بنـــوك

‮ ‬سياسات‮ »‬تحصين‮« ‬القطاع المصرفي‮ .. ‬هل تعوق التوسع في التمويل؟


 محمد كمال الدين

أبرزت أحدث مؤشرات أداء القطاع المصرفي مدي المتانة التي وصل إليها في ظل سياسات إصلاحه المتبعة منذ نحو 5 سنوات علي مختلف النواحي سواء المتعلقة منها بالبنوك من كفاية رأس المال أو ما يتعلق بالتطور المستمر في إيداعات العملاء، فضلاً عن مؤشرات أداء البنك المركزي المتمثلة في تحجيم أي نوع من التلاعب في سوق الصرف، بما أدي إلي السيطرة الواضحة عليه بالنحو الذي أبقي سعر صرف الدولار أمام الجنيه في حدود ثابتة يتجه معها إلي التراجع في معظم الأحيان، إلي جانب استعادة نقود الاحتياطي الأجنبي جزءاً كبيراً، مما فقدته في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية.


وصعد معدل نمو نقود الاحتياطي علي أساس سنوي إلي %10.6 بنهاية أغسطس الماضي في أعلي مستوياته منذ فبراير الماضي عندما بلغ نمو المعدل أدني مستوياته بنسبة %2، بينما أعلن البنك المركزي من خلال موقعه بالشبكة الدولية »الإنترنت« الخميس الماضي عن وصول حجم الاحتياطيات الأجنبية للدولة إلي 34.03 مليار دولار في نهاية أكتوبر، ارتفاعاً من 33.51 مليار في سبتمبر الماضي له ليقترب بشدة من أعلي مستوياته علي الإطلاق والتي كان حجم الاحتياطي قد بلغها في أكتوبر 2008 عندما لامست 35 مليار دولار.

وكذلك الحال في مؤشرات أداء البنوك حتي آخر يونيو الماضي، حيث رصد أحدث تقارير البنك المركزي لمؤشرات كفاية رأس المال لبنوك القطاع ارتفاع حقوق المساهمين بالنسبة للأصول إلي %5.8 وهي أعلي نسبة علي مدار العام، كذلك ارتفاع نسبة تجنيب المخصصات للقروض إلي %15.5 كأعلي نسبة منذ سبتمبر 2008، كل تلك المؤشرات الجيدة لأداء القطاع المصرفي أثارت عدداً من التساؤلات حول إلي أي مدي سيستمر المركزي في سياسة »تحصين« القطاع قبل انطلاق يد البنوك في منح التمويل كطلب طبيعي تعكسه نسبة توظيف الودائع في صورة قروض والتي وصلت إلي مستويات متدنية بنهاية أغسطس الماضي محققة نسبة %52.5.

قال الدكتور أحمد سالم، المستشار الأسبق لوزير المالية، عضو البنك المركزي، إن مجريات الأحداث عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية وحتي الآن أثبتت مدي المتانة التي يتميز بها القطاع المصرفي المحلي عن مختلف الأنظمة المصرفية، سواء تلك التي حوله بالمنطقة أو في بعض الدول المتقدمة التي شهدت أنظمتها المصرفية اضطرابات واضحة منذ بداية العام الحالي وحتي الآن.

بناء علي ذلك يري سالم أن الاستمرار في سياسات تحصين القطاع المصرفي وتقوية القواعد الرأسمالية لبنوك القطاع، لابد أن يسيرا في اتجاه مواز لبسط يد البنوك نحو التمويل بما في ذلك إتاحة المزيد من الفرص الاستثمارية داخل السوق وإدارة عجلة الاقتصاد الكلي بشكل أسرع متسائلاً عن السبب الذي يضطر بنوك القطاع حتي الآن إلي التحفظ نحو إتاحة التمويل بصورة أكثر نمواً في ظل المتانة التي يتميز بها القطاع المصرفي بشكل عام، وهو ما يمكن اعتباره مبرراً قوياً نحو التوسع في التمويل وليس الاتجاه إلي فرض قيود عليه.

ويري سالم أن السياسة الرقابية الصارمة التي يمارسها البنك المركزي علي بنوك القطاع حالت بالفعل دون الدخول في عدد من المشاكل المالية المتمثلة في حالات التعثر وتراجع الربحية ومخالفات منح القروض، لكنه يؤكد ضرورة إطلاق يد البنوك في التمويل طالماً أن هناك أسساً رقابية علي أساسها يكون الإقراض، كذلك يعتقد سالم أن »المركزي« ليس مسئولاً بالكامل عن تشدد البنوك في منح الائتمان لكنه يقر بإمكانية سن بعض الضوابط، يستطيع المركزي من خلالها تحريك جزء من السيولة الراكدة في خزائن البنوك والتي جاوزت 824 مليار جنيه بنهاية أغسطس الماضي لا يوظف منها سوي ما يقدر بالنصف تقريباً، وهو معدل يراه متدنياً للغاية مقارنة بالمناخ الائتماني السائد في معظم دول العالم التي تستهدف معدلات نمو مرتفعة.

وعكف البنك المركزي علي مدار السنوات الخمس الماضية علي إجراء إصلاحات هيكلية ومالية بالقطاع المصرفي نالت تقدير معظم المؤسسات المالية الدولية، تركزت تلك الإصلاحات علي تقوية المراكز المالية للبنوك، وحثها علي دعم قواعدها الرأسمالية، إلي جانب إلزام بنوك القطاع بتجنيب مخصصات كافية للقروض التي تقدمها حتي إن جميع بنوك القطاع الآن لم تعد تعاني من عجز في المخصصات. وتزامنت مع ذلك طفرة هائلة حققها البنك المركزي، فيما يتعلق بأسلوب إدارة السيولة المحلية من خلال أدوات »الإنتربنك« ونظم التسويات اللحظية لمدفوعات البنوك لديه، بينما أعلن »المركزي« مؤخراً استمرار سياسات الإصلاح في مرحلتها الثانية حتي عام 2012، بتوفيق أوضاع البنوك مع متطلبات »بازل 2« الدولية والتي تركز في معظمها علي ضرورة تجنيب مزيد من المخصصات لمخاطر الإقراض والتشغيل والمخاطر السوقية، فضلاً عن سن أساليب متطورة لقياس تلك المخاطر.

ويقول حسن الصعيد، المدير العام السابق لبنك قناة السويس، إن معدلات توظيف الودائع داخل القطاع المصرفي المحلي أقل من الحدود الدنيا لتوظيف ودائع البنوك عالمياً، حيث يشير إلي أن أدني المستويات العالمية لتوظيف الودائع يتراوح بين %60 و%65، بينما لا يتجاوز %52.5 بالقطاع المصرفي المحلي، مطالباً بفرض قيود علي توظيفات البنوك في أدوات الدين العام المحلي من سندات وأذون خزانة حكومية لإتاحتها لمشروعات أكثر جدوي ودرا للعائد وتشغيلا للعمالة وفق قوله.

وعلي الرغم من ذلك رأي الصعيدي أن »المركزي« لا يستطيع إجبار جميع بنوك القطاع علي التوسع في التمويل، مشيراً إلي أن »المركزي« أطلق بالفعل أيدي البنوك الحكومية نحو التمويل منذ بداية العام الحالي مشاركة منها في عمليات التحفيز الاقتصادي التي تبنتها الحكومة والتي كان أخرها الإعلان عن  ضخ نحو 10 مليارات جنيه أخري في صورة قروض بنكية لتحفيظ قطاعات الاقتصاد الحقيقي.

وأضاف الصعيدي أن عمليات الإصلاح التي يجريها »المركزي« داخل القطاع المصرفي لا تتعارض مع التوسع في التمويل، موضحاً أن مشكلة التمويل المصرفي محلياً هي مشكلة تتعلق بسياسات البنوك نفسها وهي السياسات التي وصفها بـ »المتحفظة«.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة