تأميـــن

وصعوبات ضخمة أمام برامج التأمين الصحي


نهال صلاح
 
بدأت شركات صناعة الأدوية الأمريكية في اجراء اصلاحات واسعة النطاق في عدة مجالات خاصة بالصناعة منها القواعد المنظمة والتسعير واستخدامات الادوية، ويأتي هذا في الوقت الذي يشهد تغيرات جذرية واسعة في صناعة تواجه ضغوطا تنافسية أكبر حجماً وسط شكوك في قدرتها علي تطوير بدائل جديدة للأدوية.

 
وذكرت جريدة »وال ستريت جورنال« ان استجابة صناعة الادوية للاصلاحات المقرر اجراؤها كانت ايجابية ولكن بشكل حذر، فبعد يوم واحد من انتخاب أوباما في نوفمبر الماضي اطلقت شركة »فارما« للادوية التي يرأسها دافيد برينان حملة اعلانية تؤكد جهودها الحالية لجعل الرعاية الصحية في متناول المواطنين والادوية متاحة لغير المشتركين في التأمين الصحي، ويقول برينان: ان لدينا امكانية للحصول علي نظام افضل للرعاية الصحية، واضاف انه يجب علي الشركات ان تحدد اسعاراً حقيقية للادوية المختلفة.
 
واضافت الصحيفة ان عدداً من الاجراءات التي يعتزم الرئيس أوباما اتخذها من المفترض ان تكون ايجابية بشكل كبير بالنسبة للمنتجين والمرضي، فإذا سار الامر كما هو مخطط له فإن خطته لتحديد غطاء التأمين الصحي إلي 47 مليوناً من المواطنين الامريكيين الذين لا يشملهم التأمين الصحي يجب ان تؤدي الي مزيد من الاستشارات الطبية وبالتالي روشتات اضافية من الادوية لصرفها وهو ما سوف يعمل علي انتعاش مبيعات الشركات المنتجة وقد قام اوباما بالفعل باتخاذ بعض الخطوات المبدئية لتوسيع غطاء التأمين الصحي من خلال تمديد برنامج التأمين الصحي للاطفال حيث اضاف 4 ملايين طفل الي 7 ملايين آخرين يشملهم التأمين وينتمي هؤلاء الاطفال الي عائلات ذات دخول متواضعة.
 
وبشكل منفصل قام الرئيس أوباما بتخصيص 10 مليارات دولار سنويا، كجزء من حزمته التحفيذية المالية الاخيرة كأموال اضافية تقدم للمؤسسات الوطنية الامريكية لاطلاق المزيد من العمل الاكاديمي، الذي سوف يساعد علي تنشيط التعاون مع جهات اخري والافكار من اجل التطوير المستقبلي للمستحضرات الدوائية، وبالاضافة الي ذلك طالب الرئيس الامريكي بوقف الحظر الذي فرضه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش علي ابحاث الخلايا الاصلية الممولة من الحكومة الفيدرالية، وتأكيده الخاص علي ضرورة العثور علي علاج لمرض السرطان كما تم منح دعم جيد لبيئة الابحاث الطبية الاحيائية الاساسية في الولايات المتحدة.
 
كما خصصت حزمة التحفيز الخاصة بالرئيس أوباما 17 مليار دولار لقيد سجلات المرضي علي اجهزة الكمبيوتر مما سيسمح باجراء تحليلات تفصيلية بشكل أكبر بكثير عن الحالات الطبية ونتائجها ويعد ذلك الامر شديد الاهمية في الابحاث التطبيقية، وكذلك تم تخصيص 1.1 مليار دولار اضافية لابحاث التأثيرات المقارنة والتي سوف تساعد علي تحديد افضل وسائل العلاج التي يجري استخدامها بالفعل.
 
ولكن زيادة غطاء التأمين الصحي من خلال برامج مثل »ميديكير« لكبار السن، و»ميديكايد« للفقراء من شأنها زيادة الدور الذي يلعبه القطاع العام، والذي يتحمل بالفعل معظم مشتريات الادوية الامريكية ونتيجة ذلك سيكون دعم قدرة الحكومة علي المساومة في الاسعار حيث ان الاجراءات المقترحة من الرئيس أوباما سوف تزيد من نسبة الخصم الذي يجب ان تغطيه الشركات علي ادويتها لمرضي برنامج »ميديكايد« للرعاية الصحية من %15.1 الي %22.1 ويأتي ذلك في اطار مراجعة للاتفاق السابق الذي تم ابرامه من جانب الحكومة السابقة بشأن برنامج »ميديكايد« والذي كان ينص علي ان الحكومة الامريكية لن تتدخل مباشرة في المفاوضات حول أسعار الادوية.
 
وقالت صحيفة »وال ستريت«: إن ضغوط الاسعار ستزداد حدتها عبر طرق اخري، حيث ان الاجراءات المعروضة للمناقشة - حاليا - بادارة الغذاء والادوية الامريكية قد زادت من شبح دخول الادوية المستوردة الي الولايات المتحدة والتي تنخفض اسعارها عن نظيرتها الامريكية حيث انها تباع باسعار ارخص بالخارج ومن بينها كندا الدولة المجاورة للولايات المتحدة، ويبدو ان بعض الادوية الاكثر ارتفاعا في السعر مثل الادوية الخاصة بمرض السرطان من شأنها ان تواجه منافسة سعرية بعد فترة طويلة ادت فيها الصعوبات في امكانية تحديد مكونات الادوية وتقليدها بشكل آمن الي توفير احتكار فعلي للشركات المنتجة لهذه الادوية حتي فيما بعد انتهاء المدة القانونية الخاصة ببراءات الاختراع.
 
ففي اقتفاء لخطوات المشرعين الاوروبين قد أكدوا منذ عامين بأن العقبات العلمية يمكن التغلب عليها فأن الرئيس اوباما قد تعهد بتقديم دعمه لوضع تشريع مماثل والذي من شأنه ان يخلق إطاراً لأول مرة للمشرعين للموافقة علي السماح بوجود أدوية مكافئة وارخص ثمناً تنتجها الشركات المنافسة، ولذلك فان شركة مثل »امجين« والتي تعتمد صناعتها بشكل كبير علي الادوية البيولوجية سوف تواجه ضغوطا سعرية غير مسبوقة.
 
علي صعيد آخر فان الابحاث الخاصة بالتأثيرات المقارنة من المرجح ان تدفع الولايات المتحدة الي مواكبة الاتجاه العالمي نحو التقييم التكنولوجي الصحي مثل الذي يتم اتباعه من جانب المؤسسة الوطنية البريطانية للصحة والكفاءة التمريضية التي توفر المشورة علي اساس الفاعلية والتكلفة بشأن ما اذا كانت خدمات الصحة الوطنية عليها ان توافق علي عقار معين أم لا، وهذا الامر سوف يضيف مزيدا من الضغوط علي الادوية التي تفشل في اظهار فائدة علاجية واضحة مقارنة بالبدائل الاخري لها، وبالاضافة الي ذلك وبغض النظر عن الشكل الذي ستتبعه الحكومة الامريكية في عمليات شرائها للادوية فأن برامج التأمين الصحي الخاصة تفرض - ايضا - شروطا اكثر صعوبة حيث انها تقوم برفع الادوية التي تراها اقل فاعلية من قائمتها التي تدخل في نطاق البرنامج أو مطالبة المرضي بالمساهمة في تكلفتها بشكل مباشر.
 
وقد جادلت صناعة الادوية علي مدي طويل في ان الاسعار المنخفضة سوف تهدد قدرتها علي الاستثمار وتطوير عقاقير وادوية جديدة، وتدعي شركات الادوية ان ارتفاع الاسعار في الولايات المتحدة يعكس عدم استعداد أو رغبة الدول الاخري في تحمل حصتها من التكاليف الخاصة بالابحاث والتطوير في مجال الدواء.
 
ولكن هذا التوجه اصبح محل تساؤل فلقد اشادت دراسة حديثة اجرتها مؤسسة »ماكينزي« للاستشارات الادارية ان الادوية في الولايات المتحدة ترتفع بمقدار %50 عن نظيراتها في الدول المتقدمة الاخري حتي بعد تعديل هذه الاسعار وفقا للثروات المقارنة المرتفعة في الولايات المتحدة وتكاليف التسويق المرتفعة بها.
 
وتختلف طرق استجابة شركات الادوية للضغوط الجديدة فقد اتجه الجميع الي تخفيض النفقات والاتجاه للانتاج عن طريق الشتغيل للغير وتقليل اعداد العمالة المستخدمة.
 
ويقول برينان رئيس شركة »فارما« للادوية ان ما يصل الي 50 ألف عامل قد يخسرون وظائفهم في انحاء القطاع خلال الاعوام الثلاثة المقبلة، وكما حدث في منتصف التسعينيات فان المؤشرات علي حدوث اصلاحات سياسية قد ساعدت - ايضا - علي تحفيز الاتجاه نحو الاندماجات.
 
ويقول فريد حسن رئيس شركة »شيرينج بلاو« والتي وافقت مؤخرا علي عملية استحواذ من جانب شركة ميرك بمقدار 48 مليار دولار ان الشركة كانت تسير وفقا لخطتها الاستراتيجية وتحقق نمواً جيدا ولكن لتغيرات في البيئة الكلية قد غيرت كل شيء، واضاف ان هناك صعوبات متزايدة للحصول علي موافقات علي منتجات جديدة، بالاضافة الي ضرورة امتلاك قدرة أكبر علي الصمود امام الشركات المنافسة.
 
وقد أكد أندرو ويتي المدير التنفيذي لشركة »جلاكسو سميث كلاين« أهمية التنوع عن طريق المنتج وجغرافية توزيعه بالاضافة الي الحاجة الي سياسة تسعير اكثر تعقيدا لتعكس البيئة الجديدة وكانت شركة »جلاكسو سميث كلاين« قد أطلقت عقار.. بروماكتا والذي وصفته بأنه يمثل علاجا افضل من المنتجات المنافسة له والأكثر ارتفاعا في سعرها الموجود بالفعل في السوق.
 
واشار ويتي الي الرؤساء الجدد لشركة »فارما« للادوية الذين يمتلكون خبرات التشغيل خارج الولايات المتحدة يرون اهمية الانواع التجارية الجديدة من الادوية وكذلك زيادة التنوع علي انها تمثل السر وراء استمرارهم وبقاءهم في السوق.
 
وفضلت شركة »نوفاريتس« كذلك التنويع في انتاجها لتقليل حالة عدم التأكد المحيطة بتطوير العقاقير ذات براءات الاختراع حيث تمكنت من ادماج شركة »الكون« إليها لتنويع انتاجها.
 
وهناك شركات اخري تفضل البقاء علي سياستها في انتاج الادوية المرخصة كبراءات اختراع تحتفظ بحق انتاجها علي مدي فترة محددة علي الرغم من تأكيدها المتزايد علي ضرورة توسيع اسواقها خارج الولايات المتحدة والتنوع من الادوية الكيميائية الي العقاقير البيولوجية والامصال واللقاحات.

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة