بنـــوك

10 مطــبات فــي طـــريق قــــانون البنــــوك الجـــديد !


المال ــ خاص
 
يواجه قانون البنوك الجديد الذي تم تعديله حتي الآن أكثر من سبع مرات (ويخضع للمرة الثامنة حالياً لمراجعة مجلس الدولة) عقبات وعراقيل بعضها يتوزع علي جانب الصلاحيات المخولة للبنك «المركزي» ـ صانع السياسات النقدية ـ وبعضها الآخر يصيب جانب إدارة السوق المصرفية.. فيما تعتبر البقية جوانب فنية مكملة لكفاءة النظام المصرفي.. تصنع في مجملها عشر مطبات قد تعرقل سريان القانون الجديد!

 
 
وقد رافقت إعداد الصيغة الاخيرة لقانون البنوك الموحد ضجة سياسية وإعلامية إنصبت علي كون الملمح الرئيسي والأساسي للقانون هو مبدأ الاستقلالية الكاملة للبنك «المركزي» ومحافظة في صنع السياسة النقدية.. بإعتباره الهدف الاول من هذا التشريع.. فهل انجز مشروع القانون بالفعل هذه الإستقلالية؟
 
في هذه الجزئية تحديداً يواجه القانون أربعة مطبات.. هي تقريباً اغلب ما أتي به القانون من تجديد.. فباستثناء نص القانون علي التبعية المباشرة لمحافظ البنك «المركزي» لرئيس الجمهورية فإنه  يكاد يكون قد زاد من دور الحكومة في صنع السياسات النقدية..
 
ويتمثل المطب الأول الذي سيكون علي اللائحة التنفيذية تجاوزه متي ظهرت في المجلس الذي يتولي تنسيق اهداف السياسة النقدية مع البنك «المركزي» خلاف المعترض من اجل تعزيز الاستقلالية.
 
وهذا المجلس سيتولي رسم السياسات في الغالب مما يجعل صلاحيات ««المركزي»» تنحصر في الإدارة الفنية لهذه السياسات فقط.. وهو ما يخفف من مسئولية «المركزي».
 
ولا يقتصر القانون في تقييد صلاحيات ««المركزي»» عند هذا الحد ولكن يتجاوز عندما يضع المطب الثاني في طريقها بفرض وصاية الحكومة علي الحصة الأكبر من مقاعد مجلس إدارة البنك «المركزي» الذي يضم فقط ثلاثة من موظفيه بين جملة الأعضاء البالغ عددهم 11 عضواً.. هم المحافظ ونائباه.. أما بقية المقاعد فتتوزع بواقع 3  مقاعد لممثلي الوزارات المعنية إضافة الي 5 مقاعد لذوي الخبرة الذي يعينهم رئيس الوزراء ليصبح إجمالي المقاعد التي تسيطر عليها الحكومة 8  مقاعد.
 
ومضمون التشكيل السابق هو وضع قيد جديد علي استقلالية البنك المركزي تمتد الي مجال الادارة الفنية بعد رسم أهداف السياسة النقدية.. خاصة وأن قرارات مجلس إدارة البنك «المركزي» تصبح نافذة بالحصول علي الأغلبية المطلقة التي لا تقيم قوة نسبية للتصويت.. حيث لا يستفيد المحافظ من هذا الوضع الا في حالة الترجيح بعد تعادل القوي التصويتية حال انعقاد المجلس بعشرة أعضاء!
 
يثير القانون وضعا يتسم بالجدة والغرابة هو البحث عن تحديد لهوية أموال البنك مثيراً بذلك جدلاً يطرح للمرة الأولي عما اذا كانت اموال ««المركزي»» اموالاً عامة أم هي أموال خاصة.. أم أن بعضها عام والبعض الآخر خاص.. فهو ينص في المادة الرابعة من المشروع علي إعتبار هذه الاموال أموالاً خاصة بينما كان تعريفها في ظل القانون«163» (البنك والائتمان) «اموالاً خاصة بالدولة».. ولا يكتفي مشروع القانون الجديد بإيراد هذا التعديل وإنما يضيف الي ذلك ان رأسمال «المركزي» هو مليار جنيه.. بما لذلك من انعكاسات علي صلاحياته!
 
واذا اخذنا هذا التعديل علي ظاهرة فإن التعديل يكون منسجما في جانبيه.. سواء في توصيف هوية تلك الاموال.. او في تحديد الكمية التي ينطبق عليها هذا التوصيف.. غير ان الجانب غير الظاهر من هذا المطب الثالث  يشير الي ان باقي الاموال التي في حوزة «المركزي » وهي اكثر كثيراً من ذلك الرقم اما انها ستصبح امولاً تخص الدولة وهو ـ «المركزي» ـ يديرها لحساب الحكومة ومن ثم تكون ولاية الحكومة علي تلك الاموال كاملة لا منازع لها فيها.. واما ان وضع تلك الاموال في حال ولاية «المركزي» عليها ـ وهو أمولا غائب عن المشروع ـ سوف يحتاج الي فض اشتباك تحسمه المحكمة الدستورية.. وكما سيظهر ذلك في المطب الرابع الخاص بالمسئولية عن تلك الاموال امام السلة التشريعية والرقابية.
 
وفي كلتا الحالتين فإن استقلالية البــــنك «المركزي» تصـــبح محل منازعة في ادارة تلك الاموال التي تزيد علي المليار جنيه سواء كانت تخص الحكومة.. او لها وضع استثنائي مغاير!
 
المطب الرابع الذي يواجهه البنك «المركزي» مع مشروع قانون البنوك الجديد هو ما يتعلق بطبيعة تمثيل البنك امام مجلس الشعب.. حيث نصت علي ان يكون هناك وزير مسئول عن تمثيل البنك امام المجلس من حيث هو حائز للمال العام مما يعزز من ان توصيف المال الذي يحتفظ به «المركزي» خلاف رأس المال هو مال عام تنبغي المساءلة عنه.. وهذا ما لوحظ علي انه نوع من الوصاية علي دور البنك ومحافظة امام مجلس الشعب مما دعا الرئيس مبارك الي طلب رفع التمثيل الحكومي للبنك امام مجلس الشعب والاكتفاء بولاية الرئاسة عليه.. وهو وضع حد لمشكلة التمثيل امام مجلس الشعب لكنه لم يقدم توصيفاً لوضع الاموال الزائدة علي المليار جنيه مما يعطي للحكومة الفرصة للتدخل لملء هذا الفراغ مالم يتم تداركه لتزيد من إنتقاصها لاستقلالية «المركزي» المزعومة!
 
المطب الخامس الذي يواجهه قانون البنوك يقع في منطقة تماس بين ادارة السوق وما تواجهه من اضطراب ومعركة التنازع علي الصلاحيات.. يظهر ذلك فيما يطلق عليه مشروع القانون «الاحكام الخاصة بتنظيم وادارة سوق النقد الاجنبي» وتقع ضمن الفصل الثاني.. فالمادة (110) من هذا القانون تجعل من رئيس مجلس الوزراء هو «المحدد» للقواعد والاسس المتعلقة بتنظيم سوق الصرف الاجنبي وتكتفي المادة بمنح ««المركزي»» دورا استشاريا حيث يعود اليه رئيس الوزراء لاخذ الرأي في تلك القواعد فقط!
 
وهنا فإن من يضع النظام هو رئيس الحكومة مما يعني ان تصحيح اي خلل في سوق الصرف لن يكون متاحاً امام محافظ البنك «المركزي» مالم يحدده رئيس الحكومة.. مما يؤدي الي ضعف مرونة السياسات وبطء استجابتها لمتغيرات هذا السوق السريعة اضافة الي ما يشكله ذلك من مساس بإستقلالية البنك «المركزي».
 
يتعلق المطب السادس بإدارة سياسات الائتمان فرغم ان القانون الجديد منح ««المركزي»» حق رسم السياسات العامة الا انه عندما اراد ان يحدث تغييراً عما كان سائداً من قبل في ظل القانون (163) اختار ان يصب هذا التغيير علي ما يعرف بـ «الحسابات المرتبطة» التي نجح عن طريقها العديد من رجال الاعمال والمقترضين في التحايل علي شرط عدم تجاوز اي بنك لنسبة الـ 30% من القاعدة الرأسمالية له في منح الائتمان لاي عميل.. حيث حصل العديد من اصحاب تلك الحسابات المرتبطة علي ما يتجاوز في مجمله لها  مجتمعة هذه النسبة.. لهذا اورد القانون قيداً علي تلك الممارسات.
 
لكن مالم يلتفت اليه المشرع انه قد قام في الوقت نفسه برفع الحد الادني لرأسمال البنك الخاص الي 500 مليون جنيه ما يعني ان ما يقيده باليمين يرفع عنه القيد باليسار بينما لا يتحمل الوضع الراهن بالبنوك اي مغامرات.. او مزيداً من حالات التعثر.
 
يتعرض قانون البنوك الجديد للمطب السابع عندما يقرر رفع رؤوس اموال البنوك الي 500 مليون جنيه خلال عام من سريان القانون المرشح للصدور في شهر يونيو القادم.. ليس هذا فحسب بل يقرر رفع رؤوس اموال شركات الصرافة الي 20 مليون جنيه علي الاقل وذلك في غضون نفس المهلة «الامر الذي يمثل تحدياً سافراً لقدرات هذه المؤسسات .
 
ولا يتعلق الامر بظروف السوق المحلي وحده ولكنه يمتد الي وضع المنافسة الضارية من الكيانات المصرفية العملاقة علي الاسواق الناشئة.. ما يعني تهديداً مباشر للمؤسسات الوطنية بالخروج من السوق.. ويكتفي القانون بزيادة تعقيد الوضع القائم.
 
لا يكتفي قانون البنوك الجديد بالمطبات السابقة فيقرر التطرق الي نوع ثالث من المطبات يتعلق بالجانب الفني فيثير قضية بالغة الخطورة عند تعرضه لمبدأ سرية الحسابات.. حيث تقوم بإلغاء ما يعرف بالحسابات الرقمية التي لا يجيز القانون التعرف علي اصحابها حتي لا تكون وسيلة لعمليات غسيل الاموال ويهمل القانون الدواعي التي وقفت وراء صدور قانون سرية الحسابات الذي تضمن تقنيناً لها بالرغم من تاريخه يعود الي بدايات عهد الاصلاح الاقتصادي ورغبة الدولة في جذب المزيد من الاموال والاستثمارات.
 
والمشكلة الاساسية في الغاء الحسابات الرقمية تكمن في ان نسبة غير ضئيلة من الاموال العربية في البنوك الاجنبية يحتفظ بها في حسابات رقمية.. وهي التي كان ينصب الرهان علي جذبها.. وبالرغم من ضآلة الاستجابة العربية الا انه بهذا النص يكون الباب قد أوصد تماماً امام هذه النوعية من الحسابات بالرغم من امكانية التقييد بالطرق القانونية الواردة في قانون سرية الحسابات ليكون ذلك هو المطب الثامن.
 
ويواجه قانون البنوك الجديد المطب التاسع عندما يعيد النص علي تأسيس صندوق للتأمين علي الودائع بالبنوك وهو ما كان قد نص عليه القانون رقم (163) منذ عشر سنوات ولم يتم تنفيذه في اي مرحلة سابقة بسبب نقص المخصصات اللازمة لذلك.. ولا يكشف القانون الجديد عن اية آليات لتنفيذ هذا المقترح في المرحلة الحالية.. وما اذا كانت البنوك سوف تقوم بتجنيب مخصصات لهذا الغرض ام سيتولي ««المركزي»» نيابة عنها ذلك من رصيد الاحتياطيات التي تحتفظ بها لديه.. غير انه في كافة الاحوال سيكون رأسمال الصندوق عقبة في طريق ظهوره لان التأمين علي اجمالي ودائعه زادت علي 350 مليار جنيه لا يكون بحال اقل من نسبة 5%  من اجمالي هذا الرصيد وهذا يعني ان الرقم المقبول لابد وان يزيد علي 17 مليار جنيه.
 
اخر المطبات التي يواجهها قانون البنوك الجديد يتعلق بمبدأ الشفافية في القانون التي لا تنطوي نصوصه علي اية عقوبات اضافية تضمنه القانون  (163)   برغم تزايد  الحاجة الي هذه الشفافية سواء فيما يتعلق بسياسات منح الائتمان بالبنوك او توزيع الاستثمارات أو المساهمات.. وكذلك فيما يتعلق بتكوين المخصصات والاحتياطيات والتي بات اي تغيير جذري في مكوناتها موجباً لمواجهة مخاطر عديدة.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة