سيـــاســة

تگريمات ملتبسة


من المتفق عليه، أن من يملك التكريم .. يصبح بيده حق القدح، ولما كان من المعتقد .. رغم الإقرار بأحقية من شملتهم مؤخراً آيات التكريم الرئاسية، أن وراءها رغبات «نكوصية »- للتغنى بانتكاسات ثورة يوليو من ناحية وفى التمسح بانتصاراتها والقفز عليها من ناحية أخرى، وبين هذا وذاك يمكن قراءة تقلد اسم الرئيس الأسبق وساماً .. فيما يفرج قبل ذلك بأيام عن قاتليه، أو عند النظر للترقية الفخرية المبالغة لقائد قوات الصاعقة إبان حرب 1967 فيما جرى تناسى قائدهم خلال حربى الاستنزاف والعبور .. ناهيك عن أدائهم فى مواجهة ثغرة «الدفرسوار » ، أو بالنسبة لتكريم «رئيس الأركان »- بطل أكتوبر المنسي - فيما ينسب لمريدى الرئيس الجديد وصفهم له بـ «قائد نصر أكتوبر العظيم ».

على صعيد آخر، يمكن قراءة هذه المشاهد التكريمية المباغتة من زاوية غير التى تحتوى على رغبات «نكوصية » ، إذ قد يكون من ورائها سعى الرئيس .. إلى التطلع المشروع للعمل على اتساع قاعدته الشعبية .. بحيث لا تقتصر فحسب على أعضاء جماعته الحزبية أو أن يكون فقط تحت إمرة وهيمنة جناحها «القطبى » المتشدد .

إلى ذلك، فإن اغتباط المصريين بتكريم رموز وطنية .. لم يمنعهم من البحث عما وراء المشهد الخارجى، خاصة أن التكريم اقتصر فحسب على عسكريين دون غيرهم من رموز مؤسسات الدولة الأخرى الذين لهم دورهم والمشرف المحورى فى مراحل دقيقة وحاسمة على طول المسار الوطنى، ممن قد يطلق عليهم - بحق - القادة المجهولون، العاملون فى صمت دون ميول استعراضية أو ضجة إعلامية أو انفلاتات سياسية التى بدرت بشكل أو بآخر من بعض المكرمين، كما لم تشب أعمالهم شائبة، وبحيث بدت المفارقة وكأن المقصود بتكريم عسكريين فحسب، خطب ردّ المؤسسة العسكرية دون غيرها من مؤسسات الدولة، أو لإدانة عهد ما .. دون آخر، أو لتطويق عزم بعض الضباط المتقاعدين عن تأسيس حزب سياسى معارض .. كما فى حالة «الرائد » المتقاعد قبل ترقيته فى حالة غير مسبوقة إلى رتبة الفريق الفخرى .

أما بالنسبة لتكريم الرئيس الأسبق، المرصع صدره بأوسمة لا مزيد عليها إلى جانب آثار رصاصات غادرة اغتالته فى أكتوبر 1981 ، فقد يبدو الأمر مختلفا عن غيره من المكرمين، ليتصل - ربما - بإقرار تيار الإسلام السياسى فى مجمله .. بخطأ اغتيالهم له، كما قد يعبر التكريم - وهذا هو الأرجح - عن تأكيد الحكام الجدد على سياساته .. خاصة بالنسبة للديمقراطية ذات الأنياب .. إلى الانفتاح الاقتصادى .. إلى نهج السلام مع إسرائيل .. واستكمال الشق الثانى من اتفاقيات كامب ديفيد 1978 بشأن «الحكم الذاتى » للفلسطينيين، بحسب ما طالب به الرئيس الحالى من فوق منصة الأمم المتحدة سبتمبر الماضى، ما أثار جدلاً وتحفظات فى الدوائر الدبلوماسية والسياسية العربية .

خلاصة القول، إن هذه التكريمات ولو أنها أمر ليس غير مشروع، بل يتفق مع طبيعة المصريين التواقة إلى الأخذ بقيم العدل والانصاف، إلا أنها ذات أهداف سياسية بامتياز .. تسعى لإبقاء النظام الأوتقراطى القديم بكل مؤسساته على ما كان عليه ليمارس الحكام الجدد أدبياتهم من خلال السلطة الجديدة - القديمة، وبعيداً عن أطراف القوى الأخرى لثورة 2011.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة