استثمار

من تراب الطريق‮ !‬ توابع الفوضى (2)


على أسنة الرماح، وتحت مظلة هذه الفوضى، تشكل مجلسا الشعب والشورى، تشكيلا مشوبا بالبطلان لعدم دستورية أساس البناء، وتحت مظلة هذه الفوضى المقرونة بزهو الغلبة ودوافع الإستقواء والاستحواذ، جرت فى برلمان مصر العريق، مشاهد مؤسفة خرجت عن التقاليد وعن مبادئ التشريع على السواء . ودعنا من التقاليد، فالحديث عنها ترف إزاء ما نحن فيه، ولنراجع ما جرى ـ إجمالاً ـ فى مسألة الرقابة البرلمانية ومسألة التشريع، لنرى خلطًا معيبا فوضويًا فى مباشرة الرقابة البرلمانية، بهجوم مُضَرى على القضاء وعلى النائب العام ومطالبة بعزله ـ رغم حصانته، ومطالبات بتطهير القضاء، فى خلط يسقط المبدأ الدستورى بالفصل بين السلطات، وعدم جواز تدخل إحداهما فى شئون الأخرى، وتزامن مع ذلك هجوم مُضَرى آخر على الشرطة ـ سَكَتَ الآن !!! ـ فى خلط وتخليط بين مباشرة الرقابة البرلمانية وهى مباحة بل ومطلوبة، وبين إحلال البرلمان نفسه محل السلطة التنفيذية ليدير ويتصرف فى شئونها تحت دعاوى تطهير الشرطة وإعادة هيكلتها .

 

أما التشريع، فقد ضربته الفوضى فى مقاتل، بسن ما سمى قانون العزل السياسى الذى طرز تطريزًا طوى على عدة مخالفات دستورية، بغرض الحيلولة دون ترشح عمر سليمان وأحمد شفيق بعد بدء سباق الانتخابات الرئاسية، وافتقد هذا التشريع مبدأ العمومية والتجريد، وهو مبدأ دستورى، لأنه استهدف أشخاصاً بذواتهم، وخالف مبدأ المساواة بتمييز بين هذا وذاك تبعًا للغرض المغرض من القانون، فعزل مناصب، وترك غيرها بغير علّة ظاهرة، ثم أوقع عقوبات فرضها بالقانون خلافًا للمبدأ الدستورى، أنه لا عقوبة إلاّ بحكم قضائى، أى فى محاكمة يتاح فيها للمتهم ـ كما يتاح للمدعى ـ أن يبدى ويقدم دفاعه، وليصدر حكم قضائى لا بتحكم سلطة ـ بقبول الدعوى أو رفضها .

 

وكان من الفوضى الضاربة فى كل شىء، أن استُهدفت المحكمة الدستورية العليا ذاتها ـ ولا تزال مستهدفة ـ وفى توقيت كان معروضاً عليها فيه، عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب

والشورى، وعدم دستورية قانون العزل السياسى، وبدا داخل هذه الفوضى التى استهدفت

الدستورية العليا بدعوى إعادة تشكيلها، مع أن قضاتها غير قابلين للعزل، وتغيير رئيسها الذى

لم يكن باقياً على خدمته سوى شهر يحال بعده إلى المعاش، يضاف إلى ذلك أن مجلس الشعب قد أعد آنذاك عدة مشروعات لقوانين أخرى قدر أنها سوف تعرض لزاماً ـ لعيوبها الدستورية ـ على المحكمة الدستورية العليا، منها إلغاء المرجعية الإسلامية الأولى للأزهر الشريف، ومنها تغيير نظام انتخاب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بجعله للقاعدة العريضة ليصير الاختيار لهذا الموقع الرفيع كانتخابات المجالس الشعبية المحلية، نهباً للأهواء والتيارات والانحيازات والرجوات والإغراءات والوعود والجعول، ومن هذه المشروعات مشروع استهداف تحصين بعض القوانين من الرقابة الدستورية، خلافاً للمبدأ الدستورى أن المحكمة الدستورية هى التى تختص ـ دون غيرها ـ بالرقابة على دستورية القوانين .

 

ومن هذه الفوضى إن الإخوان شنوا آنذاك حملة ضارية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مع أن أداءه ـ والله أعلم بالنوايا ـ قدم لهم هدايا تلو هدايا يستحيل معها أن يُقال إنه كان ضدهم أو كان يستهدفهم، بل إن هذا الأداء ـ ولا نتهم أحداً فى مقاصده ـ قد فرش الطريق ممهدًا لهم للاستحواذ شيئاً فشيئاً على مفاصل الدولة .

 

ومن هذه الفوضى أن تُحَمَّل المحكمة الدستورية العليا بجرائر تشريعات خاطئة، الذنب فى عدم دستوريتها ذنب واضعيها أو المحرضين على وضعها أو الضاغطين لفرضها، بعضها صنعته الأغلبية الإخوانية بمجلس الشعب ـ كقانون العزل السياسى، والبعض أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة نزولاً على رغبة أو ضغوط الإخوان، كالمراسيم 108 ، 120 ، 123 لسنة 2011. والأغرب أن رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب ـ وهو من الإخوان ـ سلم وجاهر بأن قانون العزل السياسى غير دستورى، ومع ذلك لم يجد الإخوان بأساً من شن حملة ضارية على المحكمة الدستورية العليا التى لا يطالبها عاقل بأن تقضى بدستورية ما لا دستورية له !!

 

ومن هذه الفوضى، الأسلوب الذى قوبل به قضاء المحكمة الدستورية العليا، وكان من هذا الأسلوب الغير مشروع ـ إصدار قرار جمهورى بدعوة لانعقاد مجلس الشعب الذى قضى فى 2012/6/14 بأنه غير قائم منذ تشكيله، لبطلان وعدم دستورية القانون الذى جرت انتخاباته ـ هو ومجلس الشورى ! ـ على أساسه، فبدا فى هذه الفوضى أن القرار يسعى لإيجاد ما لا وجود له، ثم كان من الإمعان فى هذه الفوضى التى أعطت ظهرها تماما للقانون وللمبادئ الدستورية، أن يُحال حكم المحكمة الدستورية العليا إلى محكمة النقض بدعوى أن المسألة مسألة صحة عضوية، ولم تكن كذلك، وإنما هى بطلان تشكيل المجلس برمته بصرف النظر عن أعضائه، لما شاب تشكيله من بطلان وعدم دستورية القانون الذى شكل ـ وكذا مجلس الشورى ـ على أساسه .

 

ولأن الفوضى لم تصل، ولن تصل بمشيئة الله، إلى محكمة النقض، فإن رئيسها قد جمع الهيئة العامة للدوائر مجتمعة، وهى تشكل من رؤساء الدوائر المدنية والجنائية بالمحكمة، لتنظر فيما أحالة مجلس الشعب إليها، فقضت قضاءها المتوقع بالرفض وبأنه لا اختصاص لها بما أحيل إليها !

 

ومن الفوضى التى طفقت تضرب أطنابها، أن مجلس الشورى المتوقع ـ يقينا ـ القضاء دستوريا بأنه غير قائم منذ تشكيله، أبى فى إطار سياسة الاستحواذ والسيطرة والهيمنة، إلاَّ أن يفتح ملف الاستيلاء على الصحافة القومية !!

 

رجائى عطية

 

Email:[email protected]

 

www.ragaiattia.com

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة