لايف

«محفوظ» و«الست».. المذاق المفضل لمقاهى القاهرة


المال ـ خاص

مثلت المقاهى بالنسبة لنجيب محفوظ كنزًا استقى منه العديد من شخصيات روائعه الروائية التى أهلته للحصول على نوبل، ويشهد مقهى «الفيشاوى » بحى الحسين بجدرانه على رائحة محفوظ فى ركن خاص كان يتأمل فيه الشخصيات التى تتناوب على «الفيشاوى » ، ذلك المقهى الذى لم يعرف إلا بأديب نوبل ويعد الآن ملاذ العديد من المثقفين الذين يذهبون هناك ليتنسموا عبقا من تاريخ أستاذهم .
 

«مقهى الفيشاوى » لا تجد فيه راحتك الكاملة، فلن تجد هناك مقاعد عصرية مريحة، ولكن ستجلس على الكراسى الخشبية العادية، إلا أنك لن تشغل بالك بذلك بقدر ما سينشغل بالمارة، وهم كثر، وغريبة طباعهم، فبدءً من عم محمد الذى يسألك فى حدة «تشرب إيه؟ » ، وقبل أن تكمل كلامك لا تجده أمامك، مروراً ببائعة المناديل التى تميل عليك قائلة «منديل الوردة الحمرا ».

إذا تريثت قليلاً فسوف تلمح أمامك براداً من الشاى المغلى بجواره كوب صغير مع النعناع والقرنفل، الرائحة العطرة ستجعلك تشرب الشاى حتى لو لم يكن مشروبك المفضل، ومع أول رشفة من كوب الشاى تلمح شخصاً لا يتحدث إلا مع المحبين لأنهم - فقط - من يقدم لهم خدماته، هو موسيقار متنقل يرتدى زياً صعيدياً ومعه «آلة الناى » التى يستخدمها باحثاً عن رزقه من الأحبة، قد يجده، وكثيراً ما لا يجده، أما صاحب «آلة العود » فلا ينتقى أحداً وإنما يمر على الجميع حتى يجد من يهوى السماع ليجود بما يحفظ من أنغام موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب .

مقهى «نجيب محفوظ » يعد من المقاهى النادرة التى تتميز بحس تراثى أصيل ويوجد هو الآخر بحى الحسين فى ممر «خان الخليلى » ، لا يتميز المقهى بالاتساع، وحينما تطأ قدماك مدخله ستجد صورة نجيب محفوظ فى الركن المواجه لك بارزة مع بعض من أعماله الروائية المتناثرة على أحد الأرفف، وسوف تجلس على صالون يوحى بأنك عدت لعصر المماليك على الرغم أنك فى مقهى مكيف، فيختلط عبق الماضى العتيق بنسمات الحاضر المتطور، وسرعان ما تأتى لك إحدى الفتيات فى رداء عثمانى تسألك عن المشروب الذى سوف تتناوله فى حضرة نجيب محفوظ، لتلمح العديد من العاملين بالمقهى رجالا ونساء يرتدون زيا موحداً : للرجال سروال واسع أسود وقميص أسود مطعم باللون الذهبى مع الطاقية السوداء الصغيرة، بينما ترتدى النساء عبايات سوداء مطرزة بخط ذهبى مستقيم .

تدق الساعة الثامنة مساءً، موعد الحفل اليومى للمقهى، حيث ينتبه الجميع لدخول «التخت » الذى يتكون من ثلاثة أفراد، منهم عازف على آلة «القانون » وآخر على «الرق » والثالث يغنى مع العزف على العود، مجموعة من أغانى ثومة وحليم وعبدالوهاب وفريد ووردة وأيضاً محمد فوزى، لن تستقيم على حالة واحدة فبعد «متحرمش العمر منك » تسمع «للصبر حدود » ومن أغنية «موعود » تعود إلى «مضناك » لتحصل فى النهاية على خلطة فنية رومانسية متعددة المشاعر .

ومن المقاهى التى ارتبط اسمها بنجيب محفوظ أيضاً مقهى «الحرافيش » بشارع الملك فيصل، رغم أن نجيب محفوظ لم يكن من رواده، وهو لا يختلف كثيراً عن مقهى «نجيب محفوظ » ، ففى الحديقة الخاصة بالمقهى تجد تمثالا لنجيب محفوظ، ومن داخل المقهى ستلمح العديد من الصور الفوتوغرافية لفنانى مصر فى بدايات السينما المصرية : زينات صدقى .. النابلسى .. القصرى .. إسماعيل يس .. ليلى مراد .. عبدالحليم حافظ .. وغيرهم، كما يبدأ حفل المقهى فى الحادية عشرة مساء مع أنغام الماضى التى تجنح إلى سيد درويش أكثر من غيره .

وبالطبع لم تكن أم كلثوم من رواد المقاهى، إلا أن أغانيها ما زالت من أهم ملامح المقاهى المصرية بل هناك العديد من المقاهى التى تحمل اسم «أم كلثوم » مثل المقهى الشهير بوسط البلد، وكذلك تتناثر المقاهى التى تحمل اسم «كوكب الشرق » فى الجيزة ووسط القاهرة، وتعتبر أغانى أم كلثوم من أهم ملامح المقاهى فهى حالة وجزء لا يتجزأ من العديد من المقاهى التى تعتمد على أغانيها لجذب أجيال مختلفة للمكان .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة