سيـــاســة

القضاء .. ساحة صراع بين الإخوان والعسكر


سلوى عثمان

ساحات القضاء المصرية، والتى من المفترض أنها ساحات الاختصام القانونى الهادئ، أصبحت اليوم أكثر ساحات المعارك السياسية سخونة وحدة .. فقد أصبحت المحاكم اليوم - باختلاف أنواعها ما بين قضاء عادى وقضاء إدارى والمحكمة الدستورية - هى التى يتم فيها حسم قضايا الدستور والإعلانات الدستورية، والمجالس النيابية .. والجمعية التأسيسية، بل وصل الأمر إلى أن البعض أصبح يرى أن كثيراً من القرارات السياسية تصنع اليوم وفى ذهن من يتخذها خطة واضحة لإبطالها من خلال القضاء متى استشعر أن نتائجها لن تأتى بما يشتهيه ويتمناه .

 
فاستغلال ساحات القضاء فى المعارك السياسية بهذا الشكل كواحدة من أوراق اللعبة السياسية أصبح ظاهرة واضحة للجميع، وهو الأمر الذى يثير العديد من علامات الاستفهام حول هذا التوظيف السياسى لساحة القضاء .

المستشار رفعت السيد، رئيس نادى قضاة أسيوط، قال إن اللجوء إلى القضاء فى المنازعات السياسية، ومحاولة فرض الرأى من جانب طرف سياسى على الأطراف الأخرى من خلال استخدام القانون عبر ساحة القضاء، يؤدى بالقطع إلى النيل من هيبة القضاء وثقة المواطنين فى قضائهم الحر والمحايد والنزيه، لأن القضايا السياسية هى قضايا حمالة أوجه وتختلف فيها الآراء والأفكار، فإذا ما استعانت إحدى الجهات بوسائل غير مشروعة فى استغلال صياغات قانونية غير دقيقة، صدرت عن غرض أو هوى من قبل من أصدروها، وتعين على القضاة باعتبارهم مطبقى القانون أن يطبقوها فإن الغضب الجماهيرى سيتجه للقضاء وللنيل منه، وليس إلى العوار الموجود فى القانون نفسه إن وجد .

وأعطى السيد أمثلة لهذه المشكلة، ومنها الحكم بحل مجلس الشعب، فالمعروف أن القانون الذى قامت عليه الانتخابات غير دستورى وهو ما جعل المحكمة تحكم بعدم دستوريته بالفعل، والأمر نفسه حدث فى الحكم على حل اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، وفى كل مرة يحكم فيها أحد القضاة بحكم من المفترض أن يحترم، يفاجأ القضاة بوابل من الاتهامات والسباب الشديد واتهامهم بالموالاة لجهة بعينها ولم ينظر واحد من هؤلاء الذى يقذفون القضاء بالباطل لنصوص القانون التى تدفع كل قاضٍ للحكم بهذه الأحكام، فالقاضى أقسم على احترام القانون وتطبيقه طالما صدر من سلطة شرعية، وهو ما سيفعله القضاة دائماً مهما نالوا من اتهامات .

وصرح السيد بأن السلطة القضائية مصابة بكثير من الجراح، ونزفت الكثير من الدماء التى تمنى أن تشفى منها بسرعة، نظراً لكثرة الطعنات الدامية التى تسىء إلى القضاء وإلى رجاله، وبالتالى فإن ناتج ذلك يجب أن يكون فى غير صالح القضاء والقضاة، وتعويض الدم الذى نزف والمهانة التى ألقيت بغير حق على القضاء تحتاج إلى وقت لرأب الصدع وتضميد الجراح .

د . كامل مندور، من اللجنة القانونية بحزب الحرية والعدالة، أوضح أن اللجوء لساحات المحاكم للفصل فى المنازعات السياسية هو أمر طبيعى جداً، وغير الطبيعى هو استخدام القضاء سياسياً من قبل أحد الأطراف على حساب هيبة القضاء المصرى .

وأوضح مندور أنه من المعروف عن نظام مبارك أنه كانت لديه أيادٍ معروفة فى السلك القضائى، كانت تتحرك عندما كان هذا النظام يحاول إضفاء الشرعية على قراراته الخاطئة، وهو ما يقوم به المجلس العسكرى الآن .

وأكد مندور أن القضاة أنفسهم يعرفون ذلك، وهو ما جعلهم يطالبون بالاستقلال عن السلطة التنفيذية بالكامل، فالعيب موجود والجميع معترف به، لكنه قليل وسط القضاة الشرفاء، موضحاً أن من أكثر الهيئات التى ظهر فيها الانحياز هى الدستورية العليا واللجنة العليا للانتخابات، وهو ما ظهر عندما خرج أحد أعضاء المجلس العسكرى ليصرح بالحكم فى إحدى القضايا قبل النطق به بالفعل .

وقال مندور إن د . محمد مرسى، رئيس الجمهورية، يحاول أن يعالج الأمور بحكمة وروية، فهو يعرف أهمية القضاء، والقضاة أنفسهم يعرفون العوار الذى أصبح موجودا بالهيئة القضائية، مما جعله يؤكد مرة أخرى استقلال القضاء للخروج من هذه الأزمة، وجعل القضاء خارج الصراعات السياسية .

من جانبه، أوضح د . أحمد مهران، مدير المركز المصرى للدراسات الاستراتيجية والقانونية أن السوابق فى العلاقة بين السياسة والقضاء كان لها أثر فى نفوس المصريين، حيث إنهم بالفعل أصبحوا يشكون فى أن القضاء أحياناً ما تكون أحكامه مبنية على اعتبارات سياسية لا قانونية، كما أن هناك الكثير ممن لهم مصالح بالسلطة والسيطرة على مقاليد الحكم يثيرون الشكوك حول الأحكام القضائية كونها جميعها مسيَّسة، وهو ما اعتبره أمراً غير صحيح، فالاعتبارات القانونية من وجهة نظر مهران هى المسيطرة عند صدور الأحكام .

وصرح مهران أن ما يحدث من تشكيك واضح ودائم ومستميت يمس القضاء المصرى والقضاة الشرفاء سيجعل المجتمع المصرى بالكامل يخسر مؤسسة من أهم المؤسسات فى مصر، ولن يصبح هناك فصل لوقف أى نزاع يقع بين السلطة التنفيذية وباقى السلطات فى الدولة .

وأشار مهران إلى تعمد جهة بعينها كسر القضاء المصرى، لتحقيق مصالح شخصية، مشدداً على ضرورة احترام القضاء، لأن التشكيك، ورمى القضاة بالباطل، سيجعلهم يتنحون جانباً والتوقف عن أداء دورهم القضائى، وهو أمر خطير يهدد ركناً أساسياً من مؤسسات الدولة .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة