اقتصاد وأسواق

نقطة نظام ماذا نريد من واشنطن..؟


فى خطابه أمام قمة عدم الانحياز قبل أيام، تسامى الرئيس المصرى فوق مشاعره الشخصية، حين أشار إلى «عبدالناصر » بوصفه أحد مؤسسى الحركة مطلع ستينيات القرن الماضى، ملبياً وقتئذ .. ومعبراً عن رأى عام مصرى يتطلع للاستقلال عن قوى الهيمنة، وهى إشارة من الرئيس جديرة بالتوقف عندها بعد كل المياه التى جرت تحت جسور السياسة الخارجية المصرية طوال ما يزيد على أربعة عقود خلت، إذ لها دلالتها ومغزاها بعدما صار الشعب فى مصر - بعد ثورة يناير - يلعب الدور الأهم فى معترك الحياة السياسية المصرية .

 

إلى هذا السياق .. تبرز أهمية إعادة النظر فى طبيعة علاقات القاهرة مع واشنطن، خاصة فى مجال التعاون العسكرى الذى يمثل النواة الصلبة لعلاقتيهما، كما يصبغ بطابعه .. التبادل المتميز للخبرات بين المؤسستين العسكريتين فى البلدين منذ عودة العلاقات بينهما فى نوفمبر 1973 ، حيث تلقت مصر من بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل 1979.. معونات عسكرية أمريكية تقدر حتى اليوم بنحو أربعين مليار دولار، لم تكن كلها لتلبية احتياجات مصر من السلاح، بل جرى إنفاق جزء غير قليل منها لمدّ الطرق الطولية والعرضية، إضافة إلى إنشاء مرافق لتقديم مزايا عسكرية ولوجستية للقوات الأمريكية .. إذا حدث واستخدمت الأراضى المصرية لأسبابها الاستراتيجية، كحفظ الأمن الإقليمى أو لمحاربة الإرهاب .. إلخ، الأمر الذى تحولت به علاقتهما العسكرية إلى أقرب ما تكون - مع الفارق - للعلاقات مع البعثة العسكرية لبريطانيا إبان احتلالها لمصر، وقت أن تمثلت رموز وأدوات السيطرة وقتئذ بالوزير البريطانى للشرق الأوسط المقيم فى القاهرة، خاصة وأن المناورات المصرية - الأمريكية المنتظمة منذ بداية الثمانينيات تحت اسم «النجم الساطع » ، والتى تعدّ الأكبر من نوعها فى العالم، قد شملت إلى جانبهما .. اشتراك دول أخرى إقليمية ومن دول الناتو فى بعض الأحيان، مما يجعل من فض التعاون العسكرى بين البلدين أشبه بعملية جراحية غير مأمونة العواقب، وربما أكثر صعوبة مما جرت عليه الأمور حين أقدمت مصر على فك ارتباطها العسكرى مع بريطانيا منتصف الخمسينيات، إذ من غير المرجح بالنسبة لواشنطن أن تقبل بسهولة .. تحول مصر للحصول على السلاح من منافسيها الدوليين، كروسيا والصين، الأمر الذى قد يكون مؤداه .. اتجاه القاهرة إلى تبنى سياسات إقليمية على غير ما عهدته واشنطن من القاهرة خلال العقود السابقة، ما قد يؤثر بالسلب على الالتزامات الأمريكية تجاه إسرائيل .. ونحو تأمينها منابع النفط فى المنطقة وطرق مواصلاته .

 

نعم، لقد بادر الرئيس فى أولى جولاته الدولية بالتوجه إلى الصين، ولكنه اكتفى فحسب على ما يبدو، بفتح المجال لتسهيلات ولاتفاقات تجارية .. تعود ضمناً بالفائدة على عشرات من رجال أعمال المحسوبين على النظام الجديد، كما بادر الرئيس بتجاوز اعتراض الولايات المتحدة على زيارته إيران لحضور قمة عدم الانحياز، ولكنه قصر الزيارة على خمس ساعات فحسب، لم تكف إلا بالكاد لإلقاء خطابه والتقاط الصور التذكارية .. وإلى أن ينسخ سابق مبادرته الإيجابية بالحل الإقليمى للحالة السورية، وهى الفكرة المرفوضة أمريكيا، ما يوشى، وغيرها من المواقف، على حرص مصر حتى الآن .. على الحفاظ على علاقات ثنائية متميزة مع واشنطن عبر مختلف الوسائل والآليات، ولا بأس من التظاهر بعكس ذلك، على أن يبقى التعاون العسكرى، مع واشنطن على الحال نفسه الذى كان عليه فى عهد النظامين السابقين، فهل يعنى ذلك بالفعل عما نريده من واشنطن؟

بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة