اقتصاد وأسواق

‮»‬اليابان‮« ‬تبحث عن قطاعات بديلة للتصنيع‮.. ‬تحفيزاً‮ ‬للنمو


نهال صلاح
 
وضعت الازمة العالمية القطاع الصناعي باليابان في مفترق طرق، بعد عقد من الازدهار، مما قد يجعلها تتخلي عن التصنيع الذي يحمل علامة جودة، فضلاً عن التحول نحو مجالات اخري غير الصناعية.
 
وخلال فترة الانتعاش الاقتصادي العالمي قامت مصانع »ينبون كيمي - كون« اليابانية لتصنيع الاجزاء الالكترونية، بالعمل ساعات إضافية حتي تتمكن من الوفاء بحجم الطلب علي منتجاتها، وكانت مصانعها المحلية تلبي بشكل أفضل مطالب العملاء كما تسبب ضعف قيمة الين في تراجع  أسعار الصادرات اليابانية، مما انعش عمليات التصنيع داخل اليابان.
 
مؤخراً دفعت الأزمة لخفض انتاج الشركة بما يقرب من %70 مقارنة بالمستويات المحققة منذ عام مضي.
 
وقال شركة »ينبون كيمي - كون« ان هذه العوامل أجبرتها علي تحويل مقدار وافر من انتاجها إلي مصانعها خارج اليابان.
 
وذكر جونيشي سوجا مدير الادارة التنفيذي بالشركة ان السنوات التي شهدت ضعفاً في قيمة الين، أدت إلي تثبيط جهود الشركة لتحويل انتاجها إلي الخارج، وأضاف ان ذلك الامر كان خطأ.. وأوضح ان الشركة تهدف إلي زيادة انتاجها خارج البلاد ليصل إلي %60 من المبيعات خلال العام المقبل بالمقارنة بـ%40 في الشهور الأخيرة.
 
وبالنسبة لليابان فإن الخطوة التي تتبعها حالياً شركة »ينبون« توضح تحولاً يبدو من المتعذر اجتنابه، فنشاطها الصناعي الذي تعرف به قد يبتعد أخيراً عن سوقها المرتفعة التكلفة إلي الدول المجاورة ذات التكلفة المنخفضة، مما يؤدي إلي تعطل مئات الآلاف من العاملين في اليابان عن العمل في الوقت الذي تكافح فيه البلاد لاعادة بناء اقتصادها من جديد.
 
وخلال التسعينيات، ومع تحول العمل التصنيعي إلي مصانع الشركات اليابانية بالصين بدأ العديد من اليابانيين يتخوفون من تفريغ صناعاتهم مع استمرار المقار الإدارية للشركات في اليابان، بينما تتحول الوظائف الخاصة بالانتاج الي خارج اليابان، ولكن السنوات الست السابقة شهدت نهضة »تصنيعية« داخل اليابان ساعدها توافر العمالة المؤقتة الرخيصة التكلفة، والارتفاع الشديد للطلب علي المنتجات اليابانية الصنع، بالإضافة إلي ضعف قيمة الين، مما جعل أسعار الصادرات اليابانية تنافسية.
 
وارتفعت الصادرات بشدة، ووصلت إلي مستوي قياسي بلغ %16.5 من الاقتصاد الكلي في الفترة ما بين شهري »يوليو وسبتمبر« من العام الماضي، بعد ان كانت تتراوح بين %8 و%10 خلال الثمانينيات والتسعينيات، وسارعت الشركات اليابانية لافتتاح مصانع لها داخل اليابان، وأرجعت ذلك إلي ان المنتجات التي تتميز بالتعقيد، والتكنولوجيات المتطورة، وخطورة تسرب الأسرار الصناعية، جعل من المهم الاحتفاظ بالمصانع قريبة من مقار الشركات.
 
ومؤخراً انفجرت »فقاعة« التصنيع اليابانية، حيث هبطت الصادرات في شهر فبراير الماضي بمقدار %49، وهو خامس شهر علي التوالي تتعرض فيه الصادرات للانخفاض، فارتفاع قيمة الين أدت إلي توجيه ضربة لايرادات الشركات اليابانية خارج البلاد، كما تدهورت قيمة الدولار في شهر ديسمبر الماضي وأصبح يساوي 87 ين بعد ان كان يساوي 123 ين في شهر يوليو من عام 2007 قبل ان يتعافي إلي المستوي الحالي الذي يعادل فيه الدولار، حوالي 100 ين.
 
وقد أدي تدهور الصادرات إلي انكماش الاقتصاد الياباني بمعدل سنوي يبلغ %12.1 خلال الربع الأخير من العام الماضي، وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ان ينكمش الاقتصاد الياباني بمقدار %6.6 في العام الحالي.
 
وقد يحدد مدي قدرة اليابان علي التحول من نموذج النمو المعتمد علي التصنيع وكيف سيكون عليه ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد خروجها من فترة الركود.
 
وفي حال انتعاش الطلب خارج اليابان فمن غير المرجح أن تستعيد اليابان موقعها كمركز تصنيع مسيطر، لأن تعافي الطلب يحدث أولاً في الأسواق الناشئة مدفوعاً بانخفاض تكاليف الانتاج، والتي ستصبح عاملاً جوهرياً، إلا ان التوقعات بالنسبة لانتعاش الطلب في الولايات المتحدة. وأوروبا تتسم بالضعف، وهي تعد الأسواق الرئيسية للسلع الالكترونية المرتفعة الجودة والسيارات الفاخرة المصنوعة في اليابان. ولكن اليابان تمتلك قطاعات أخري قليلة يمكن أن تصبح محركات بديلة للنمو عن قطاع التصنيع، وكانت سنوات من ضعف السياسات والبيروقراطية الصارمة، قد منعت رفع القيود عن عدة مجالات مثل خدمات التجزئة، والخدمات الطبية، التي كانت في أشد الحاجة إلي التحرر من هذه القيود.
 
وتقول الحكومة اليابانية إنها تدرك الحاجة إلي اتجاه جديد، ولكنها لم تقدم خططاً واضحة حتي الآن.
 
خاصة أن التحول عن قطاع التصنيع يعتبر أمراً مؤلماً بالنسبة لليابان التي كانت دائماً فخورة بهويتها كدولة صناعية كبري، وقد بدأت كبريات الشركات الصناعية اليابانية في البحث، واكتشاف البدائل.
 
مثل شركة شارب التي تمتلك %40 تقريباً من حصة السوق اليابانية من أجهزة التلفاز ذات الشاشات المسطحة كانت دوماً تفتخر بقيامها بصناعة جميع شاشات »LCD « الرئيسية في اليابان. وأكدت تغلبها علي ارتفاع نفقات العمالة، ونقص الدعم الحكومي عن طريق الإنتاج التكنولوجي الممتاز إلي حد كبير، وقادت شارب موجة انتعاش الصادرات وتمكنت خلال 5 سنوات علي التوالي من تحقيق أرباح قياسية. ولكن وسط تدهور مبيعات أجهزة التلفاز، وزيادة قوة »الين« وانخفاض الأسعار أعلنت »شارب« عن تكبدها لأول خسائر سنوية منذ عام 1950 في العام المالي الذي انتهي في 31 من مارس الماضي. وقالت »شارب« انها تعمل علي اطلاق نموذج جديد لأعمالها التجارية، يتم من خلاله نقل إنتاج شاشات أجهزة التلفاز بحيث تكون أقرب إلي أسواقها خارج اليابان.

 
وصرح »ميكيو كاتاياما« رئيس شركة »شارب« رئيس عمليات التشغيل في مؤتمر صحفي مؤخراً، بأن الطريقة المتبعة في الماضي باستخدام أموال الشركة لبناء مصانعنا في اليابان والتصدير للأسواق الخارجية، هو أمر لابد من اعادة التفكير فيه.

 
وتجري شارب حالياً مفاوضات مع شركاء محتملين غير محددين لإقامة تحالفات تصنيعية في جنوب شرق آسيا، والصين، وأمريكا الشمالية وأوروبا.
 
وبالنسبة لبعض الشركات الصناعية اليابانية فإن التحول إلي التصنيع خارج اليابان، يعد تغييراً في استراتيجية الشركة،، فعلي مدي ثلاثة عقود تقريباً قامت شركة نيسان لصناعة السيارات اليابانية بإنتاج سياراتها الصغيرة الحجم »مارش« خارج العاصمة طوكيو وتخطط شركة نيسان إلي تحويل جميع عمليات الانتاج لسيارة »مارش« من اليابان إلي تايلاند خلال العام المقبل ويأتي كجزء من خطة تبلغ مدتها عامين لنقل %10 من انتاجها داخل اليابان، إلي خارجها وفي 5 دول تتميز بانخفاض تكاليف الانتاج.
 
وسيكون لهذه الخطة ثمن باهظ، فيما يتعلق بالقوة العاملة لشركة »نيسان« في اليابان، ومن المخطط التخلص من حوالي 12500 وظيفة، وقد ألمح كارلوس غصن المدير التنفيذي للشركة لاحتمال حدوث المزيد من التخفيض في حجم العمالة بالشركة.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة