اقتصاد وأسواق

التمويل الداخلي أفضل الطرق لسد عجز الموازنة‮ ‬


منال علي
 
أثار اعلان الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية استبعاد طرح سندات دولارية خلال الفترة المقبلة جدلاً واسعاً بين خبراء الاقتصاد والمالية حول سبل تمويل عجز الموازنة والمتوقع ان يصل الي أكثر من 100 مليار جنيه بنسبة %8.4 من الناتج المحلي الاجمالي خلال العام المالي 2010/2009.

 
واختلف الخبراء حول طرح أو تأجيل طرح سندات دولارية حيث اتجه فريق منهم نحو ترجيح اللجوء الي الاستدانة من السوق المحلية عن طريق طرح سندات بالجنيه المصري في حين اوضح الفريق الآخر أهمية البحث عن مصادر لتمويل حقيقية، سواء بالتوسع في آليات تحصيل الضريبة الواردة بقانون الضرائب علي الدخل أو بغرض ضرائب جديدة ولو بصورة مؤقتة بحيث يجنب الموازنة العامة تحمل اعباء الدين.
 
يقول الدكتور فخري الفقي الخبير الاقتصادي ان الدين المحلي افضل الحلول لتغطية النقص في موارد الدولة بما يلبي احتياجاتها لأن المخاطر التي قد يتحملها الاقتصادي نتيجة الآثار السلبية المترتبة علي تفاقم الدين المحلي أقل كثيرا من الآثار السلبية الناتجة عن اللجوء الي الاستدانة من الخارج.
 
ويوضح الفقي ان اهم العواقب الوخيمة لتفاقم الدين المحلي هي: مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الحصول علي الائتمان، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض معدل النمو بينما يشكل »عدم قدرة الدولة علي الوفاء بالتزاماتها الدولية« أخطر الآثار السلبية لتفاقم الدين الخارجي خلال الفترة الحالية لانه يعرض الدولة لفقدان الثقة علي المستوي العالمي بما يضعف قدرتها علي اللجوء الي مؤسسات التمويل الدولية للاقتراض مرة أخري وكذلك انهيار عملتها الوطنية فضلا عن هروب الاستثمارات الاجنبية المباشرة.
 
وقد أعلنت وزارة المالية استبعاد اصدار سندات دولارية خلال الفترة المقبلة كمصدر من مصادر التمويل واوقفت بذلك خطة الحكومة نحو اصدار سندات دولارية في نوفمبر الماضي.
 
ويفسر الفقي اتجاه الحكومة نحو استبعاد طريق طرح سندات دولارية كأحد مصادر التمويل الي التوقعات التي تشير لارتفاع سعر الدولار الامريكي امام الجنيه المصري فضلا عن سعر الفائدة، نتيجة عجز ميزان المدفوعات وانخفاض كمية العملات الاجنبية لدي مصر مما يرفع عبء هذا الدين في نهاية المدة.
 
ويضيف الفقي أن الحدود الآمنة لإجمالي الدين العام »خارجي/ محلي« يجب ألا تتعدي %60 من الناتج المحلي الاجمالي وفقا للمعايير الدولية، بينما تجاوز الدين العام المصري%85 من ذات القيمة بما يعني انه اذا كان لازما تغطية جزء من العجز العام عن طريق الاستدانة فمن الافضل اختيار الطرق الأقل ضررا والتي يوفرها اللجوء الي طريق الاقتراض المحلي. ويقدر اجمالي الدين العام المحلي بـ594 مليار جنيه و600 مليون خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي 2009/2008 بما يعادل %57.2 من الناتج المحلي الاجمالي.
 
وعلي جانب المديونية الخارجية فيبلغ اجمالي الدين العام الخارجي 32 ملياراً و123 مليون دولار خلال فترة المقارنة من نفس العام بما يعادل نسبته %17 من الناتج المحلي الاجمالي. اما الدكتور سعيد عبدالمنعم وكيل كلية التجارة جامعة عين شمس فقد شدد علي ضرورة قيام الحكومة بالبحث عن مصادر تمويل حقيقية تستطيع من خلالها تلبية احتياجاتها دون الضغط علي الموازنة العامة للدولة بالاستدانة خارجيا أو داخليا لان التوجه نحو الاقتراض من الخارج يواجه صعوبة شديدة بسبب الآثار السلبية للازمة المالية العالمية كما تنتج هذه الازمة آثارها علي المستوي المحلي في صورة فقدان الثقة لدي الافراد والمؤسسات في الاوراق المالية الحكومية مثل السندات وأذون الخزانة وبالتالي يمتنعون عن الاستثمار فيها بما يعني ان الاقتراض من الداخل ايضا تقابله صعوبة كبيرة.
 
ويقترح عبدالمنعم أن تتجه الحكومة نحو رفع معدل الضرائب المستحقة - ولو بصورة مؤقتة - علي الشركات التي يزيد صافي ارباحها علي 100  ألف جنيه بحيث تخضع هذه الشركات لسعر ضريبة %22 بدلا من %20 حاليا، كما يجب اخضاع منتجات الخمور والسجائر الي ضريبة مبيعات مرتفعة نسبيا وهذه الطرق توفر ايرادات حقيقية للدولة دون ان تحمل الموازنة العامة أي اعباء اضافية.
 
ويوضح وكيل كلية التجارة ان هذه الوسائل متعارف عليها خلال فترات الازمات، مثل ما يعرف بـ»الضريبة علي الارباح الاستثنائية« والتي فرضت علي الممولين خلال فترات الاربعينيات.
 
من جانبه أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية، في تقارير صحفية سابقة أن وزارة المالية لا تنوي رفع الضرائب علي السجائر والخمور، مستبعداً فرض ضرائب جديدة خلال الفترة المقبلة، أو اجراء أي تعديلات في قانون الضرائب الحالي.
 
ويرفض الدكتور سمير مرقص، أستاذ الضرائب بالجامعة الأمريكية، الفكرة القائلة بضرورة فرض المزيد من الضرائب حتي ولو بصورة مؤقتة، وذلك بما لا يرفع عبء الضريبة علي المستثمرين ويفقد المصلحة ثقة الممولين التي حازتها خلال الفترة الماضية، الأمر الذي يرتفع بمعدلات التهرب الضريبي من جديد.
 
ومع ذلك يتفق مرقص مع عبد المنعم في ضرورة قيام الحكومة بالبحث عن مصادر حقيقية لتغطية احتياجاتها العامة، بحيث يجنب الدولة تحمل أعباء الدين سواء كان داخلياً أو خارجياً. ويقترح مرقص قيام وزارة المالية بالتوسع في اصدار الشهادات الضريبية المنصوص عليها في المادة 115 من قانون الضرائب علي الدخل الساري والتي تنص علي »للوزير اصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون وتحمل بعائد معفي من الضرائب يحدده الوزير. وتكون لهذه الصكوك وللعوائد المستحقة عليها قوة الابراء عند سداد الضرائب المستحقة«، وهذه الوسيلة تحقق موارد سريعة للدولة دون أن تحملها عبئاً كبيراً.
 
كما يقترح مرقص التوسع في نظام الدفعات المقدمة المنصوص عليها في المواد من 61 حتي 65 من قانون الضرائب علي الدخل رقم 91 لسنة 2005، وهي الأموال التي يدفعها الممول تحت حساب الضريبية بأي عملة »وطنية أو أجنبية«.
 
وفي هذا السياق يؤكد الدكتور أحمد غنيم، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة، أن التوسع في الاستدانة سواء داخلياً أو خارجياً له آثار سلبية واضحة علي الاقتصاد المصري.
 
أما فيما يتعلق باستبعاد الاستدانة بالدولار، فيري غنيم أن هذا القرار صائب من وزارة المالية، لوجود احتمالات كبيرة ترجح انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي كما يجعل عبء سداد الدين أعلي.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة