اقتصاد وأسواق

انعدام النمو الاقتصادي الألماني عام‮ ‬2010


خالد بدر الدين
 
يتوقع البوندسبنك انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة %6.2 هذا العام وتجمد نموه عند الصفر في العام المقبل مع ارتفاع معدل البطالة من %7.8 عام 2007 إلي %8.4 خلال العام الحالي ويتوقع أن يصل إلي %10.5 في 2010، برغم ان توقعات البنك المركزي الألماني في نهاية الربع الأول من العام الحالي كانت تؤكد تباطؤ الانهيار الاقتصادي بشكل ملحوظ حيث وصل إلي أسوأ مستوي له وسيبدأ في الصعود مرة أخري مع حلول الربع الثالث.

 
وجاء في التقرير الذي نشره البوندسبنك هذا الأسبوع ان النظام البنكي الألماني تعرض أكثر من أي قطاع آخر لاضرار الأزمة العالمية رغم عدم حدوث تضخم مرتفع في أسعار الأصول خلال العقد الماضي ولم يشهد أي فقاعة ائتمانية والتي كانت من أهم أسباب الأزمة التي نتجت أساساً عن النظام المالي الأمريكي.
 
ومن الغريب ان الضعف الذي يعتري النظام المالي الألماني حالياً لا يرجع إلي التطورات المحلية وإنما إلي تراكم الإيرادات الناتجة من فقاعة التصدير والتي حققت فائضاً قدره 17.6 مليار يورو في الحساب الجاري خلال شهر مارس فقط من عام 2008 والتي جري استثمارها في الأدوات المالية الأمريكية الأصل والتي تضاءلت قيمتها الآن وانعدمت سيولتها المالية.
 
وذكرت مجلة ايكونوميست الصادرة هذا الأسبوع أن الحكومة الألمانية تقترح انشاء بنك للقروض المعدومة لتطهير ميزانيات بنوكها من الأصول المتعثرة، حيث اضطرت الحكومة إلي وضع خط جريئة لانقاذ نظامها البنكي وذلك حتي لا تتحمل انجيلا ميركيل الأعباء السياسية عندما تعترف للناخبين بضخامة الخسائر التي يتحتم علي الشعب الألماني ان يتحملها بسبب الأزمة المالية العالمية التي أثرت أيضا علي أكبر اقتصاد في أوروبا.
 
ويحاول صناع السياسة الألمانية مثل نظرائهم في بقية الدول المتقدمة التصدي للأزمة المالية التي ليس لها نظير سواء في الضخامة أو التعقيد، إضافة إلي حماية دافعي الضرائب من مخاطرها الهائلة وان كانت المستشارة الألمانية تنتقد كبري البنوك المركزية العالمية وهي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك اوف انجلاند والبنك الأوروبي المركزي، لتطبيقها سياسات نقدية ضعيفة لدعم اقتصاداتها مثل شراء الاحتياطي الفيدرالي الأوراق المالية المسمومة وانصياع بنك أوف انجلاند للسياسة النقدية الأوروبية، وكذلك نية البنك الأوروبي المركزي تحت الضغوط العالمية علي شراء سندات مضمونة بحوالي 60 مليار يورو، مما يعني العودة إلي الوراء عشر سنوات علي الأقل بدلاً من التقدم للأمام بسياسات نقدية مستقلة ومعقولة تنقذها من أزمتها الحالية.
 
وكانت الحكومة الألمانية قد انتهت في منتصف مايو الماضي من آخر محاولة لها لعلاج نظامها البنكي بعرض مشروع إنشاء بنك القروض المعدومة علي البرلمان بهدف تنقية المؤسسات المالية الرئيسية من الأصول المسمومة، التي من المستحيل تحويلها إلي سيولة نقدية بغرض دعمها حتي يمكن التعامل معها مرة أخري في الأسواق المالية.
 
ويشمل هذا المشروع عدة بنوك للقروض المعدومة بحيث يمكن للبنوك التجارية أن تضع فيها أصولها المتعثرة لمدة عشرين سنة ومن هذه الأصول جميع الأدوات المالية مثل الأوراق المالية المدعومة بالأصول والتزامات القروض المضمونة، وكذلك الديون المضمونة التي بلغت حتي نهاية الربع الأول حوالي 200 مليار يورو في ميزانيات البنوك والتي يصل عددها إلي حوالي 441 بنكاً تعمل في ألمانيا حتي الآن.

 
ويمكن للبنوك التجارية أن تحول أصولها المسمومة من ميزانياتها إلي هذه البنوك الخاصة بالقروض المعدومة في مقابل سندات مدعومة من الحكومة تغطي %90 من قيمتها الدفترية بحيث يمكن تسوية هذه القروض علي مدار عشرين عاماً وبعدها لن تحصل البنوك علي أي عوائد من هذه السندات حتي تحصل الحكومة علي ما دفعته ثمناً لضمان هذه القروض المعدومة.
 
وتأمل الحكومة أن يوافق البرلمان الألماني علي هذا المشروع بحلول الشهر المقبل قبل إجازة الصيف وقبل الانتخابات العامة في سبتمبر وإن كان هناك بعض التغيرات الجوهرية يجب تحقيقها قبل تنفيذ هذا المشروع، حيث أعضاء البرلمان من كبري الأحزاب السياسية اهتمامهم البالغ بهذه المقترحات.
 
ولما كانت الحكومة لا ترغم البنوك التجارية علي يوضع أصولها المسمومة في بنوك القروض المعدومة فإن الطبيعة التطوعية أو الاختيارية لهذا المشروع تعتمد علي مدفوعات عوائد السندات لمدة طويلة ولذلك لن تهتم به إلا البنوك التجارية التي تعاني من نقص في السيولة المالية وتحتاج إلي مشاركة من الحكومة لمساندتها.
 
ولكن حتي اذا تم تمرير هذا المشروع وإنشاء مثل هذه البنوك الرديئة بنجاح فإن هناك تدابير أخري  يجب تنفيذها حتي يتحقق الاستقرار للنظام البنكي، لا سيما أنه مع تفاقم الركود الحالي فإن القروض المعدومة من المتوقع أن تزداد بشكل كبير، كما أنه مع الهشاشة الخطيرة التي تعتري النظام المالي فإن تزايد تآكل قاعدته المالية سيتطلب إعادة تمويل ضخمة من الحكومة.
 
وتسعي وزارة المالية أيضاً إلي إنقاذ البنوك التي تملكها الحكومات المحلية في الأقاليم الألمانية حيث تنقسم بنوك البلاد إلي بنوك خالية من الأصول  المسمومة »بنوك قوية« وبنوك تعاني من الأصول المسمومة »بنوك مريضة« بحيث إن هذه البنوك القوية لها حرية عدم الالتزام بتحمل أي خسائر من تلك الأصول المسمومة.
 
ومع تزايد الأزمة المالية تطالب الحكومة الفيدرالية البنوك بالاندماج فيما بينها وإن كانت حكومات الولايات الألمانية ترفض ذلك بزعم أنها تعاني من انكماش ميزانياتها التي تضخمت في الشهور الأخيرة لدرجة أن بنك بايريسك لاندسبنك مثلاً يعتزم خفض ميزانيته بحوالي %50 من المستوي الذي وصلت اليه في العام الماضي حيث بلغت 485 مليار يورو وذلك ببيع جميع الوحدات التابعة له.
 
وبسبب الشكوك التي تحوم حول هذه البنوك خفضت وكالة ستاندرد اندبورز »S&P « للتصنيف الائتماني تقييمات خمسة بنوك من ست مؤسسات مالية إقليمية تملكها حكومات الولايات منها بنوك بادين فورتمبرج من A + إلي A - وتورديوتش لاندسبنك من A إلي A - وبايريسك لاندسبنك وHSH توردنبك من A إلي BBB + وويست لاندسبنك من A - إلي + BBB ولم يحافظ علي تقييمه ثابتاً كما هو عند A إلا بنك هيس وبنك تورينجيا المملوكان للحكومة.
 
وأعلنت وكالة S&P أن انخفاض التقييم الائتماني لهذه البنوك يعكس تزايد المخاوف من ضخامة الأصول المسمومة في ميزانيات هذه البنوك والشكوك الناجمة عن عمليات الاندماج الكبيرة المتوقعة فيما بينها، لا سيما أن بنك هايبو ريل استيت المسجل في البورصة الألمانية كان يعاني من أزمة تمويلية مزمنة خلال العام الماضي ولم تنقذه من التأميم سوي ضمانات القروض الحكومية.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة