جريدة المال - من أرشيف الذگريات (34)
أسعار العملات
أسعار الدولار بالبنوك
سعر الشراء سعر البيع البنك
17.60 17.70 بنك مصر
17.60 17.70 البنك الأهلي المصري
17.60 17.70 بنك القاهرة
17.60 17.70 بنك الإسكندرية
17.60 17.70 البنك التجاري الدولي CIB
17.60 17.70 البنك العربي الأفريقي
17.59 17.73 البنك المركزى المصرى
أسعار الذهب
متوسط أسعار الذهب بالعملة المصرية
السعر بالجنيه المصري الوحدة
649.00 عيار 21
556.00 عيار 18
742.00 عيار 24
5192.00 الجنيه الذهب
اسعار السلع
اسعار السلع الاساسية بالجنيه المصرى
السعر بالجنيه المصري السلعة
9.00 الارز
14.00 الزيت
9.00 السكر
10.00 المكرونة
8.00 الدقيق
3.75 الشاي 40 جم
105.00 المسلى الطبيعي
38.00 المسلى الصناعي
35.00 الفراخ البلدي
28.00 الفراخ البيضاء
45.00 ديك رومي
45.00 بط
30.00 سمك بلطي
50.00 سمك بوري
60.00 سمك مكرونة
150.00 جمبري
80.00 كابوريا
140.00 لحم بتلو
120.00 لحم كندوز
130.00 لحم ضاني

سيـــاســة

من أرشيف الذگريات (34)


كان عام 1986، من الأعوام الحافلة ما بين القضايا العامة، مثل ما شجر بشأن منبر نقابة المحامين، وبين القضايا المهنية.. فقد وكلت فى هذا العام فيما سمى بقضية الصناعة الكبرى، وكان الاتهام يدور فيها حول منافسة طاحنة على إقامة مصنع للورق فى قوص بالصعيد، بين الألمان ولهم خبرة وسابقات أعمال فى مصر، وبين اليابان ولها اجتهادات وتطلعات تأمل أن تفتح بها لنفسها أبوابا فى الصناعة المصرية.. وبدا أن اللجنة التى كلفت بالدراسة والبت فى المناقصة برئاسة المرحوم المهندس رجاء الهادى عنارة، نائب رئيس هيئة التصنيع ورئيسها العملى، قد مالت لاعتبارات وجيهة للترسية على الألمان، فلهم فضلا عن الخبرة وسابقة الأعمال عدة مصانع موجودة فعلا فى مصر، وخبراء وعمالة مدربة ترشحان مع توالى الإمداد والصيانة لما تم تركيبه وتشغيله على مدار سنوات، إلى تسهيل نقل وامتداد الخبرة، وكفالة الإمداد بقطع الغيار، وإتقان الصيانة، فضلا عن كفاءة متميزة مشهود بها للألمان فى الصناعة بعامة، وصناعة الورق بخاصة، إلاّ أنه يبدو أنه كان وراء الأكمة وعدٌ أعطاه الرئيس المصرى لليابانيين، مما عرقل الأمور وأدى إلى قلب المائدة، ولم يكن ذلك ميسورا إلاّ بتحويل من تبنوا الترسية على الألمان إلى النيابة العامة ثم إلى المحاكمة التى اضطلعت فيها بالدفاع عن المتهم التاسع المهندس عبد الحميد سعيد رئيس هيئة القطاع العام آنذاك للصناعات الغذائية، ورئيس لجنة البت فى الممارسة التى أدت إليها المناقصة.

كانت القضية ساخنة، حتى إن المرحوم الأستاذ أحمد الخواجة، وكان محاميا قديرا فضلا عن توليه النقابة لمدة قياسية، وسعدت بصداقته وبصحبته فى عدة قضايا، اقترح يومها على الحكومة وكان صاحب مكانة وصلات متعددة أن تقيم مصنعين للورق بقوص تكل أحدهما للألمان، وتكل الآخر لليابانيين، أحدهما فى الضفة الشرقية للنيل، والآخر فى الضفة الغربية، لفض هذا الاشتباك الذى بدا أن الحكومة محرجة فيه بين الألمان الأكفأ والأرجح فى هذا الباب، وبين اليابان التى لها بالتأكيد كفاءة وسبق إليها فى ذات الوقت وعد يبدو أن الحكومة تحرجت أو لم تشأ الإنسلات منه. ويومها قال الأستاذ أحمد الخواجة إن مصر تحتاج إلى المصنعين، فالطلب على الورق سوف يزداد، وأسعاره أيضا فى ازدياد، وإقامة المصنعين توافق سلامة التخطيط للمستقبل، وتحل إشكالية التنافس الألمانى/اليابانى. ولكن يبدو أن الحكومة لم تكن مستعدة، أو لم تكن قادرة على إعمال هذه المشورة، فمضت التحقيقات التى أنهيت بمؤتمر صحفى زف فيه المستشار محمد عبد العزيز الجندى، النائب العام وقتئذ، نبأ إحالة ثمانية عشر متهما معظمهم من كبار رجال الصناعة الرسميين فى مصر، إلى محكمة الجنايات، مبدياً فى هذا المؤتمر أن القضية كانت ثمرة التعاون الوثيق بين النيابة العامة ورجال الضبط، وكانت هذه القالة لافتة، وتناولتها فيما بعد أقلام ومرافعات، حالة كون النيابة العامة هى سلطة التحقيق التى تتبعها الضبطية وتأتمر بأوامرها وتحت إشرافها، مما ليس يجوز معه توصيف العلاقة بالتعاون الوثيق بينهما!!

كان رئيس محكمة الجنايات، المرحوم المستشار محمد شوقى محمود، وكان زميلا وصديقا حميما للمستشار النائب العام الذى قلق الدفاع من بيانه الصحفى، وفى الجلسة الأولى، وكان التأجيل لازماً تفرضة ضخامة القضية وملفاتها واحتياجها لوقت للإطلاع والدراسة، استقر المحامون على طلب التأجيل لفض الأحراز للإطلاع والاستعداد، وقصر المرافعة على طلب الإفراج عن المتهمين المحبوسين احتياطيا على ذمة القضية.

كان على رأسنا أستاذنا الجليل، الأستاذ الكبير محمد عبدالله محمد المحامى، الذى يعلم من تابعوا كتاباتى أو مرافعاتى، أنه كان لى بمثابة الأب الروحى، والأستاذ العالم العارف الذى لم يبخل علىّ بعلمه وخبرته وأبوته، وسطرت عنه كتاباً طرح فى أغسطس 2011 بعنوان: «فى صحبة محمد عبدالله محمد» وكان محاميا للمتهم الأول المهندس رجاء الهادى عنارة، الذى كانت له به قرابة، وإلى جوار الأستاذ الجليل حظيت هذه الدعوى بهامات عالية، منهم الأستاذ الكبير على منصور نجم المحاماة الساطع، والأستاذ الدكتور عبد المنعم الشرقاوى، والأستاذ الدكتور على الرجال، والأستاذ الدكتور حسن الأبراشى، والأستاذ أحمد الخواجة، والأستاذ سابا حبشى (باشا)، والأستاذ إبراهيم عبد الغنى سالم، والأستاذ عادل كامل، والأستاذ أحمد شوقى الخطيب، والأستاذ الدكتور مصطفى كيرة رئيس النقض الأسبق، وكان معنا الأستاذ أحمد فتحى سرور الذى اضطر للاعتذار عن الوكالة بسبب تعيينه وزيرا للتربية والتعليم، وكنت فى آخر العنقود مع المرحوم الزميل عاطف الحسينى، والأستاذان عبد العزيز محمد وفكرى مصطفى وآخرين أمد الله فى عمرهم.

فى تلك الجلسة، اتفقنا لكثرة عدد الزملاء، أن ينوب عنا فى الحديث فى طلب الإفراج أستاذنا الجليل محمد عبدالله محمد، وقد كان، وألقى مرافعة وإن كانت غير طويلة، إلآَّ أنها كانت فى المحز، ولا زلت أذكر أنه استرعى عناية المحكمة إلى أن الحبس الاحتياطى فى مثل سن المتهمين نحر حقيقى من أعمارهم، وزاد فقال إن موكله: المهندس رجاء الهادى عنارة، سيدفع حياته ثمنا لهذا الحبس الاحتياطى غير الرشيد، لسنه وحالته المرضية الدقيقة، بيد أن المحكمة لم تستجب لطلب الإفراج، وأجلت للجلسة التالية مع استمرار حبس هؤلاء المتهمين الكبار الذين كانوا يجلبون إلى المحكمة فى لورى بلا مقاعد يفترشون أرضيته قعودا، فالوقوف مع طول الطريق وكثرة الاهتزازات لم يكن محتملا مع تقدم العمر، وهكذا بدا أن الإدارة المصرية تهين فى هذه القضية القيادات الكبرى للصناعة المصرية!!

 

لم نكد نخرج من سراى المحكمة إلى السلم الخارجى لدار القضاء العالى، إلاَّّ ورأينا المهندس رجاء الهادى عنارة يتهاوى وهو على الدرج، فسارع كثيرون لنجدته، حيث تبين أنه فارق الحياة، وكأن أستاذنا محمد عبد الله محمد كان يقرأ المسطور فى لوح القدر الذى على وشك الوقوع!!

يومها أفلتت فى حديثٍ جانبى، عبارةٌ من أستاذنا المرحوم على منصور المحامى سمعتها أثناء مرورى بالصدفة، واعتبرتها لا تتفق مع ما بيننا من مودة واحترام فضلا عن كونه الأكبر والأخبر، فآلمتنى عبارته ألمًا لم أستطع تجنب أن أسطره فى رسالة عتاب خطية مغلقة أرسلت بها إليه على مكتبه، ذَكّرته فيها بما بيننا من ود وتقدير، وأشرت إلى مذكرةٍ كنتُ قد سطرتها فى قضية كنا فيها على طرفى الخصومة، فلم يمنعنى ذلك من أن أعدد مآثره وإمكانياته وأستاذيته ومزاياه، وختمت الرسالة بعبارةٍ عاتبة زلفت منى قلت فيها: «اليوم فقط أدركت أن أبى قد مات«!!

يومها تصادف أن تأخرت فى الإياب إلى منزلى، فلم أرجع إلاَّ قرب منتصف الليل، فاخبرتنى زوجتى أن الأستاذ على منصور طلبنى تليفونيا أكثر من عشر مرات، وأنه حين اقترب منتصف الليل أبدى لها أنه سيبادر بمعاودة الاتصال فى الصباح الباكر.

وفى باكورة الصباح، أيقظنى رنين تليفون الأستاذ على منصور، وصوته العذب، يبدى من الأسف والاعتذارات ما أخجلنى حقيقةً وأربكنى، حتى بدأت بدورى سلسلة من الاعتذارات عما خطته يدى، وانتهت المكالمة المتفضلة منه على خير ما تكون المودة والمحبة بين الأستاذ هو، وبين التلميذ!

مضت أسابيع نسيت فيه الواقعة، ودخلت فى أرشيف النسيان لما كان بينى وبينه رحمه الله من مودة صافية وإعجاب حقيقى بأدبه ودماثته وأستاذيته ولغته وبيانه وعذوبة صوته وصدق مشاعره، إلى أن فوجئت فى وقت باكر من صباح أحد الأيام، بصوت الأستاذ على منصور على الهاتف.. وقبل أن أنبس بكلمة، إذ بهذا الأستاذ الجليل، يقول بصوته العذب، إنه فى طريقه إلى مستشفى المعادى لإجراء جراحة دقيقة فى الأحبال الصوتية، وأنه أراد قبل أن يغادر بيته إلى المستشفى أن يطمئن إلى أننى قد سامحت وصفحت.. لحظتها لم أملك دموعى التى انثالت سخينة لرقة مشاعر هذا الأستاذ الجليل.. كان هذا هو النبع الذى شربنا منه، وافتقدنا برحيل هؤلاء الأفذاذ الكبار ما كان يقيم جسوراً حيّة من التواصل بين الأجيال!

(للحديث بقية)
Email : rattia @ ragaiattia .Com
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة