقود الماضية، مشدداً علي ضرورة أن يكون التطهير بالقانون بعيداً عن الروح الانتقامية التي غالباً ما تلوث مراحل التطهير التي تعقب انطلاق الثورات الشعبية.
 
واستبعد عماد جاد، أن يطال التطهير رجال النظام السياسي الراحل الذين لم يتورطوا في قضايا الفساد، مدللاً علي ذلك بحالة السعادة التي انتابت جميع المواطنين عندما تولي الجيش مقاليد الأمور في مصر، رغم أن القوات المسلحة تعتبر جزءاً من النظام السابق، لكن رجالها ينالون ثقة الشعب المصري بجدارة.
 
ورغم تفكك قواعد الحزب الحاكم بعد ثورة 25 يناير 2011، نفي الدكتور جهاد عودة، القيادي بالحزب الوطني، أن تلحق بالثورة الشبابية مرحلة للتطهير، لأنها ثورة مدنية وليست اجتماعية، مشيراً إلي أن الثورات المدنية تتعلق بمسائل قانونية ودستورية، بعكس الثورات الاجتماعية التي تتفجر بسبب الصراعات الطبقية.
 
وأضاف »عودة« أن الثورة المدنية غالباً لا تعقبها مراحل التطهير، ولكن تعقبها مراحل تطبيق الإصلاحات العميقة والجذرية في المجتمع، مفرقاً بين التطهير الذي يستهدف التخلص من أصحاب طبقات اجتماعية معينة، والملاحقة القانونية التي سوف تستهدف الفاسدين والمتهمين في إهدار المال العام والتربح من المناصب العامة.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة