بنـــوك

‮»‬الطلب الفعال‮« ‬من‮ ‬يحققه‮.. ‬الائتمان الرأسمالى أم الاستهلاگى؟


محمد بركة
 
خْلقُ الطلب الفعال الذي يمثل القوي المحركة للنشاط الاقتصادي في الأسواق هو مطلب أساسي للاقتصادات التي تسعي لمواصلة مسيرة النمو ومواجهة تزايد احتمالات الركود في ظل سوق دولية تعاني من تباطؤ الطلب بوجه عام، ولكن تحول هذا الطلب إلي مقايضة تعرض خلالها البنوك ما في حوزتها من فوائض ضخمة غير موظفة علي العملاء الذين يحتاجون إلي دعم قواهم الشرائية التقليدية عن طريق التوسع في تقديم خدمات التجزئة المصرفية، وبصفة خاصة القروض الاستهلاكية التي تحولت إلي موضة تسعي جميع البنوك إلي اللحاق بها لأنها الأكثر رواجاً بالأسواق والأقل مخاطرة حتي الآن.. وتكاد تكون معدلات نموها ظاهرة 2007 التي تنتقل بقوة إلي 2008.

 
 
 طارق الحسينى
وفي الوقت الذي تعرضت فيه العديد من البنوك الأجنبية لانتقادات كثيرة بسبب تركيزها علي الائتمان الاستهلاكي حتي إن البعض اتهمها بالتخاذل في تمويل عمليات الائتمان الرأسمالي الصالح لنوعية الأولي، فإن تلك البنوك في دفاعها عن تبني هذا التوجه الهادف إلي الربح في المقام الأول أكدت أن ما تقوم به من توسع في تقديم الائتمان الاستهلاكي يهدف في الأساس إلي تنشيط الطلب داخل السوق وزيادة فاعلية القوي الشرائية مما ينعكس علي معدلات الإنتاج النهائي، والاستهلاك النهائي الذي يعد شرطاً أساسياً لمواصلة معدلات النمو المتصاعدة (أكثر من %7).
 
غير أن ادعاءات البنوك العاملة في هذا المجال قوبلت بانتقادات حادة من جانب بعض المصرفيين الذين اعتبروا أن نشاط القوي الشرائية الذي أوجده الائتمان الاستهلاكي هو نشاط عارض يركز علي تمويل استهلاكي قصير إلي متوسط الأجل لا علاقة له بعناصر الإنتاج، وأن البنوك التي تقدمه لا يعنيها تحقيق معدلات النمو التي تستهدفها الحكومة من عدمه، وأن الربح هو الهدف الأساسي الذي تسعي إليه.
 
ومن جانبه دافع طارق الحسيني نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمؤسسة فيزا العالمية والمدير الإقليمي لها في مصر عن الدور الذي تلعبه قروض وخدمات الائتمان الاستهلاكي في دورة النقود داخل السوق، مشيراً إلي أن البنوك عندما تقدم مثل هذه القروض تخلق طلباً فعالاً علي السلع المعمرة والسيارات، وغيرها من السلع التي تحرك دورة النشاط الاقتصادي وتؤدي إلي تخلص البنوك من حالة التحفظ في منح الائتمان.
 
وقال الحسيني: إن الإنفاق الذي يؤدي مثل هذه النوعية من القروض إلي رواجه هو الإنفاق الذي تحتاج إليه السوق لخلق طلب فعال علي المنتجات التي كانت تعاني حتي »وقت قريب من ضعف القوي الشرائية، مما تسبب في ركود بعض المخزون السلعي حتي تحسنت معدلات النمو، وأصبح من الضروري أن يواكب تزايد معدلات النمو ارتفاعاً في معدلات الانفاق، وهو ما قامت خدمات التجزئة والقروض الشخصية بوجه خاص بالعمل علي تحقيقه حتي تستمر تلك المعدلات.
 
ولفت نائب الرئيس بمؤسسة فيزا العالمية إلي أن بطاقات الدفع بدورها تعمل علي نشاط تلك المدفوعات لأنها تتيح حدوداً ائتمانية يمكن مع مراعاة مستويات الدخول في عدد من الشرائح أن تلعب دوراً في تلبية احتياجاتها، وتجزئة عمليات السداد مما يعطي الفرصة لحشد القوي الشرائية والسماح برواج أكبر للسلع والمنتجات.
 
في المقابل اعتبر الخبير المصرفي الدكتور خليل أبو راس أن توسع البنوك الأجنبية التي دخلت السوق المصرفية مؤخراً في خدمات التجزئة المصرفية هو بمثابة هروب من مواجهة الخيار الأكثر صعوبة وهو منح الائتمان للمشروعات الانتاجية التي تحصل علي تمويل ضخم وتؤثر بصورة حاسمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبالرغم من كونها تدر عائدات ضخمة فإنها تظل الأكثر مخاطرة ولا يمكن تعويض التعثر الذي تتعرض له كما في حالة خدمات التجزئة المصرفية.
 
واعتبر الدكتور أبو راس أن قيام هذه النوعية من الخدمات بتنشيط وخلق طلب فعال علي السلع والخدمات هو في الواقع نشاط خادع لا يعبر عما تحتاج اليه سوق السلع والخدمات، لأن ما يتم تمويله من جانب تلك البنوك ليس سوي الاحتياجات الاستهلاكية وحدها التي تجعل الاستهلاك العام لا يتأثر بالقدر الذي تنشط به خدمات التجزئة.
 
وأشار إلي أن نمو الطلب علي منتجات استهلاكية لا يؤثر في خلق الطلب الفعال ويحتجز عائدات نمو الاستهلاك في قطاعات بعينها علي عكس قطاعات الائتمان الرأسمالي التي تعمل علي نشاط قطاعات مختلفة في السوق كما يفعل الائتمان في التمويل الصناعي، أو الزراعي، وكذلك في قطاع المقاولات والتشييد الذي يضخ أموالاً ضخمة في مختلف الأنشطة التي تدخل في صناعة البناء والعقارات مما يجعل مؤشرات النمو الحقيقي تواصل صعودها، بينما لا يحدث هذا عادة في تمويل الانفاق الاستهلاكي، وإذا حدث فهو لا يكون بالقدر نفسه.
 
وتحفظ علي ما تشير إليه بعض البنوك من أنها تعمل علي تمويل استهلاك ما تقوم بإنتاجه الشركات الكبري التي قامت بتمويلها في الأصل ليصبح ما تقوم به بالنسبة لائتمان الأفراد بمثابة ترويج غير مباشر لمنتجات الأخيرة، وبالتالي فإن ما تقوم به يصبح تمويلاً للمنظومة بأكملها وليس لأحد طرفيها، إلا أنه يري أن ما يحدث تمويل لجانب الاستهلاك دون أن يقابله تمويل فعال للإنتاج مما يحدث حالة من الرواج الاستهلاكي الذي تستفيد منه منتجات غير محلية أيضا.
 
ولهذا طالب الدكتور أبو راس بضرورة أن تولي البنوك المحلية والأجنبية علي السواء الاهتمام بالقطاعات الرأسمالية الجديدة Green Fieleds التي تستطيع جذب تمويل طازج من الخارج، وفي ذات الوقت يمكن للبنوك توجيه نصيب مهم من الائتمان الذي تمنحه إليها، مما يعود بالفائدة علي الاقتصاد الوطني، ويتفادي المنافسة الضارة بين الشركات الكبري التي تؤثر في ربحيتها، ومن ثم ضمان استمرار تدفقاتها النقدية التي تسترد البنوك من خلالها أموالها التي توزعت علي قروض وتسهيلات في السابق لم تراع متطلبات الائتمان الجيد، لتظل أزمة القروض المتعثرة تطاردها في منح الائتمان الجديد.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة