بورصة وشركات

سهم‮ »‬السويس للأسمنت‮« ‬يعوض جميع خسائره منذ اندلاع الأزمة العالمية


فريد عبداللطيف

شهد سهم السويس للأسمنت صعوداً دراماتيكياً في الأشهر الأربعة الأخيرة، بنسبة %134، ليتحرك الأسبوع الحالي قرب 35 جنيهاً، معوضاً جميع خسائره منذ انهيار البورصة في أكتوبر  2008علي إثر اندلاع الأزمة المالية العالمية. وكان السهم قد وصل في فبراير الماضي لأدني مستوياته في 4 سنوات بملامسته 15 جنيهاً، ليكون بذلك قد تفوق علي البورصة في موجتها الصعودية الأخيرة التي استهلتها منذ مطلع فبراير بصعود مؤشرها الرئيسي بنسبة %88، ليسجل الأسبوع الحالي أعلي مستوياته منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية بتحركه فوق 6300 نقطة.


 وكانت وتيرة صعود السهم قد تصاعدت منذ منتصف مايو 2009 بعد إعلان الشركة عن نتائج أعمالها للربع الأول من العام المالي الحالي، وأظهرت صمود الأرباح أمام التحديات التي تواجه القطاع المتمثلة في زيادة تكلفة الإنتاج. وانحصر معدل تراجع الأرباح علي %1 مسجلة 355 مليون جنيه مقابل358  مليون جنيه في فترة المقارنة.

 وجاء تمكن الشركة من الاستمرار في توليد تدفقات نقدية ضخمة نتيجة حفاظها علي الاتجاه الصعودي لحجم مبيعاتها، والذي صحبته زيادة في الأسعار، وانعكس ذلك علي قيمة المبيعات لترتفع في الربع الأول بنسبة %24 مسجلة 1.63 مليار جنيه مقابل 1.33 مليار جنيه في فترة المقارنة. جاء ذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه تكلفة المبيعات بنسبة قياسية بلغت %44 مسجلة 1.061مليار جنيه مقابل 739 مليون جنيه في فترة المقارنة. وانعكس ذلك علي هامش ربح المبيعات ليتراجع مسجلا %36 مقابل %45 في فترة المقارنة.

 وضغط ذلك علي مجمل ربح المبيعات ليتراجع بنسبة %3 مسجلا 575 مليون جنيه مقابل 590 مليون جنيه في فترة المقارنة. وبذلك تكون عودة الشركة للصعود بمجمل ربح المبيعات مرتبطة بقدرتها علي الحفاظ علي العمل بقرب كامل طاقتها الإنتاجية دون حرق الأسعار، وسيحد ذلك تدريجيا من الضغط الواقع علي هامش ربح المبيعات.

وكانت التحديات التي تواجه قطاع الأسمنت ومن ضمنه السويس للأسمنت التي تعد أكبر منتج للأسمنت في مصر، قد بدأت في الضغط علي هامش ربح مبيعات القطاع منذ أبريل عام 2008، بعد صدور قرار حظر التصدير منذ مطلعه وحتي أكتوبر 2008. وتصاعدت الصعوبات التي تواجه القطاع في النصف الثاني من عام 2008 نتيجة الضغط الواقع علي هامش ربح المبيعات، انعكاسا لارتفاع تكلفة الإنتاج، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي والبنزين علي إثر القرارات الاقتصادية في الخامس من مايو 2008. وكانت تلك العوامل قد ضغطت علي هامش ربح مبيعات السويس للأسمنت في عام 2008 ليتراجع مسجلا %37 مقابل %43 في عام المقارنة. وتبع ذلك اتجاهه للمزيد من الهبوط في الربع الأول من العام الحالي.

 وعلي الرغم من التراجع الجماعي لهامش ربح شركات الأسمنت فإنه يعد أعلي هامش ربح بين الصناعات الحيوية، وكان قد وصل إلي مستويات فلكية في النصف الأول من عام 2008 نتيجة ظروف غير طبيعية، تتمثل في الأسعار المدعمة للطاقة، وتصاعد الطلب نتيجة الانتعاش غير المسبوق للأنشطة العقارية المرشح للتباطؤ بعد الانتهاء من المشروعات القائمة، وسيحد ذلك من الطلب المحلي علي الأسمنت علي المدي المتوسط، ويدفع شركاته للخروج للأسواق الإقليمية، بعد أن انحصرب مبيعاتها علي السوق المحلية في الربع الأول، خاصة بعد نزول الطاقات الإنتاجية تحت الإنشاء.

وكان هبوط هامش ربح السويس للأسمنت منذ النصف الثاني من عام 2008 قد جاء بمعدل أقل من باقي شركات القطاع، نظرا لكونها تمتلك سلسلة من الشركات العاملة في الصناعات المكملة لصناعة الأسمنت، وتشمل أكياس التعبئة وخدمات التشغيل وصيانة خطوط الإنتاج. ومكنها ذلك من تحقيق مزايا اقتصادية، استطاعت من خلالها النزول بتكلفة الإنتاج، بخلاف الغاز والبنزين، إلي مستويات غير متاحة لباقي شركات القطاع، مما حد من الضغط الواقع علي هامش الربح.

وكانت المستجدات غير المواتية التي تواجه القطاع قد بدأت منذ القرارات الاقتصادية في الخامس من مايو التي أدت لارتفاع كبير في أسعار البنزين والغاز الطبيعي اللذين يمثلان أكثر من ثلث تكلفة الإنتاج، وكانت طموحات المستثمرين بأن يبدأ الضغط علي هامش ربح الشركة في التراجع بدءا من أكتوبر 2008 برفع الحظر عن التصدير. وتلاشت تلك الطموحات مع اندلاع الأزمة العالمية في مطلع أكتوبر بالتزامن مع رفع الحظر عن التصدير، وادي ذلك للمزيد من الضغط علي سهم السويس للأسمنت ليصل في فبراير الماضي إلي قرب ادني مستوياته في خمسة أعوام بتحركه تحت 16 جنيهاً، بعد أن وصل في عام 2005 قرب 80 جنيهاً، مع قيام مجموعة (سيمنت فرانسيه) وهي أكبر منتج للأسمنت في العالم بالاستحواذ علي الشركة.

وكان الضرر الواقع علي السهم اثر اندلاع الأزمة المالية العالمية قد جاء انعكاسا لكون أكبر المتضررين من ورائها علي المدي المتوسط هو قطاع العقارات، وبالتالي مبيعات الأسمنت. وانعكس ذلك بالفعل علي أسعار الأسمنت في الأسواق الإقليمية والأوروبية لتتجه للتراجع منذ أكتوبر الماضي، وسيكون الصعود بالصادرات تحدياً صعباً للشركة في المرحلة المقبلة وبعد رفع الحظر عن التصدير الذي تم فرضه من جديد في أبريل 2009 لثلاثة أشهر. وستتبع رفع الحظر صعوبات في التصدير نتيجة تبعات الأزمة المالية العالمية علي القطاع العقاري في الأسواق المجاورة. لتكون السوق المحلية هي المحور الرئيسي للمبيعات، خاصة أن تراجع أسعار الحديد أعطي دفعة للقطاع، بالإضافة إلي قيام شركات الأسمنت بزيادة سعر بيع الطن تسليم المصنع في عام 2008، وتوجهها لزيادة هامش ربح المبيعات عن طريق التوجه للمقاولين والمستوردين بشكل مباشر، والحد من الاعتماد علي الموزعين، وكان ذلك ضمن العوامل التي حدت من الضغط الواقع علي هامش الربح.

وتأتي ضخامة الرافعة التشغيلية لشركات الأسمنت، التي تجيء علي خلفية كون المصروفات الثابتة للإنتاج تمثل أكثر من ثلثي إجمالي التكلفة، لتفرض علي الشركات العمل بقرب كامل طاقتها التشغيلية، حتي تستطيع أن تحقق هامش ربح مجزياً. وكانت الترشيحات تتجه لقيام شركات الأسمنت في المرحلة الحالية بحرق الأسعار لزيادة حصصها السوقية للعمل بقرب كامل الطاقة الإنتاجية. وقامت شركات الأسمنت بتحرك جماعي لرفع الأسعار، لتفادي السيناريو الكارثة لشركات الأسمنت الذي شهدته عام 2003، نتيجة الزيادة المطردة للعرض وتراجع الطلب، مما أدي إلي حرق الأسعار وتراكم المخزون.

ومن المرجح أن تؤدي زيادة العرض لخرق هذا التنسيق، وستتبع ذلك زيادة الضغط الواقع علي هامش ربح المبيعات في النصف الثاني من عام 2009. كما سيتزامن ذلك مع عدة عوامل من شأنها أن تشكل المزيد من الضغط الواقع بالفعل علي هامش الربح، مع تلويح الدولة بفرض عقوبات جديدة علي شركات الأسمنت في حال استمرارها في رفع الأسعار.

 وكانت وزارة التجارة قد قامت بالفعل في نهاية العام الماضي بفرض عقوبات رادعة علي شركات الأسمنت. وكانت شركة أسمنت السويس ضمن المتعرضين لعقوبات، حيث فرضت عليها غرامة بقيمة 10 ملايين جنيه، نتيجة ضلوعها مع باقي شركات الأسمنت في أنشطة احتكارية تهدف إلي الصعود بأسعار الأسمنت في تصرف جماعي. وعلي الرغم من كون الغرامة التي تم فرضها علي السويس للأسمنت في حد ذاتها لا تشكل عبئاً علي مراكزها المالية لتمتعها بمستويات سيولة مرتفعة وتدفقات نقدية قوية، فإن تلك الغرامة توضح إصرار الدولة علي وضع حد للارتفاعات الحادة المتتالية في أسعار الأسمنت. ومن المنتظر أن يضع إصرار الدولة علي ضبط الأسعار حدا للأرباح الفلكية التي حققتها شركات الأسمنت في السنوات الثلاث الأخيرة.

وكان ارتفاع مستويات السيولة لدي الشركة قد اعطي دفعة لأرباحها من خارج التشغيل في الربع الأول من العام الحالي، حيث مكنها من الحد من اللجوء للتسهيلات الائتمانية والسحب علي المكشوف، ليبلغ في مارس الماضي 65 مليون جنيه مقابل 324  مليون جنيه في ديسمبر 2008. وادي ذلك لتراجع كبير في المصروفات التمويلية لتسجل 20  مليون جنيه مقابل 33.5 مليون جنيه في فترة المقارنة.

من جهة اخري شهدت الأرباح من الفوائد صعوداً ملحوظاً بنسبة %67 مسجلة 25 مليون جنيه مقابل 15 مليون جنيه في فترة المقارنة. جاء ذلك انعكاسا لارتفاع النقدية والحسابات الجارية في البنوك في نهاية مارس مسجلة 1.21 مليار جنيه مقابل مليار جنيه في ديسمبر 2008.

وفيما يخص عائدات الشركة الاخري من خارج المبيعات بخلاف الفوائد، فقد شهدت تراجعاً ملحوظاً، نتيجة غياب أرباح استثنائية بلغت 11 مليون جنيه جاءت من المبلغ المالي المحصل كتعويض عن الحريق الذي شب في مجمع المواد الخام بمصنع السويس الخاص بشركة السويس للأسمنت. وصاحب غياب الأرباح من هذا البند تحميل الشركة قائمة الدخل بمخصصات بقيمة 10 ملايين جنيه لصندوق تدريب العاملين، بالاضافة إلي مطالبات محتملة، ولم تكن الشركة قد قامت ببناء اي مخصصات في فترة المقارنة. ومما زاد من الضغط الواقع علي الايرادات من خارج المبيعات ارتفاع المصروفات الإدارية والعمومية بنسبة %12 مسجلة 79 مليون جنيه مقابل 71 مليون جنيه في فترة المقارنة.

وساهمت المخصصات وتراجع الايرادات غير العادية في هبوط صافي الربح قبل الضرائب في الربع الأول بنسبة %4 مسجلا 398 مليون جنيه مقابل 413 مليون جنيه في فترة المقارنة. وقامت الشركة بالحد من بناء المخصصات الضريبية لتبلغ 43 مليون جنيه بنسبة %11 من صافي الربح قبل الضرائب، وكانت قد بلغت 55 مليون جنيه بنسبة %14 من صافي الربح قبل الضرائب في فترة المقارنة.

وكانت مستويات السيولة المرتفعة للشركة التي ساهمت في تماسك الأرباح قد جاءت نتيجة تصاعد أرباحها في السنوات الأخيرة مع قيامها بالحد من توزيعات الأرباح. واكتفت الشركة بتوزيع كوبون بقيمة 2 جنيه عن أرباح عام 2008 تمثل عائداً بنسبة %6 علي سعر السهم في تعاملات الأسبوع الحالي البالغ 35 جنيهاً. وعلي الرغم من كون التوزيع النقدي يعد معتدلا، فإن استجابة السهم كانت ايجابية، حيث جاءت التوزيعات في الوقت الذي يمر به القطاع بحالة من التوتر اثر الارتفاع القوي في تكلفة الإنتاج.

 وعلي الرغم من تمكن شركات الأسمنت منذ مطلع العام الحالي، في تمرير شرائح متزايدة من الزيادة في التكلفة إلي المستهلكين، فإن ذلك غير مرشح للاستمرار، كون الدولة قد ابدت اصرارها القوي علي كبح جماح ارتفاع أسعار الأسمنت، للحد من الضغط الواقع علي قطاع العقارات، نتيجة الارتفاع المتواصل في معدل التضخم، قبل أن ينخفض في الربع الأول من العام الحالي، وسط توقعات بعودته للصعود، اثر تراجع سعر صرف الجنيه المرشح للاتساع بعد تخفيض سعر الفائدة بمقدار نقطتين مئويتين منذ نهاية فبراير الماضي.

 وقامت السويس للأسمنت بالحد من التوزيع النقدي لأرباح عام 2008 لتوفير السيولة اللازمة للتعامل مع اي مستجدات في هذا النطاق، خاصة أن خيار التصدير أصبح محدودا، نتيجة انزلاق الاقتصاد العالمي إلي نفق الركود اثر الأزمة المالية العالمية. وكان نصيب سهم السويس للأسمنت من أرباح عام 2008  قد بلغ 4.98 جنيه، وتم تداول السهم الأسبوع الحالي قرب 35 جنيهاً، ليتحرك السهم بذلك علي مضاعف ربحية 7 مرات مقابل حوالي 9 مرات لمتوسط الأسهم الكبري.

الجدير بالذكر أن أرباح السويس للأسمنت لن تتأثر بشكل مباشر بتراجع الطلب علي الأسمنت في الأسواق الإقليمية والعالمية، كونها تعد واحدة من أقل شركات الأسمنت تصديرا، حيث انحصر إجمالي ما تم تصديره في عام 2008 علي 33 ألف طن مقابل 265  ألف طن في عام 2007، لتشكل صادراتها أقل من %1 من طاقة الشركة الإنتاجية البالغة 4200 مليون طن.

 وعلي الرغم من التراجع الحاد للصادرات فإن الشركة تمكنت من العمل بكامل طاقتها الإنتاجية نظرا لاستحواذها علي %10.7 من إجمالي الاستهلاك المحلي الذي بلغ في العام الماضي 38.4 مليون طن. وستكون السوق المحلية هي المحك الذي سيحدد قدرة الشركة علي الاستمرار في الصعود بأرباحها، علي عكس شركات أخري تعتمد علي التصدير إلي حد بعيد، وفي مقدمتها أسمنت مصر بني سويف وأسمنت سيناء.

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة