لايف

حلمى سالم يغلق الشرفة!


كتب - على راشد ونانى محمد :

غرد فى سموات الشعر مدافعاً عن حرية الإنسان وعن حقه فى التعبير، وها هو يترك عالمنا بعد أن ملأ الدنيا شعراً وتغريداً .. إنه الشاعر الكبير حلمى سالم، الذى يعد أحد أهم شعراء جيل السبعينيات، وقد صدر له ما يزيد على 18 ديواناً شعرياً كان آخرها ديوان «ارفع رأسك عالياً أنت المصرى » مستلهما روح ثورة 25 يناير .

 
حلمى سالم
الشاعر أحمد سويلم أكد أن الراحل حلمى سالم له تاريخ طويل من الإبداع الشعرى والدراسات النقدية والمواقف الوطنية التى جعلت منه رجلاً متنوع العطاء للحياة الثقافية فى مصر، كما أنه أتاح الفرصة لمجموعة من المواهب الجديدة أن تدخل الساحة الثقافية بدعمه من خلال المجالات التى رأسها .

واستنكر سويلم أن يتم حصر حلمى سالم فى قصيدة «شرفة ليلى مراد » التى أثارت جدلاً كبيراً، لأن ابداعاته كانت سابقة لها، كما أنه لم يتوقف عندها، بل استمر فى الإبداع والعطاء بعدها .

وأضاف الشاعر فارس خضر أن حلمى سالم كان يملك حضوراً كبيراً فى الساحة الشعرية المصرية والعربية، فهو شاعر غزير الإنتاج، وله طريقته الخاصة فى كتابة الشعر، ورغم خصوصية تجربته فإنه لم ير أن ما يكتبه هو الشعر وما عداه غير ذلك، وذلك عكس شعراء جيل السبعينيات الذين ينتمى اليهم، فقد كان يمتلك من التسامح والرحابة الفنية ما مكنه من قبول جميع الأطياف الشعرية المتباينة، فلم يكن من هؤلاء الشعراء ذوى الرؤى المغلقة .

ويرى الناقد والشاعر شعبان يوسف، أن حلمى سالم من أكثر التجارب الشعرية والفنية والفكرية ثراء وعطاء، فمسيرته تمتد لأكثر من أربعين عاماً منذ نهاية الستينيات، فقد شارك فى الحركة الطلابية، وأصدر ديوانه الأول عن الغربة فى الوطن وكان مشتركاً فيه مع الشاعر رفعت سلام .

ويعتبر حلمى سالم من الشعراء الذين وضعوا لجيل السبعينيات ملامحه، وذلك بعد وفاة الراحل على قنديل، وكان سالم يقدم مبادرات فنية وتجديدية فى الشعر، وكانت تجاربه متقدمة .

وأشار يوسف إلى أن سالم كان متعدد المواهب، شعرا ونقدا، كما أنه كان متعدد التنقلات، ففى عامى 78 و 79 سافر إلى بلجيكا وعمل بائعاً للجرائد، لكنه عاد بعد أن ذاق مرارة الفشل وأصدر ديوانه «الأبيض المتوسط » الذى عبر من خلاله عن هذه التجربة، وفى مطلع الثمانينيات سافر إلى بيروت وعمل فى الهلال الأحمر وشارك فى المقاومة اللبنانية مثل كثير من المصريين فى تلك المرحلة، حيث كانت بيروت مساحة تنفس للمثقفين العرب فى ذلك الوقت، وجاء ديوان «سيرة بيروت » انعكاساً لهذه التجربة، وقد تغنى الشيخ إمام ببعض قصائده، وكتب عن موقف المثقفين فى بيروت بعنوان «الثقافة تحت الحصار » ، وفى فترة التسعينيات قدم فيها سالم دواوينه المثيرة للجدل، من عاطفية ووطنية، وبرغم أنه كان على اطلاع قوى بأعمال أمل دنقل ونجيب سرور والأعمال النقدية لمحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس، فإنه كان يدعو دوما للتجديد فى الشعر .

ومن المثير أيضاً أن حلمى سالم حينما تولى رئاسة تحرير مجلة أدب ونقد خصص فيها جزءاً كبيراً للدفاع عن المثقفين وحرية التعبير والإبداع، فعمل ملفات خاصة لمواجهة التطرف والعنف والتهجم على مثقفين مثل فرج فودة ونصر حامد أبوزيد، وأيضاً عن الشاعر محمد عبدالسلام العمرى دفاعاً عن قصيدته «بعد صلاة الجمعة » ، والتى تم اهدار دم العمرى بسببها، وكان طوال الوقت يهتم بقضية التنوير وله فى هذا الصدد سيل من المقالات التى لم تجمع حتى الآن، وكان موقفه تجاه السلطة الثقافية وسطياً ومعتدلاً، حيث لم ينتم إليها، ولم يهاجمها، وأثار قدراً من الاختلاف، لكن فى بعض الأحيان كان المثقفون فى شدة الاعتراض على موقفه مع السلطة، وهذا أثار ضده حفيظة بعض المثقفين .

أما الشاعرة فاطمة ناعوت، فترحمت على الراحل حلمى سالم، قائلة : «لقد خسرنا شاعراً كبيراً ومثقفاً عظيماً فى زمن تغيب فيه الثقافة والمثقفون، وكان كالأب الروحى لى ولجيلى، وندين له بالكثير فقد تعلمنا منه الكثير ».

وأضافت فاطمة ناعوت أن حلمى سالم كان مهموماً بقضايا الشعر بقدر ما كان مهموماً بقضايا الوطن والتنوير، وحارب من أجل الجيل الشعرى الجديد ضد أشاوس الشعر القديم الذين حاولوا قتلهم معنوياً حتى لا ينسحب البساط من تحت أقدامهم، كما أنه عاش شاعراً مغرداً لا يبرح أرضاً شعرية إلا ليحط رحاله فى أرض جديدة مهما كان قد حقق من نجاح فى أرضه الأولى .

ولفت الناقد الدكتور شريف الجيار، إلى أن المجال الثقافى المصرى والعربى فقد واحدا من اهم شعراء جيل السبعينيات، وقد كان اسم الشاعر الكبير حلمى سالم مقترنا بجماعة «إضاءة الشعرية » التى كانت برفقة جماعة اصوات، وكان ضمن جيل مهم من شعراء السبعينيات مثل الدكتور حسن طلب وجمال القصاص ورفعت سلام ومحمود نسيم، ومن الأعمال الشعرية ترك ما يزيد على 18 ديونا شعريا من أهمها «حبيبتى مزروعة فى دماء الارض » و «سيرة بيروت » و «فقه اللذة » و «الأبيض المتوسط » ، وغيرها .

وأشار الجيار إلى أن المتلقى لشعر حلمى ومشواره الإبداعى يلحظ أنه شاعر الحرية، ففى اللحظات الأخيرة من عمره خرج لنا بديوان «ارفع راسك عاليا » مستلهما اياه من ثورة 25 يناير، كما استشرف مستقبل العالم العربى فى عام 2006 حينما قال ان المستقبل القريب سيسفر عن سقوط كل الأنظمة المستبدة .

وعن تجربته الشعرية، لفت الجيار إلى أنها اصطبغت بالمشاكسة، فقد كان دائما ينادى بحرية الانسان بشكل عام والشعوب العربية، وكان يحمل رؤية متمردة ضد الثوابت، فدائما ما نجد فى قصيدته ما يهدم التابوهات ويثير الجدل الايجابى الذى يدفع الانسان الى الحرية والدفاع عنها، ولا تنفصل تجربته الشعرية عن التطورات السياسية والاجتماعية فى مصر والوطن العربى، حيث كان يركز على الإنسان وحريته وكان دائما يعارض الأنظمة المستبدة التى تقتل روح الشعوب العربية .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة