اقتصاد وأسواق

شــــبح «گيـــنز» يخــــيم عـــلي العـــــالم


رمضــان متــولي
 
يتجه العالم حاليا إلي تبني سياسات تحفيز الطلب الكلي من أجل مواجهة الركود الذي أصاب معظم الاقتصاديات الكبري وتفاقمت حدته خلال العامين الآخرين. فها هو جورج دبليو بوش يتقدم بموازنة تتضمن تخفيضا للضرائب بقيمة 670 مليار دولار بالإضافة إلي إصلاح نظام الرعاية الصحية،وهو ما سيؤدي إلي زيادة عجز الموازنة زيادة كبيرة حيث سيبلغ العجز المتوقع خلال العام القادم 2004 نحو 300 مليار دولار بنسبة تصل إلي حوالي 3% من إجمالي الناتج المحلي حسب تقديرات البيت الأبيض، وهو ما يزيد عن أرقام عام 1992 التي بلغت 290 مليار دولار وكانت تمثل الذروة آنذاك مما دفع الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات عكسية والتعهد بتحقيق فائض في الموازنة كما يبلغ هذا الرقم ضعف أرقام العام الماضي تقريبا والذي وصل العجز فيه إلي 159 مليار دولار.


تتضمن الموازنة زيادة هائلة في الإنفاق العسكري بلغت 8% من إجمالي الزيادة في الموازنة لوزارة الأمن القومي الجديدة، كما تتلقي وزارة الدفاع حوالي 15 مليار دولار من الزيادة في الموازنة بنسبة تصل إلي 5% تقريبا، وفي المقابل سوف تزيد الإدارة الأمريكية من أجور الموظفين بنسبة 2% بالإضافة إلي زيادة أخري في أوجه الإنفاق المحلي تبلغ 4% تقريبا.
 
وبهذه الزيادة سيبلغ إجمالي الإنفاق العسكري الأمريكي 500 مليار دولار سنويا خلال السنوات العشر القادمة، وتصل نسبة الإنفاق العسكري في الموازنة الأمريكية الجديدة حوالي 13.5%، وهو ما يعادل حجم الإنفاق العسكري لأعلي 20 دولة في الإنفاق العسكري مجتمعة.
 
الأمور أكثر تعقيدا في منطقة اليورو، فمستقبل الاتحاد الاوروبي يرتبط إلي حد كبير باتفاق الاستقرار الذي حدد أقصي نسبة عجز للموازنة مسموح بها عند 3% من إجمالي الناتج المحلي لكل دولة عضو، ولكن أكبر ثلاث اقتصاديات في الاتحاد الاوروبي، وهي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تجاوزت بالفعل هذه النسبة بما يهدد استقرار ومصداقية هذا الاتفاق والمفارقة في الأمر أن ألمانيا نفسها هي التي أصرت علي وضع هذه النسبة عندما تم إطلاق اليورو كعملة موحدة لأوروبا في عام 1999 وذلك بهدف وضع حدود صارمة علي محاولة أي دولة الدوران علي ضوابط التضخم التي يضعها البنك المركزي الأوروبي من خلال تحديده لأسعار الفائدة في منطقة اليورو.
 
كما أن معاهدة ماسترخت 1991 قررت بأن تعمل كل دولة علي خفض الديون إلي مستوي لا يزيد عن 60% من إجمالي الناتج المحلي وفي اليونان وبلجيكا تزيد هذه النسبة عن 100% ومع تراجع التوقعات حول معدلات النمو في الناتج المحلي من 2.9% خلال عام 2005 إلي 1.8% فقط في منطقة اليورو وتزايد معدلات البطالة في معظم دول الاتحاد، اقترحت المفوضية الأوروبية تخفيف الاتحاد لتلك القيود بما يسمح للدول الأقل مديونية بتحقيق مستويات مرتفعة نسبيا من العجز في الموازنة علي المدي القصير، كما قام البنك المركزي الأوروبي بتخفيض سعر الفائدة علي اليورو بنسبة 0.5% مع زيادة المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأوروبي، وخاصة الاقتصاد الألماني في بداية العام.
 
وصل الأمر ذروته في اليابان حيث ستصل نسبة الدين العام إلي إجمالي الناتج المحلي إلي 141% في نهاية العام الحالي، تسعي الحكومة إلي تخفيضها إلي 137% في نهاية مارس 2004، وعلي الرغم من وعود الحكومة اليابانية بتخفيض الدين العام والانفاق العام التي تقف عند مستويات عالية جدا في اليابان، إلا أنها تقدمت بموازنة العام المالي الجديد الذي يبدأ في إبريل 2003 متضمنة زيادة تصل إلي 0.7% عن موازنة العام الماضي المتضخمة أصلا، كما وصلت أسعار الفائدة علي الين الياباني إلي الصفر في بعض الأحيان. وتسعي الحكومة اليابانية إلي تمويل الزيادة في الإنفاق العام عن طريق سندات تطرحها في أسواق المال العالمية خلال عام 2004/2003 تصل قيمتها إلي 36.45 تريليون ين ياباني، وهو ما يمثل زيادة في حجم الاستدانة بنسبة 21% عن موازنة العام الماضي 2003/2002. الآن ظهر
 
المدافعون عن زيادة التضخم عند حدود معينة بما يسمح للاقتصاد بخصم سعر الفائدة الحقيقي إلي معدلات سلبية من أجل تشجيع الاستثمار في زمن الركود وتجنب الفخ الذي وقـــع فـــيه الاقتــــصاد الياباني حيث وصل الانكماش إلي مستويات لا يجدي معها انخفاض سعر الفائدة إلي الصفر، خاصة وأن الخطر الفعلي الذي يتهدد الاقتصاد من وجهة النظر هذه ليس خطر التضخم وإنما خطر الانكماش.
 
وقد انتقد أحد الاقتصاديين الأمريكيين مطالب النواب الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي بتطبيق سياسات تقشفية، مؤكدا أن العكس هو المطلوب  كما انتقدوا تحذير بعض النواب من أن زيادة عجز الموازنة الفيدرالية من شأنها أن تعوق أي احتمالات لانعاش الاقتصاد الأمريكي، لأن هذا العجز قد يؤدي إلي ارتفاع أسعار الفائدة علي المدي الطويل بالإضافة إلي مقاومة بعض نواب الكونجرس لضغوط الإدارة من أجل زيادة الدين العام.
 
ويري المدافعون عن عجز الموازنة أن هناك زيادة كبـــيرة في الطـــاقة الانتاجية مقارنة بالطلب الكلي، وفـــي ظل ظـــروف كهذه يعتبر عجز الموازنة أمرا ضروريا لتجنب استمرار التباطؤ وتجنب مخاطر الانكماش. وأن الجدال لابد أن يكون حول نوع الحافز الذي يمكن أن يدفع الطلب بطريقة أسرع وأكثر كفاءة، مؤكدين أن تكلفة الحرب علي العراق التي تتراوح بين 50 و 60 مليار دولار أمريكي لن تنعش الاقتصاد الأمريكي إلا قليلا حيث يبلغ حجم هذا الاقتصاد 10 تريليون دولار أمريكي، وحتي إذا بلغت تكلفة الحرب 100 أو 200 مليار دولار حسب بعض التقديرات الأخري.، فإن هذه القيمة لن يتأثر بها الاقتصاد بالسرعة المطلوبة.
 
علي الجانب الآخر ظهرت أصوات أخري من الاقتصاديين الأمريكيين تحذر من تكرار ما حدث خلال الثمانينيات وتذكر المدافعين عن التمويل بالعجز أن إتباع هذه السياسات يؤدي إلي ارتفاع معدلات النمو والتوظف علي المدي القصير ثم يرتفع مستوي التضخم، وتؤكد أن هذا التصور يعكس قصر النظر الذي جعل الولايات المتحدة تعاني سنوات من ارتفاع التضخم، ويهدد بالعودة إلي زمن العجز المستمر في الموازنة العامة وارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض معدلات الاستثمار وتباطؤ النمو الاقتصادي.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة