اقتصاد وأسواق

دعم دولي لإنقاذ دول وسط وشرق أوروبا من الأزمة العالمية


نهال صلاح

أكد البنك الأوروبي للتنمية والتعمير إلي أن حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية لدول شرق أوروبا ودول الاتحاد السوفيتي السابق لن تعود إلي مستوياتها السابقة حتي بعد بدء اقتصاداتها في النمو مرة أخري. ونقلت »وال ستريت جورنال« عن توماس ميروو رئيس البنك الأوروبي للتنمية والتعمير قوله، إن ذلك يعني احتمال أن تضطر المؤسسات التنموية مثل البنك الأوروبي للتنمية والتعمير إلي زيادة استثماراتها في المنطقة علي مدي سنوات مقبلة، ويعتزم البنك بالفعل زيادة استثماراتها في المنطقة خلال العام الحالي بمقدار %20 لتصل إلي 7 مليارات يورو أو ما يعادل 9.51 مليار دولار بسبب التباطؤ الذي تشهده دول المنطقة في استثمارات القطاع الخاص.


وأضاف ميروو إن البنك ا لأوروبي للتنمية والتعمير يمكنه ان يستمر في استثمار 7 مليارات يورو سنوياً في المنطقة دون الحاجة لجمع المزيد من رأس المال من حكومات الدول الستين المساهمة في البنك، ولكن رئيس البنك اوضح ان البنك قد يحتاج إلي مزيد من الأموال من الدول المساهمة به إذا ارتفع مستوي الاستثمار بشكل كبير، واشار إلي أن الامر يرجع إلي الدول المساهمة في البنك لتقرير حجم هذه الزيادة المطلوبة في استثماراته.

ويعد تأثير الأزمة الحالية غير المسبوقة في الاقتصاد العالمي علي دول وسط وشرق أوروبا أكبر من دول وغرب أوروبا، فبالنسبة لأوروبا الغربية ظهرت تأثيرات الأزمة الاقتصادية في صورة نقص في عمليات الائتمان وركود وبطالة وافلاس لبعض المؤسسات والشركات، ولكن دول وسط وشرق أوروبا تعد أكثر ضعفا من نظرائها في أوروبا الغربية حيث إنها تمتلك مؤسسات ديمقراطية شديدة الحداثة واقتصادات غير ناضجة والأكثر أهمية أنها تعتمد بشكل كبير علي الائتمانات الأجنبية، ومع قيامهم بجمع أموال خارجية لتمويل التحولات التي شهدتها هذه الدول في أعقاب الحقبة الاشتراكية، فإن جميع دول شرق ووسط أوروبا تقريبا تواجه تحديات في تسديد التزاماتها الخارجية.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي فإن المنطقة قد تشهد هبوطا جماعيا في الناتج المحلي الاجمالي خلال العام الحالي بمقدار %3.7، مع تعرض بعض دول المنطقة التي تأثرت بشدة بشكل خاص بالأزمة إلي ركود أكثر عمقا خاصة اوكرانيا ولاتفيا والمجر وحتي روسيا التي تعد أكبر اقتصاد في المنطقة بفارق كبير فقد يهبط ناتجها بمقدار %6.

وتقول جريدة الفاينانشيال تايمز إن التوقعات بالنسبة لدول المنطقة ليست متشائمة للجميع، ففي بولندا التي تعتبر ثاني أكبر اقتصاد بين دول وسط وشرق أوروبا.

كانت الحكومة البولندية مازالت تتوقع حدوث نمو في الناتج المحلي الاجمالي للعام الحالي، وحتي في حال هبوط ناتجها المحلي الاجمالي بمقدار حوالي %1 كما يتوقع صندوق النقد الدولي والعديد من المحللين الاقتصاديين المستقلين فإن بولندا سوف تسجل علي الأرجح أفضل نتيجة للعام الحالي بين الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي باستثناء قبرص ومالطا ، والدول الأخري في منطقة وسط وشرق أوروبا التي من المتوقع أن تنجو من العاصفة بوضع اقتصادي سليم نسبياً هي سلوفاكيا وجمهورية التشيك.

ومع ذلك فإن الهزة التي تعرض لها المستثمرون في الأسواق المالية نتيجة أحداث العام الماضي تجعل أقوي اقتصادات المنطقة معرضة لتحولات غير متوقعة في ثقة المستثمرين يمكن أن تضر بخطط اعادة التمويل، وأشار دومنيك ستراوس خان، مدير صندوق النقد الدولي خلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة في لندن، إلي وجود مخاطر انتقال الأزمة في دول وسط وشرق أوروبا وأضاف أن الخطورة الأولي تكمن في ما قد يحدث بهذه الدول أما الخطورة الثانية فهي احتمال تأثر الدول الأخري التي توجد لبنوكها تعاملات كبيرة مع دول وسط وشرق أوروبا وأضاف خان أنه ليس من المؤكد وقوع هذه الاخطار ولكن الوضع يحتاج إلي مراقبة دقيقة.

ويعارض مسئولو البنوك في دول وسط وشرق أوروبا التركيز الشديد علي المخاوف الخاصة بالمنطقة بشكل عام والذي يمكن ان يؤدي إلي عدم التفرقة بين مخاطر الدول ذات الاقتصادات الجيدة والسيئة وذكر باتريك باتلير، أحد أعضاء مجلس إدارة مجموعة RZB النمساوية والتي تملك بنك »رايفليين انترناشيونال« وهو من ا لبنوك الكبيرة في منطقة وسط وشرق أوروبا. إن سيناريوهات الهبوط الاقتصادي التي وضعت تميزت بالمبالغة، وأضاف أن الاحتمال الأرجح يميل إلي حدوث تعافي تدريجي لاقتصاد منطقة وسط وشرق أوروبا وبشكل أسرع من غرب أوروبا.

وعلي الرغم من ذلك فإن حتي المحللين الاقتصاديين المتفائلين لا يتوقعون انتعاشا في النشاط الاقتصادي قبل النصف الثاني من العام الحالي أما المتشائمون منهم فيتوقعون أنه حتي عام 2010 لن يشهد نمواً ملحوظا، ويتوقع صندوق النقد الدولي نموا في الناتج المحلي الاجمالي لدول وسط وشرق أوروبا بمقدار %0.8 في العام المقبل. أما في بقية دول العالم فيتوقع الصندوق أن تزيد الاوضاع الاقتصادية سوءاً قبل أن تصبح أفضل.

ووضعت ستة من بين دول وسط وشرق أوروبا بالفعل ضمن المستفيدين من برامج صندوق النقد الدولي لمواجهة الأزمات بينها المجر ولاتفيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء وجورجيا وأرمينيا، كما تقدمت ثلاث دول أخري من دول المنطقة إلي صندوق النقد للانضمام إلي هذه البرامج وهي رومانيا وصربيا والبوسنة، وقد تعقبها دول أخري.

ويقدر صندوق النقد أن علي دول وسط وشرق اوروبا بالاضافة إلي تركيا وباستثناء روسيا بسبب احتياطياتها النقدية ان تقوم بجدولة ديونها الخارجية التي تبلغ 413 مليار دولار خلال العام الحالي وتمويل العجز في حسابها الجاري الذي يصل إلي 84 مليار دولار.

وكان صندوق النقد قد حذر في تقرير له الشهر الماضي من أن زيادة عمق الأزمة العالمية قد أدت إلي تدهور التوقعات بالنسبة للاسواق الناشئة، كما تشير التوقعات إلي منطقة دول وسط وشرق أوروبا باعتبارها تمثل مخاوف خاصة، وقال الصندوق إن الاقراض البنكي عبر الحدود للاسواق الناشئة قد بدأ في التقلص.

وأضاف التقرير أن تمويلات الاسواق المالية لا تسير بانتظام ومقصورة علي البنوك القوية، وتواجه الشركات في الاسواق الناشئة انخفاض العائدات وارتفاع الاحتياجات المالية كما أن ميزانيات العائلات تتعرض لضغوط، وتواجه كذلك البنوك في الاسواق الناشئة مشاكل في السيولة وضغوطاً خاصة بسداد الديون، وقد تزداد الأوضاع المالية تشدداً مع اتجاه عدد من بنوك الاسواق الناضجة التي تعمل في الاسواق الناشئة الي تقليل منح الائتمانات وايضا بيع فروعها للحفاظ علي رأس المال لأسواقها المحلية.

وتبدو هذه الضغوط أكثر وضوحا في وسط وشرق أوروبا مع اعتمادها الكبير علي التمويل بالجملة وعبر الحدود، بالاضافة إلي معاناتها من ضعف التوازن في أوضاع المدفوعات، وارتفاع نسبة المخاطرة في عمليات الائتمان.

لكن العديد من مسئولي البنوك يصفون تقرير صندوق النقد الدولي بأنه شديد القتامة، ويجادلون في أن البنوك قد دخلت الأزمة الحالية في دول وسط وشرق أوروبا وهي في حالة قوية في أعقاب سنوات النمو السريع والارباح الجيدة.

ويقسم الاتحاد الأوروبي دول وسط وشرق أوروبا إلي اربع مجموعات وهي: الدول الاعضاء في منطقة اليورو والتي تكون علي استعداد لمساعدة بعضها البعض دون مساعدة صندوق النقد، وايضا مجموعة الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي خارج منطقة اليورو والذي سيتم دعمها بالاشتراك مع صندوق النقد مثل خطة الانقاذ المقدمة الي لاتفيا والتي يصل حجمها إلي 7.5 مليار يورو أو ما يعادل 10 مليارات دولار، وكذلك مجموعة الاعضاء المستقبليون في الاتحاد الاوروبي مثل صربيا والتي يمكن أن تفوز بدعم محدود، وأخيرا الدول التي لا توجد توقعات مستقبلية بانضمامها للاتحاد خاصة أوكرانيا والتي ستتلقي اهتماماً أقل.

وتتوقف التوقعات بمنطقة وسط وشرق أوروبا علي الاسواق العالمية حيث يسود شعور بالحذر وعلي اقتصاد دول غرب اوروبا التي تتعرض للركود.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة