بنـــوك

الجنيه حائر بين الاستقرار المؤقت ومواصلة التراجع


نشوى عبدالوهاب:

تشهد سوق الصرف المحلية حالة من التضارب بين التوقعات باستقرار نسبى فى قيمة الجنيه وتوقف سيناريو نزيف نقاطه امام الدولار خلال المرحلة المقبلة مستندة الى التوقعات المتفائلة بارتفاع مرتقب فى أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى خلال الشهور المقبلة والتى تنعكس بشكل ايجابى على سوق الصرف وفقاً لعدد من المصرفيين .


 
محسن رشاد
وأبدى المصرفيون نظرة اكثر تشاؤماً بمستقبل الجنيه والتوقعات بمزيد من التدهور فى قيمته خلال المرحلة المقبلة بسبب ضعف أرصدة الاحتياطى النقدى الأجنبى وبالرغم من المساعدات والمنح من الدول المجاورة الى جانب اعتماد الحكومة على الاقتراض الخارجى فإنها تعتبر فى نظرهم حلولاً مؤقتة قد تساهم فى ثبات نسبى فى أسعار الدولار لفترة وجيزة على أن تعاود الصعود من جديد وتسجل مستويات قياسية أمام الجنيه تبعاً للوضع الحقيقى فى الطلب على الدولار وتراجع معروضه النقدى فى الوقت نفسه .

وبين هذين السيناريوهين تقف حركة الدولرة والمضاربات على الدولار بالمرصاد لاقتناص الفرصة لتحقيق المزيد من الارباح بالنسبة للمضاربين الذين تتضاعف فرصهم مع ضعف أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى والتى قد تحد من قدرة البنك المركزى على التدخل المباشر فى سوق الصرف المحلية لتحجيم ارتفاعات الدولار، أما زيادة الثقة فى الدولار فتشجع المدخرين على التحول للادخار بالعملات الاجنبية .

كان نضال عصر، وكيل محافظ البنك المركزى لقطاع العلاقات والاستثمارات الخارجية، قد توقع مؤخراً تحسن أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى مع استقبال تدفقات نقدية جديدة من خلال قرض صندوق النقد الدولى، الى جانب بدء تلقى «المركزى » الوديعة القطرية البالغة 2 مليار دولار والاستعداد لتلقى الوديعة التركية بقيمة مليار دولار بنهاية الشهر الحالى .

وأشار وكيل محافظ البنك المركزى على هامش مؤتمر اليورومنى الى أن البنك حاول التصدى لمحاولات المضاربات أكثر من مرة مؤخراً إلا أنه تدخل مرة واحدة بشكل مباشر فى سوق الصرف بعد الثورة، وواجه المرات الأخرى بشكل غير مباشر .

بينما رجح محمد اوزالب الرئيس التنفيذى لبنك بلوم تراجع أسعار الجنيه مرة اخرى بنسب تتراوح بين 20 و %25 فى سوق الصرف أمام الدولار طبقاً لمؤسسات ومراكز بحثية مدعوماً بتراجع أرصدة الاحتياطى الأجنبى .

وأكد محسن رشاد رئيس قطاع المؤسسات المالية والمعاملات الدولية فى البنك العربى الافريقى الدولى ان مستقبل الجنيه يخضع لعدد من السيناريوهات سواء التى تتوقع مزيدا من تدهور قيمته أمام الدولار او حدوث استقرار نسبى فى أسعاره، مشيراً الى ان العامل الرئيسى فى هذين السيناريوهين يتمثل فى التأكيد على أهمية تراجع العجز فى ميزان المدفوعات وتحوله الى فائض يضمن تحسن أرصدة الاحتياطى الأجنبى وبالتبعية استقرار قيمة الجنيه .

وأوضح «رشاد » ان السيناريو الاول يتوقع استمرار نزيف تدهور قيمة الجنيه أمام الدولار نتيجة تفاقم العجز فى ميزان المدفوعات وزيادة المدفوعات بالنقد الأجنبى بما يفوق الايرادات مما يدفع الى التوقع بمزيد من التراجع فى قيمة الجنيه امام الدولار خلال المرحلة المقبلة، لافتاً الى أن السيناريو يزداد تعقيداً مع استمرار تراجع أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى وصعوبة تدارك نتيجة ارتفاع العجز فى ميزان المدفوعات، بما يؤثر سلباً فى محاولات السيطرة على توجهات سوق الصرف .

وأضاف أن الامر قد يزداد تعقيداً مع تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادى الذى يقتضى رفع الدعم عن أسعار بعض السلع كالوقود وغيرها والتى ستساهم فى زيادة معدلات التضخم والتأثير سلباً على تراجع معدلات النمو، ومن ثم تنامى حركة الدولرة وزيادة الطلب على التحويل من الجنيه الى الدولار مع اضمحلال القوى الشرائية بالعملة المحلية .

وفى حال تحقق السيناريو السابق تنشط معها حركة الدولرة مع زيادة اقبال الأفراد والمستثمرين على التحول للادخار بالدولار باعتباره الحل الأكثر اماناً ضد مخاطر تدهور قيمة الجنيه، بما يصب فى مزيد من تراجع قيمة العملة المحلية وتصعيب المهام على البنك المركزى للتدخل فى الحفاظ على استقرار أسعار الجنيه بالأدوات المتاحة لديه .

وعن احتمالات ظهور المضاربات وتراجع قدرة البنك المركزى فى السيطرة عليها مع انخفاض أرصدة الاحتياطى، أوضح «رشاد » أن حركة المضاربات على الدولار مهما بلغت حدتها إلا أنها لا تتم بالحجم الكبير والقوى داخل السوق المحلية، نظراً لضعف قدرة المضاربين واعتمادها على سياسة النفس الطويل والتى غالباً ما تكون فى صالح البنك المركزى باعتباره صاحب الرصيد الاكبر من الدولارات بما يمكنه من لعب دور صانع السوق ويتدخل لتحجيم عمليات المضاربة، سواء مباشرة بضخ كميات من الدولار فى السوق المحلية أو بشكل غير مباشر عبر عمليات السوق المفتوحة، والتى تغير هيكل سوق الصرف بالتأثير على المعروض الدولارى المتاح وتنفيذ عمليات بيع وشراء الدولار مع البنوك فى سوق الانتربنك لمواجهة ظاهرة الدولرة .

وأشار مدير ادارة المعاملات الدولية الى أن فى تلك المرحلة يظهر تساؤل حاسم هل سيعوض الفرق فى أسعار الفائدة على الجنيه معدل الاضمحلال فى القوة الشرائية وتدخل أسعار الفائدة للتخفيف من حدة تأثيرات المضاربة وتعويض التراجع فى قيمة الجنيه والمساهمة فى تحجيم حركة الدولرة وتحويل المدخرات من الجنيه الى الدولار، ام يفضل بعض الافراد التضحية بميزة الفائدة للاستفادة من قوة الدولار .

أما السيناريو الاكثر تفاؤلاً والمتعلق بنمو مرتقب فى أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى خلال الفترة المقبلة، فتوقع «رشاد » أن يؤدى الى المزيد من الاستقرار النسبى فى أسعار الصرف، لافتاً الى انه تحسن مؤقت اذا اعتمد الاحتياطى على النمو من خلال المساعدات الدولية والمنح والايداعات من الدول العربية بالعملات الاجنبية لدى البنك المركزى، والتى تمثل دعماً مؤقتاً وليس دائماً وستؤثر فى أرصدة الاحتياطى كما لو كانت تدفقات نقدية تنعكس على احداث ثبات نسبى فى أسعار الصرف .

وأكد مدير ادارة المعاملات الدولية ان منع نزيف نقاط الجنيه وتحسن ادائه مرهون بارتفاع حقيقى فى أرصدة الاحتياطى الأجنبى والناتج عن نشاط فعلى فى ميزان المدفوعات، مما يساهم فى تخفيض العجز ويصب فى صالح استقرار سعر الجنيه .

ومن جانبه قال أسامة المنيلاوى، مساعد مدير عام قطاع الخزانة فى بنك الشركة المصرفية العربية الدولية، إن استمرارية الاتجاه الصعودى لأرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى واعتماده على مصادر أساسية لتعبئة الاحتياطى وليس المصادر المؤقتة، يضمنان استقرارا نسبيا فى قيمة الجنيه امام العملات الأجنبية والحد من التراجع الملحوظ فى أسعاره .

واوضح المنيلاوى أن الارتفاع او الانخفاض فى أرصدة الاحتياطى الأجنبى ليس العامل الاساسى بل الأهم هو مدى استمرارية الاتجاه الصعودى لأرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى وذلك تبعاً للمصادر التى تغذى أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى .

ولفت الى أن اعتماد الاحتياطى مؤخراً على عوامل مساندة كالوديعة القطرية والتركية تعتبر عوامل مؤقتة وليست دائمة، وقد يختفى أثرها الايجابى بمجرد ظهور ازمة اقتصادية جديدة تتعلق بتوفير السلع الأساسية على غرار ازمة نقص اسطوانات البوتاجاز وازمات الوقود والتى تدفع الدولة الى الاعتماد على أرصدة الاحتياطى لاستيراد احتياجاتها من تلك السلع .

وأشار إلى أن المنح والقروض الدولية التى تعتمد عليها الدولة مؤخراً لتلبية احتياجاتها من موارد النقد الأجنبى لابد أن يتم استغلالها بدرجة عالية من الكفاءة بحيث لا يذهب لتلبية الاحتياجات الضرورية بل لابد من توجيه جزء منها للاستثمار لضمان تحقيق نتائج ايجابية على أداء النمو الاقتصادى .

وأوضح مساعد مدير عام قطاع الخزانة فى بنك الشركة المصرفية العربية الدولية أن وضع الجنيه المصرى حالياً حائر بين سيناريوهين متوقعين الاول متعلق باستمرار موجة تدهور قيمة الجنيه أمام الدولار وتسجيل الاخير مستويات قياسية جديدة فى ظل تراجع ايرادات النقد الأجنبى وعجز ميزان المدفوعات واضطراب أوضاع الاحتياطى من النقد الأجنبى بما قد لا يسمح بالسيطرة على التحركات العنيفة فى أسعار الدولار داخل السوق المحلية، وبين سيناريو آخر يتوقع استقرارا نسبيا فى قيمته على خلفية التحسن المتوقع فى أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى خلال الشهور المقبلة .

وأكد أن الحقيقة الملموسة فى التوقعات السابقة تتمثل فى ضرورة العمل على تحسين المناخ العام للبلاد بما يسمح بسرعة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة بما يسمح بدخول الموارد من النقد الأجنبى للتغلب على العجز فى ميزان المدفوعات واعادة تعبئة الاحتياطى الأجنبى كحل أساسى بدلاً من اللجوء الى الاقتراض الخارجى والتى تعتبر حلولا مؤقتة تجنباً للدخول فى السيناريو الأسوأ .

وعن احتمالات أن يؤدى ارتفاع أرصدة الاحتياطى الأجنبى فى الفترة المقبلة الى استقرار الجنيه والحد من حركة المضاربات على الدولار أوضح أن مناخ الازمات الاقتصادية بيئة قوية لظهور المضاربات على العملات الاجنبية لجنى الارباح من ارتفاع أسعارها الا ان البنك المركزى نجح فى الحد من تفاقم حجمها سواء عبر التدخل المباشر فى سوق الصرف المحلى ببيع الدولار او بالتدخلات غير المباشرة للتغلب على نقص المعروض، مشيراً الى انها تعتبر محدودة فى المرحلة الحالية وناتجة عن مخاوف عدد من المستثمرين من تدهور قيمة الجنيه لتفضل الاحتفاظ بجزء من ودائعها بالعملات الأجنبية .

وأضاف ان التراجع الأخير الذى يشهده الجنيه أمام الدولار يعتبر امراً طبيعاً طبقاً لظروف عدم التيقن التى يمر بها الاقتصاد المحلى واندلاع الازمات الطارئة، لافتاً الانتباه الى ان التراجع يعتبر محدودا واقل مما يمكن توقعه فى الدول الاخرى التى تعانى أزمات سياسية واقتصادية .

وأشار الى ان تحسن قيمة الجنيه مرهونة بوصول الدولة الى سلطة تنفيذية قوية، وتشكيل سلطة تشريعية، والاتفاق على دستور عام للبلاد باعتبارها الركائز الأساسية لجذب انظار المستثمرين ودونها يمكن توقع أسوأ السيناريوهات .

بينما رجح مدير ادارة المعاملات الدولية فى احد البنوك العامة استمرار التراجع التدريجى فى قيمة الجنيه خلال المرحلة المقبلة باعتباره يعبر عن القيمة الحقيقية للدولار امام الجنيه فى ظل نقص المعروض من الدولار وزيادة الطلبات على الجنيه .

وأشار الى أن القروض والمنح التى تسعى الحكومة للحصول عليها مؤخراً تعتبر مسكنات مؤقتة قد تساهم فى تحسين مؤقت فى قيمة الجنيه إلا أنه بمجرد انتهائها مع زيادة الانفاق الاستهلاكى للحكومة دون تنفيذ مشروعات انتاجية سيعاود الدولار ارتفاعه التدريجى مستهدفاً مستويات قياسية جديدة باعتبارها تمثل نقطة تلاقى قوى العرض والطلب الحقيقيين داخل السوق المحلية، تمشياً مع نقص أرصدة الاحتياطى الأجنبى واستمرار الازمات الاقتصادية دون وجود حلول واقعية .

واكد مدير المعاملات الدولية ان تحركات الدولار أمام الجنيه منذ اندلاع ثورة 25 يناير جاءت أقل من التوقعات حيث قفز الى 7 جنيهات ما يدل على أن المركزى يحاول الحفاظ على قيمة الجنيه عبر ضخ كميات من الدولار لتدفع أسعار الجنيه للتراجع مع السماح بالارتفاع التدريجى فى أسعاره كلما ازداد الوضع الاقتصادى سوءاً، متوقعاً موجة ارتفاع جديدة فى أسعار الدولار مع بداية العام الجديد .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة