لايف

السياسة تهدد قوة مصر الناعمة !


كتب - على راشد :

لم تكن الثورة المصرية كأى ثورة أخرى جامدة بعيدة عن الفن والثقافة أو «القوة الناعمة » المصرية، بل جاءت الثورة بمزيد من إبداعات الشعب المصرى ليس فقط فى الهتافات، وإنما فى الشعر،ورسوم الكاريكاتير، والجرافيتى والموسيقى ..الخ، وكان الميدان حتى فى أحلك الظروف مليئا بهذه الفنون والثقافات المتعددة والتى لم تلتف حولها النخبة وإنما التفت حولها طوائف الشعب بمختلف توجهاتها وطبقاتها، إلا أن الأمر الذى أثار اندهاش الجميع مؤخرا هو أن الثقافة المصرية بدأت وتيرتها تتراخى يوما بعد يوم منذ انتهاء الثمانية عشر يوما بالتحرير وتنحى مبارك، مما أدى إلى إصابة الثقافة بحالة من الشلل نظرا لانشغال الجميع بالأحداث السياسية والتظاهرات، وهو ما أربك الواقع الثقافى الذى انتهى إلى توقف بعض النشاطات فى العديد من المكتبات ودور النشر والهيئات الثقافية، وعلى الرغم من ذلك أقيمت بعض الفعاليات الخفيفة إلا أن الاقبال عليها كان ضعيفا للغاية .

 
الشاعر عماد غزالى، لفت الى ان هناك فعاليات ثقافية موجودة فعليا إلا أنها تائهة بين الأحداث السياسية ولا تسلط الأضواء عليها، وحتى الصفحات الثقافية فى الصحف تراجعت تماما بعد الثورة، بل أصبحت تحذف فى أحيان كثيرة، كل ذلك ساعد على حالة الركود الثقافى الراهنة، إلا أنه مع كل هذه المعوقات توجد محاولات – لا بأس بها – من الأدباء والمبدعين لاستمرار الحركة الثقافية، لكن الظروف المحيطة من قلة الإقبال على الفعاليات الثقافية صارت معوقا أكبر .

وأشار غزالى إلى أن تراجع النشاط الثقافى ليس فى صالح الواقع المصرى وذلك لوجود العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية التى تتطلب رؤية ثقافية تحللها وتقومها، وضرب المثل بندوة اقيمت مؤخرا وشارك فيها عدد من قامات الفكر والثقافة فى مصر مثل الناقد عبد المنعم تليمة والدكتور كمال مغيث والدكتور حامد طاهر، وقاموا خلالها بتحليل الأحداث قبل وبعد الثورة، مع عرض توقعاتهم المستقبلية لما سيحدث بعد ذلك، إلا أن هذه الندوة لم تتناولها وسائل الإعلام ولم يحضرها أكثر من 20 فردًا !

وأشار إلى أن التعتيم الإعلامى حول الأحداث الثقافية يرجع الى أن الإعلام يسير مع الموجة، وهو لا يهتم الا بالأحداث الساخنة، ولايبالى كثيرا بالثقافة، الا أنه من المتوقع أن تكون الأحداث والقضايا الثقافية أكثر بروزا على الساحة فى الفترات المقبلة نظرا لصعود التيارات الإسلامية وما يثيره هذا الصعود من قضايا وخلافات تتعلق بحرية الرأى والتعبير .

فى حين أكد عماد العادلى، المستشار الثقافى لمكتبات «ألف » أنه منذ اندلاع ثورة يناير بشكل عام والأحداث الثقافية تقل تدريجيا، إلا أن تصاعد وتيرة الاستقطاب السياسى منذ الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية جعل الأمر أكثر تعقيدا، فقد بدأ الجميع - بمن فيهم كثير من المثقفين – يفكرون فى الانضمام الى التنظيمات السياسية وانشغلوا بها عن الثقافة والفن .

وأوضح العادلى أن الأمر لم يتوقف فقط على الفعاليات الأدبية والثقافية، وإنما خفتت وتيرة الفعاليات خلال العام والنصف العام الماضى، فتوقفت السينما المصرية إلا قليلا، وصارت تنتج عددا ضئيلا من الأفلام، كما أن المزاج العام للمصريين فى الفترة الأخيرة كان سياسيًا إلى حد كبير ولعبت برامج «التوك شو » دورًا كبيرًا، وتم تكثيف البرامج السياسية على كل القنوات، مما جعل الجميع يلتفت إليها خاصة أنهم كانوا فى حالة ترقب للمستقبل، فكانوا منتظرين لتحديد رئيس الجمهورية وحدوث الاستقرار، مما خلق جوا من النقاش بين الناس على المقاهى وفى كل الأماكن حول الأحداث السياسية .

وعن إمكانية عودة الثقافة إلى طريقها الصحيح من جديد، قال العادلى إن المجال الثقافى والمعرفى لن يزدهر الا اذا حدث استقرار سياسي واجتماعي ولو بشكل نسبى، وذلك لن يحدث إلا بعد الانتهاء من إشكالية من الحاكم الحقيقى لمصر هل هو الرئيس أم المجلس العسكرى؟ وحين تحل هذه الأزمة سيعود الجميع ليتواصلوا معرفيا وثقافيا خاصة اننا فى مجتمع لا ينظر إلى الثقافة على أنها شيء أساسى، بل يرونها حالة من الترف .

أما محمد ابو المجد، مدير الإدارة المركزية للثقافة بالهيئة العامة لقصور الثقافة، فأكد أن الثقافة موجودة فى كل المؤسسات الثقافية بدءًا من مكتبة الإسكندرية التى تنتظم فى فعاليتها أسبوعيا، وكذلك الهيئة العامة للكتاب التى تعمل على تطوير الكتاب، فضلاً عن المجلس الأعلى للثقافة الذى يعقد ندوات منتظمة فى جميع المجالات الثقافية، كما لفت إلى أن الهيئة العامة لقصور الثقافة هى الأخرى تسعى جاهدة من خلال قصورها بالمحافظات أن تعمل على الثقافة ونشرها، وهي تعمل حاليا على تنظيم الاحتفالية السنوية لها خلال شهر رمضان فى 27 محافظة .

وأرجع أبو المجد عدم الشعور بوجود الفعاليات الثقافة إلى الإعلام الذى لا يهتم بالأنشطة الثقافية بالشكل الكافى، وحتى لو سلط الضوء عليها فيكون ذلك فقط فى حال وجود شخصيات لامعة من المثقفين، لكن هناك وسائط اعلامية محدودة تحاول إبراز العمل الثقافى إلا أنها ليست كافية .

و حمّل أبو المجد الدولة مسئولية انهيار الواقع الثقافى لعدم اهتمامها بقوة مصر الناعمة ودعمها ماديا، حيث لا يوجد مكان للثقافة ضمن أولويات الدولة، ومن المخزى أن يكون قيمة نصيب الفرد من مخصصات الأنشطة فى قصور الثقافة 31 قرشًا سنويًا، ومن هنا لا يستطيع كل فرد ان يحصل على ما يحتاجه من الثقافة .

و عن توقف النشاط فى اتحاد الكتاب، نفى السيناريست محمد ناصف، رئيس اللجنة الثقافية بالاتحاد، ان يكون توقف نشاط الاتحاد راجعا الى الزخم السياسى المحيط بمصر حاليا، وإنما يرجع الأمر إلى التجهيزات التى تتم حاليًا فى الاتحاد، لافتا إلى أن شهر رمضان سيعيد العمل الثقافى والفنى من جديد من خلال ما تقوم به هيئة قصور الثقافة، وذلك بعد أن رصدت ميزانية قدرها 50 ألف جنيه لكل فرع من فروعها فى 27 محافظة لإقامة نشاط ثقافى، على ان يشمل النشاط جميع الفعاليات الثقافية والفنية المختلفة من ندوات، وأمسيات شعرية، وحفلات إنشاد دينى،وعروض فن تشكيلى، وورش فنية وغيرها، مما سيعيد الجمهور إلى الثقافة، ويعيد الثقافة إلى الشارع المصرى من جديد، بعيدا عن الأحداث السياسة التى نمر بها .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة