أقرأ لهؤلاء

من أرشيف الذكريات (66)


رجائى عطية

بدأ حافظ إسماعيل ببيان «المسائل الإجرائية» التى دار حولها حواره مع هنرى كسينجر، فأوضح أنه عرض أن خطتهم تجرى على أساس أن المرحلة الحالية تستهدف التوصل إلى «رؤوس موضوعات الاتفاق» والتى تفسر القرار 242 تفسيرًا مقبولاً، خاصةً بالنسبة للأراضى (السيادة، الانسحاب، الأمن) وغزة (تقرير المصير، اللاجئين)، وتلى تلك المرحلة المقرر لها أن تنتهى قبل أول سبتمبر، وضع الأحكام النهائية لرءوس الموضوعات، فى صورة برنامج تنفيذى يتضمن جميع عناصر التسوية ومراحلها وتوقيتاتها. وعن إجراءات التفاوض فضل حافظ أن يستمع الأمريكيون لنا ثم لإسرائيل، ثم يضعون صياغة لرءوس موضوعات الاتفاق بين وجهتى النظر، ثم مناقشتها معنا، ويصير على الأمريكيين تأمين موافقة إسرائيل عليها، وبين حافظ ثقة مصر فى قدرة الولايات المتحدة على القيام بدور رئيسى فى التسوية، وكفاية إمكانياتها لإقناع إسرائيل إذا أرادت حقًا التقدم نحو التسوية، وأشار بصفة خاصة إلى الأثر السلبى لاستمرار تسليح إسرائيل، وأن ذلك يغريها بالقدرة على الاحتفاظ بالأراضى، مما يقوض فرصة التسوية.

وفى المقابل أوضح الدكتور كيسنجر أنه ليس صحيحًا أن الولايات المتحدة قادرة على عمل شىء مع إسرائيل، وأن ما يمكن تحقيقه سوف يستغرق وقتًا طويلاً، ومن ثم فمن رأيه إعطاء إسرائيل حق التعليق على ما يتم التوصل إليه، ولكنه تفهم مبررات رفض مصر إتباع هذا الأسلوب الذى يقود إلى سلسلة من التنازلات كما حدث عام 1971، وعلى هذا اقترح كيسنجر ألاّ تدعى إسرائيل للمشاركة فى المباحثات حتى يتحقق التقدم. وأضاف كيسنجر أن قدرة الولايات المتحدة على «إقناع» إسرائيل إنما تتوقف فى تقديره على قدر ما يتحقق من «تغييرات ملموسة» فى المواقف العربية، «وأن هذا هو المفتاح» فإذا أمكن إثبات أن مصر قامت بخطوة ذات مغزى، فإن ذلك سيعطى كيسنجر المبرر والأساس المعنوى فى مواجهة الداخل الأمريكى للنظر فى ممارسة الضغط الذى أشار إليه الجانب المصرى. وأضاف أن الولايات المتحدة لا تريد الحرب ولا يمكن أن تخلق موقفًا يزيد احتمالاتها، بأن تعزل إسرائيل أو تضعفها عسكريًا إلى درجة الإغراء على حربها من جيرانها أو من السوفييت، ومع ذلك فإن الأمريكيين مستعدون للنظر فى ممارسة نفوذهم بطرق أخرى.

وتناقش الطرفان فى مسألة اشتراك الاتحاد السوفيتى فى المباحثات، إلاَّ أن كيسنجر مع إقراره بالمصالح السوفييتية فى الشرق الأوسط، وتأكيده أنهم لا يطالبون مصر بالاختيار بينهم وبين السوفييت، إلاّ أنه لم يحبذ إدارة حوار بين الولايات المتحدة وكل من مصر والاتحاد السوفييتى فى نفس الوقت اعتقادًا منه بأن ذلك سوف يخلق بلبلة، ويحتم من ناحية أخرى دعوة إسرائيل للاشتراك فى المناقشات.

ولكن حافظ إسماعيل أبدى اهتمام مصر بوجوب أن يعرف السوفييت بصورة عامة بما يحدث، ودعا كيسنجر إلى ضرورة إبلاغ السوفييت إذا ما أوشك شىء هام على الحدوث فى المباحثات. وفى المقابل نفى كيسنجر أنهم يطالبون مصر بالانفصال عن السوفييت، ودعا إلى الأمانة معهم حتى لا يُتْرك شىء لسوء الظن. وأكد أن الأوضاع الداخلية فى مصر لم يكن لها دور فى قراراتهم عام 1971، وأنهم لن يتدخلوا تحت أى ظروف فى شئون مصر الداخلية. أما عن المعاهدة مع السوفييت، فلم يخف كيسنجر أنه طالما استمر اعتماد مصر عليها فإن ذلك سيقلل من الدافع الأمريكى لإجراء التسوية، مع تقديره وعدم اعتراضه على علاقات الصداقة مع السوفييت، وأنهم لا يعتقدون بأننا أتباع لهم، وإلاّ لاقتصر تعاملهم على السوفييت وحدهم.

وانتقل حافظ إسماعيل إلى تناول ما دار فى المباحثات حول «المسائل الموضوعية»، وفيها احتلت المسألة الفلسطينية مساحة مهمة، وأكدت مصر على كفالة حق تقرير المصير لأهالى الضفة الغربية وغزة وتحت إشراف الأمم المتحدة وداخل خطوط 1949 لتكونا وحدة سياسية واحدة يمكنها أن تنظم علاقاتها مع جيرانها، ووجوب تحقيق تسوية مقبولة لمشكلة اللاجئين ؛ وإصرار مصـر على عروبة مدينة القدس (القديمة) وعدم التنازل عن السيادة عليها.

وأبدى كيسنجر أنه يرى أن يتولى الملك حسين الحديث باسم الفلسطينيين بشأن الأراضى العربية المحتلة.. وأن تصبح التسوية «الأردنية» على هذا النحو نهائية، وتصبح علاقة الفلسطينيين بالأردن فيما بعد مسألة أردنية داخلية، فلا تكون شرطًا مسبقًا للاعتراف بإسرائيل من جانب الدول العربية.

وأبدى حافظ إسماعيل أن مصر ترى أن السلام الشامل سوف يتحقق بتسوية القضية الفلسطينية، وفى هذه الحالة يمكن تصور قيام علاقات جوار، ولكن ذلك لن يتحقق بين يوم وليلة. ودون ذلك، فإن تحقيق تسوية سياسية سوف يتضمن إنهاء حالة الحرب وتنفيذ عدد من الإجراءات كإنهاء المقاطعة الاقتصادية، وتوقف كل صور التعرض من أراضينا، وتأمين المرور فى قناة السويس ومضيق تيران، وإقامة ترتيبات أمن دولية.

وعارض كيسنجر الربط بين إنهاء حالة الحرب بمسألة الاعتراف بإسرائيل، بمقولة إن شرعية إسرائيل لا يجب أن تكون محل نزاع، وطالب بأن تزيد مصر «جاذبية» ما تعرضه «كمضمون» لنتائج انتهاء حالة الحرب، مع التخلى عن سياسة «الحد الأقصى»..لأن ذلك لا يساعد على التقدم.

وأكد حافظ إسماعيل أن الاعتراف بإسرائيل رهن بتحقيق تسوية شاملة.. يتحدد فيها «شكل» إسرائيل المطلوب الاعتراف بها. وتساءل كيسنجر إن كان من الممكن أن يتضمن إنهاء حالة الحرب الاعتراف بإسرائيل «داخل حدود فلسطين».. إلاّ أن حافظ أصر على ضرورة معرفة ما يُطْلب الاعتراف به، وأن ذلك لا يمكن أن يتم تبينه قبل تحقيق تسوية شاملة، وأضاف أن إبرام اتفاق سورى وأردنى «سيفتح الباب أمام التزام مصرى أكثر وضوحًا».

وعن السيادة والأمن، قال كيسنجر إن التوفيق بينهما «شرط مسبق» للحل، فانسحاب إسرائيل سيترتب عليه فى تقديرها التخلى عن بعض ضمانات أمنها، بينما الموقف الحالى أكثر اتفاقًا مع مصلحتها باعتبار أن خطوط قناة السويس ونهر الأردن أفضل خطوط دفاعية لإسرائيل من الناحية العسكرية.

وفى المقابل، تمسك حافظ بأن الموقف المصرى يرى وجوب تحقق «الأمن» لمصلحة الطرفين، وألاََّ يترتب على الإجراءات المقترحة أى امتيازات استراتيجية لطرف دون آخر. وتضمنت المقدمات المصرية للأمن:

إنشاء مناطق منزوعة السلاح تحت إشراف دولى.

انتشار قوات دولية فى مناطق خاصة ولمدة محددة.. مثل شرم الشيخ.

تقديم ضمانات القوى الكبرى للاتفاق المعقود وضمان مجلس الأمن.

أما النقطة المثيرة فيما يروى حافظ فكانت حول ما اقترحه كيسنجر حول «إجراءات أمن مؤقتة» لم تُسمع من قبل، ويقصد بها أنه مع إعادة السيادة لمصر على كامل أراضيها تستمر بعض ترتيبات الأمن فى بعض المناطق.. مثل وجود عسكرى إسرائيلى فى شرم الشيخ، ومحطات إنذار جوى داخل الحدود المصرية، واستمرار الرقابة الجوية الإسرائيلية فوق سيناء، موضحًا أن هذه الترتيبات الخاصة المطلوب قبولها تنصرف إلى الفترة ما بين إنهاء الحرب، وإقامة السلام.. وتنتهى بتحقيق السلام الشامل.

ولكن حافظ رد بأن رغبة مصر فى التوصل لتسوية شاملة، لا تعنى السلام بأى ثمن، واقترح إعادة مناقشة المسائل التالية فى الاجتماع المقبل:

التعريف المحدد لمضمون «إنهاء حالة الحرب».

الترتيبات العملية لتحقيق الأمن.

توقيت الاعتراف بإسرائيل.

وانتهت هذه الجولة من الاجتماعات بين حافظ/ كيسنجر، مصحوبة بالإعراب عن الأمل فى تخطى الصعاب التى تواجه الطرفين، وحرص حافظ على إبداء أن الناس لم تعد تقبل استمرار وقف إطلاق النار.. وأن مصر على استعداد لقبول التحدى.

وفى طريقه على مقره للإخلاد لبعض الراحة بعد عناء المباحثات، فوجئ حافظ إسماعيل برسالة من الرئيس السادات تطلب منه أن يتوقف فى بون فى طريق عودته للقاهرة، للالتقاء بالمستشار الألمانى فيلى برانت، ومناقشة قضية الشرق الأوسط معه.

وفى بون استبان واضحًا لحافظ، أنه رغم قدرة ألمانيا الاقتصادية، فإنها لم تكن تتمتع بنفس القدر من النفوذ السياسى، وأن «الاعتبارات التاريخية» المتصلة بموقف ألمانيا الهتلرية من اليهود تحد من دور ألمانيا فى قضية الشرق الأوسط، وبدا لحافظ أن اهتمام برانت بقضية الشرق الأوسط يعكس على الأرجح تقديره لارتباط السلام فى المنطقة بعلاقات الوفاق بين الشرق والغرب.. واعتماد أوروبا على بترول الشرق الأوسط، وما قد ينشأ عن انهيار السلام من احتمالات توقف تدفقه وتهديد خطوط مواصلاته.

وفى اللقاء الذى بسط فيه حافظ إسماعيل رؤية مصر، وهدف جولاته، اعترف برانت بأن «أوزار» الماضى تحد من حريتهم فى هذا الجيل، وبأن أوروبا فى تقديره تلعب دورًا محدودًا فى السياسة الدولية، وأن الحل يجب أن يبقى فى إطار الأمم المتحدة، وإن كان من الممكن أن يكون هناك دور للمبادرات الآتية من خارج المنظمة الدولية، ولم يخل رأى المستشار الألمانى من الإثارة من الناحية الموضوعية، فضلاً عن تقييمه أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى يحتكران النقاش حول القضية، فإنه يعتبر أنه لا يوجد ما يسمى «حلاً نهائيًا».. فمجرى التاريخ لا يتوقف عند حد، وما هو نهائى اليوم قد يتحول غدًا إلى شىء مصطنع وقابل للكسر، وتمثل بأنه قيام الألمانيتين: الغربية والشرقية، ليس حلاًًّ نهائياً.

وفى طريق عودته فى المساء إلى القاهرة، طفق حافظ إسماعيل يسترجع ما أجراه من مباحثات، حاضرًا فى ذهنه أن الأمريكيين يحومون حول إبرام اتفاق مرحلى لإعادة فتح قناة السويس، بينما ترفض مصر هذا الاقتراب وتصر على التسوية الشاملة. أما الموقف من حيث التوقيت، فقد بات واضحًا له أن الوقت لم يكن إلى جانب السلام، وأن استمرار وقف إطلاق النار عبء يثقل كاهلنا.

لم يكن الأمريكان على استعداد لتحقيق نتائج سريعة، بينما نحن نردد نفس الأفكار مرات ومرات دون أن نجتاز حافة الحرب.. وها نحن فى ربيع 1973 ولم يحدث أى تعديل جوهرى إيجابى لمصلحتنا.. وما نزال فى بداية طريق مفاوضات طويلة ينبغى لها إيقاعًا أسرع وأهدافًا أكبر مما يقدره الأمريكيون.. والتعامل مع هذا الواقع يتطلب ثقلاً عربيًا ودوليًا أكبر.. إذا أردنا حقيقة أن نتوصل إلى تحقيق تقدم جوهرى قبل نهاية العام.. عام 1973!! (يتبع)

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة