اقتصاد وأسواق

‮»‬متناهيــــة الصـــغر‮« ‬تنهي عشـــوائية التمـــويل


المال - خاص

تتجه سوق تمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، تدريجياً نحو اكتمال هيكلها التنظيمي، وتعدد قنواتها وآلياتها التمويلية بشكل غير مسبوق، وذلك في إطار الجهود الحكومية الرامية لسد فجوة تمويلية وصل حجمها إلي %80 في السوق المصرية، ووفقاً لما كشفت عنه دراسات قامت بها وكالة التنمية الدولية الأمريكية USAID وجمعية سنابل للتمويل الأصغر بالدول العربية، ومنظمة الأمم المتحدة.


كان آخر هذه الجهود التي تبلورت علي أرض الواقع إعلان رئيس هيئة الرقابة المالية الدكتور زياد بهاء الدين، الأسبوع الماضي عن الانتهاء من إعداد مشروع قانون التمويل المتناهي الصغر تمهيداً لعرضه علي البرلمان خلال الدورة البرلمانية الحالية، ويهدف هذا القانون بجانب إضافة أداة تمويلية جديدة للقطاع، تقنين الممارسات المالية التي تتم في إطار عرفي وليس مؤسسياً في شكل عمليات للاقراض، وثانياً تدخل الدولة لحماية المقترضين من هذه المؤسسات عن طريق وضع سقف لا ينبغي تجاوزه للفوائد التي سيتم تحصيلها، مقابل القروض لحمايتهم من أي ممارسات ربوية.

وقد رحبت الأوساط الاقتصادية والخبراء المعنيون بالقطاع بما تم الإعلان عنه من بنود هذا القانون مؤكدين أنه سيتضمن أوضاع العديد من الجهات التي تقدم قروضاً بشكل عرفي، وهي إحدي الظواهر التي انتشرت بصورة كبيرة في المجتمع خاصة للشرائح البسيطة التي يتعذر عليها التواصل مع القنوات التمويلية المتخصصة، مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية والبنوك والجمعيات الأهلية.

وقد أكد حمدي موسي، استشاري تنمية سياسات المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، أن هناك ثلاثة أطر للقانون، الأول تشريعي والآخر تمويلي، والأخير وقائي، مشيراً أن قانون الاقراض المتناهي الصغر هدفه الحد من ظاهرة الإقراض العرفي لهذا القطاع من المشروعات، الذي يلقي رواجاً واسعاً في القري والمحافظات البعيدة عن المدن الرئيسية، وأصبح يمثل إحدي أدوات التمويل الرئيسية في تلك المناطق المهمشة، في ظل غياب المفهوم الاقتراضي المصرفي وسيادة اعتباره اقتراضاً ربوياً.

وأضاف »موسي« أن القروض العرفية نشطت بشكل كبير في ظل هذا المفهوم رغم أن بعض المؤسسات والجمعيات الأهلية التي تقوم بمثل هذا النشاط ليس لها أدني علاقة بالأطر الشرعية، بل إن بعضها يمول بشكل مباشر من جهات أجنبية مانحة مصادر أموالها قائمة في الأصل علي المبدأ الربوي.

وأشار »موسي« إلي أن الممارسات المالية العرفية أوجدت سلطة لهذه الجمعيات في المناطق التي يقل فيها نفوذ الدولة من حيث المساندة المالية والرقابة، مما سبب نوعاً من القلق من ازدياد سطوة هذه الكيانات دون إيجاد آليات فعالة لمراقبتها، إضافة إلي أنها أوجدت نوعاً من التمويل غير المقنن بسبب تداعيات اجتماعية سلبية، ومشاكل خاصة بكتابة الأفراد أوراق ضمان، كالشيكات وايصالات الأمانة، مشيراً إلي أن القانون أوجد قناة شرعية لهذا النوع من التمويل، وأخضعها لجهة مراقبة، إضافة إلي وضعه ضوابط عملية للاقراض تزيد من فاعليته، وفي الوقت نفسه ضبط ايقاع هذه المؤسسات.

أما فيما يتعلق بالإطار التمويلي للقانون فأشار »موسي« إلي أنه اهتم بمواجهة ظاهرة توظيف الأموال، حيث حظر عليها تلقي الودائع، أو المنح والمساعدات الأجنبية مما يجنبها أيضاً أي شبهات لغسل الأموال وحصر الأمر في توظيف رؤوس أموالها، بخلاف أصولها الثابتة حيث حدد القانون رأسمال هذه الشركات بألا يقل عن 20 مليون جنيه علي أن تمارس نشاطها من مواردها الذاتية، موضحاً أن القانون ميز بين دور البنوك ودور هذه الشركات، في الوقت الذي سمح لها بطرح سندات لتوريق قروضها بعد موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية، بل مكنها من الاقتراض من الجهاز المصرفي، حتي لا تغلق الباب أمام هذه المؤسسات في حصولها علي قرض لزيادة مواردها المالية التي تلعب دور رأس المال العامل.

وأضاف »موسي« أن الإطار الوقائي للقانون يتعلق بالحفاظ علي استقلالية هذه المؤسسات لكي يتم تطبيق قواعد صارمة عليها، تعادل القواعد الرقابية التي تنطبق علي البنوك فيما يتعلق بحركة الأموال، مشيراً إلي أن هذه المؤسسات سوف تخضع لرقابة ملزمة لمجلس إدارتها إلي جانب الإطار الوقائي الخاص بالمقترضين وحمايتهم من المبالغة في تحصيل الفوائد التي سيحصلون عليها.

من جانبها قالت عزة قنديل، مدير مشروع تطوير الخدمات غير التمويلية التابع للمعونة الكندية، إن المؤسسات التي كانت تقوم بتمويل القطاع المتناهي الصغر كانت تتسم بالعشوائية في جميع شئونها، سواء في مقوماتها الإدارية والمالية أو في خضوعها للقواعد المتعارف عليها للتمويل، وهو ما كان يؤدي إلي حالة من الفوضي التمويلية لهذا القطاع، ويحول دون وضع مؤشرات أولية لحجم الفجوة التمويلية الحقيقة به أو مؤشر يتعلق بحجم نمو الطلب عليه في السوق.

وأضاف قنديل أن القانون حدد إطاراً عاماً لعمل هذه المؤسسات يجعلها تطبق آليات تمويلية تمتاز بالشفافية بينها ووضع حدوداً لتمويل قياسي، علي رأسمال الشركة، واشتراطه تنوع التمويل، وعدم قبول الودائع، مع الاحتفاظ بهامش سيولة محدد، إلي جانب تحديد عقوبات محددة للمخالفين.

وأشارت قنديل إلي أنه بالرغم من أهمية ترك سعر الفائدة إلي آليات السوق من عرض وطلب، فإن وضع القانون سقفاً مبدئياً لتسعير القروض، أمر بالغ الأهمية في المراحل الأولي من تأسيس مثل هذه الشركات حتي يتم رصد مؤشرات إيجابية أو سلبية،حول نشاطها في السوق،خاصة أن هناك بعض المؤسسات التي تمارس الاقراض تصل قيمة الفوائد بها إلي نحو %30 من قيمة القرض.

وأكدت »قنديل« أنه بالرغم من أن القانون حظر علي هذه المؤسسات تلقي أي أموال خارجية، فإنه لم يقيد حرية دخول رؤوس الأموال الأجنبية في هذا النشاط من خلال الشراكة في تأسيس شركات مساهمة مصرية، وهو ما يعد إطاراً عادلاً يمكن لهذه الشركات من جمع رؤوس أموال دون الاخلال بالضوابط التي وضعها القانون لتلافي شبهات غسل الأموال.

وأوضحت »قنديل« أن الجمعيات الأهلية مرشحة للاستحواذ علي حصة كبيرة من الشركات التي سيتم تأسيسها في السوق حيث يمتلك الكثير منها الخبرة المسبقة في مجال الإقراض المتناهي الصغر، إضافة إلي امتلاكه قاعدة عريضة من العملاء، وقدرة مالية كبيرة لأعضائها ترشحهم لهذا الدور، موضحة أن الجهات الدولية كالمعونة الكندية سوف تناقش قريباً لإمكانية تفعيل هذا القانون.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة