بنـــوك

الصكوك تتحمل مهمة تمويل استثمارات الموازنة بدلاً من أدوات الدين



وزارة المالية

محمد رجب :

يرى مصرفيون وخبراء أن تبنى العمل بالصكوك خلال الفترة المقبلة من شأنه تقليل الاصدارات الحكومية من أدوات الدين وتخفيض الاعتماد على السندات، فيما يتعلق بتمويل الجزء الاستثمارى فى الموازنة العامة للدولة، موضحين أن الأمر مازال يحتاج إلى الكثير من الوقت حتى يمكن استبدال الأداة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بالأدوات التقليدية.

وشددوا على أن الصكوك لا يمكن أن تحل محل أدوات الدين بشكل كامل فى تمويل عجز الموازنة العامة، بسبب اشتمالها على كثير من المصروفات مثل الأجور والدعم وإعطاء وزن نسبى منخفض للانفاق الاستثماري، منبهين فى الوقت نفسه إلى أن هناك تكاملاً بينهما من حيث القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتى تساعد على زيادة معدل النمو الاقتصادى بما يرفع من الإنتاج ويقلل البطالة ونمو الحصيلة الضريبية بشكل يؤدى إلى تقليل حجم الدين المحلى.

يذكر أن حجم الدين العام المحلى طبقا للتقرير الصادر من البنك المركزى وصل إلى 1.380 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر عام 2012 مقارنة بـ1.132 تريليون بنهاية 2011، بارتفاع قدره 248 مليار جنيه بمعدل نمو %21.9، واستحوذت أرصدة أذون وسندات الخزانة الحكومية على النصيب الأكبر من الدين العام بمبلغ 1.157 تريليون جنيه، فيما سجل الاقتراض من جهات أخرى نحو 25.5 مليار جنيه، وارتفعت نسبة الدين العام المحلى إلى إجمالى الناتج المحلى إلى %77.6 خلال الربع الثانى من العام المالى الحكومى المنتهى ديسمبر 2012، فى مقابل %73.5 خلال الفترة نفسها من العام السابق عليه، أى بزيادة %4.1.

ومع اقتراب دخول الصكوك الواقع العملى خلال الفترة المقبلة، بدأت العديد من التكهنات فى الظهور، خاصة فيما يتعلق بتأثيرها على تقليل الإصدارات من الأذون والسندات الحكومية والتى تستخدم فى تمويل عجز الموازنة العامة للدولة بدرجة كبيرة، بالإضافة إلى مدى قدرة الأداة على تخفيض حجم الدين المحلى وجذب الأفراد والبنوك للاستثمار فيها.

وأوضح محمد البلتاجى، رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامى، أن تبنى العمل بالصكوك واستخدامها كأداة تمويلية فى الفترة المقبلة من الممكن أن يقلل من اعتماد الحكومة على الأذون والسندات الحكومية فى تمويل المشروعات العامة للدولة مشدداً على أن الأمر مرهون بمدى إقبال الجمهور على الاكتتاب فيها.

وأشار إلى أن استبدال الصكوك بأدوات الدين الحكومية والاعتماد عليها فى تمويل الاستثمارات أمر يحتاج إلى الكثير من الوقت، مؤكداً فى الوقت نفسه أن الأداة الإسلامية لا يمكن أن تحل محل الأذون والسندات الحكومية بشكل كامل فى تمويل عجز الموازنة، ولكنها تستطيع أن تقلل من مقدار الخلل فيها وتخفض حجم الدين العام من خلال تمويل المشروعات والاستثمارات.

وأعطى البلتاجى مثالاً على دولة السودان التى قللت من اعتمادها على أدوات الدين وتخفيض عدد الاصدارات منه، وتبنى واستخدام الصكوك كأداة تمويلية بدرجة كبيرة، بالإضافة أيضاً إلى دولتى البحرين والإمارات وغيرهما من الدول.

وقال تامر يوسف، رئيس قطاع الخزانة بأحد البنوك الأجنبية، إن قانون الصكوك يوضح كيفية استخدام الأداة والأدوار التى يمكن أن تقوم بها، موضحاً أن تمويل عجز الموازنة يخرج عن نطاق مهامها وهى ما تختص به أدوات الدين الحكومية بشكل كبير، بما يعنى أن كل أداة لها مجال تستخدم فيه.

وأشار يوسف إلى إمكانية الاعتماد على الصكوك بدلاً من الأذون والسندات الحكومية فى المدى الطويل لتمويل الإنفاق الاستثمارى فى الموازنة العامة والذى يتضمن إقامة المشروعات المختلفة فى القطاع الخدمى مثل الكهرباء والنقل والمواصلات وإنشاء المناطق الصناعية، على عكس الحال فى الجزء الباقى والمتعلق بالدعم وخدمة الديون وسداد الأجور لحوالى 6 ملايين مواطن يعملون فى الجهاز الإدارى للدولة، وهو ما يعد بنوداً تمثل مصروفات على أشياء غير منتجة.

وقال يوسف إن الدين العام يدخل فى تمويله السندات طويلة الأجل والتى تختص بتمويل الانفاق الاستثمارى مثل الاستثمار فى التعليم وزيادة أعداد المدارس والجامعات، مشيراً إلى أن استخدام الصكوك فى تمويل ذلك الجزء من شأنه تقليل عبء الديون على الحكومة.

ولفت إلى أن تخفيض حجم الدين المحلى يحتاج إلى زيادة معدل النمو الاقتصادى والذى لا يستطيع التمويل الداخلى تلبيته بمفرده بسبب انخفاض معدل الادخار المحلى، مما يؤدى إلى اللجوء للاستثمارت الأجنبية المباشرة وجذبها عن طريق الصكوك وسندات الشركات، بما يضمن زيادة الإنتاج وارتفاع نسبة التوظيف ونمو حصيلة الضرائب بما يمكن الدولة من تقليل الديون المستحقة عليها، ما يعنى أن هناك تكاملاً بين الصكوك والسندات فى تمويل الاستثمارات.

وشدد يوسف على أن القطاع المصرفى يقارن بين عائد ومخاطر الصكوك قبل توظيف الأموال والاستثمار فيها، موضحاً أن أهم مخاطرها تتمثل فى مدى تمتع الأصل بالسيولة والقدرة على تحويله إلى نقدية بشكل سريع ودون تحمل خسائر، وهو ما يأتى عن طريق زيادة الطلب عليه بشكل يحقق ربحية معقولة للبنك تزيد على المخاطر الناتجة عن الأصل.

ولفت يوسف إلى أن هناك ارتفاعاً فى شهية الأفراد للإقبال على الاستثمار فى الصكوك والتى تفضل التعامل فى الأدوات الإسلامية بالإضافة إلى إمكانية جذب شرائح أخرى مثل التى تبتعد عن التعامل مع المصارف بشكل عام وكذلك مستثمرو الخليج نتيجة التشابه ووجود نفس ثقافة التعامل مع الأدوات الإسلامية ولكن الأمر مرهون فى النهاية بالعائد على الأداة، حيث تتم مقارنته مع العوائد التى تعطى للأصل نفسه فى الدول الأخرى.

وأوضح عمرو أبوزيد، الخبير والمحاضر فى التمويل الإسلامى، أن حصيلة العائد من إصدارات الصكوك سيتم توجيهها إلى إنشاء المشروعات والدخول فى الاستثمارات مما يخفف من الضغط على أدوات الدين الحكومية والاعتماد عليها فيما يتعلق بتمويل الجزء الاستثمارى فى الموازنة العامة للدولة.

وشدد أبو زيد على أهمية البحث عن حلول جذرية لتقليل حجم الدين العام المحلى والذى بلغ 1.38 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2012 قبل الحديث عن تخفيض الإصدارات من أدوات الدين الحكومية مشيراً إلى أن هناك نسبة كبيرة من الانفاق العام تذهب إلى سداد الرواتب وخدمة الديون.

وقال إن أى مشروع يتم الدخول فيه غالباً ما يتكون من جزء محلى وآخر يتطلب الحصول عليه من الخارج، لافتاً إلى أن الحكومة كانت تعتمد على الاقتراض من أجل الحصول على المكون الخارجى ولكن مع تبنى العمل بالصكوك سيمنحها فرصة الاعتماد على القطاع الخاص فى تمويل ذلك الجزء وتخفيف أعباء الديون الخارجية.

وأكد أبوزيد أن الصكوك لن تمنع الحكومة من استخدام أدوات الدين الحكومية ولكن قد تقلل من الاعتماد عليها فى الأجل الطويل موضحاً أن التمويل الإسلامى يعد أداة تمويلية مكملة للمصادر الأخرى تساعد على تحسين البنية الأساسية وتنمية قطاعات الاقتصاد، وأنه لا توجد دولة فى العالم غير مدينة سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى ولكن ينبغى أن يكون حجم الدين فى المستويات المقبولة حتى لايؤدى إلى حدوث أزمة اقتصادية فى الدولة.

وأعطى خبير التمويل الإسلامى مثالاً بدولة ماليزيا، موضحاً أنها من أكبر الدول من حيث عدد الاصدارات والاعتماد على الصكوك كأداة تمويلية إلا أنها تستخدم مصادر تمويل أخرى فى الوقت نفسه مثل الأذون والسندات والقروض بما يحقق مبدأ التنويع من أجل تقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على بديل واحد فقط.

ولفت أبوزيد إلى عدم جواز استخدام الصكوك فى تمويل عجز الموازنة العامة للدولة لأنها عبارة عن شراء ديون، وهو ما يخالف مفهوم التمويل الإسلامى الذى يرتبط بمفهوم الاقتصاد الحقيقى وتمويل عملية التنمية كما أن دين الدولة يعتبر ناتجاً عن أشياء كثيرة وليس شيئاً محدداً.

وقال محمد الدقدوقى، رئيس المعاملات الإسلامية السابق فى البنك الوطنى المصرى، إن تبنى الصكوك بشكل عملى خلال الفترة المقبلة من شأنه زيادة عدد الملاك على حساب الدائنين موضحاً أن هناك أدوات تمويلية كثيرة من بينها السندات وهى أداة دين تتمثل تكلفتها فى سعر الفائدة المدفوع مقابلها بجانب الصكوك والتى تعد سند ملكية فى المشروع المصدر له ويتضمن امتلاك أصل أو المنفعة الناتجه عنه بما يحقق العائد المنتظر للمستثمرين فيه وهو ما يتطلب توافر شرط الإنتاجية فى الاصل.

وأضاف الدقدوقى أن الصكوك لا يمكن استخدامها فى تمويل عجز الموازنة حتى لايحصل حملة الأداة على عائد مشابه لأدوات الدين متمثل فى سعر الفائدة، مشيراً إلى أنه يمكن استخدام الصكوك فى توفير التمويل للاستثمارات بالموازنة العامة للدولة مثل إنشاء الطرق بما يوفر على الحكومة عبء اصدار السندات والديون الناتجة عنها.

وأكد أن إصدار الصكوك على أصول قائمة يشبه الخصخصة، وهو أمر ليس جيداً، مشدداً على أهمية أن يكون الاصدار مرتبطا بأصول جديدة، وأن يتأكد الأشخاص أولاً قبل الاستثمار فى الصكوك من الربح الناتج عنها ومقارنته مع المخاطر بجانب القدرة على استرداد اصل الاستثمار.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة