أسعار العملات
أسعار الدولار بالبنوك
سعر الشراء سعر البيع البنك
17.87 17.97 البنك المركزى المصرى
17.86 17.96 بنك الإسكندرية
17.89 17.79 بنك مصر
17.88 17.78 البنك الأهلي المصري
17.96 17.86 بنك القاهرة
17.96 17.86 البنك التجاري الدولي CIB
17.95 17.85 البنك العربي الأفريقي
أسعار الذهب
متوسط أسعار الذهب بالعملة المصرية
السعر بالجنيه المصري الوحدة
600.00 عيار 21
514.00 عيار 18
686.00 عيار 24
4800.00 الجنيه الذهب
اسعار السلع
اسعار السلع الاساسية بالجنيه المصرى
السعر بالجنيه المصري السلعة
9.00 الارز
16.00 الزيت
10.00 السكر
8.00 المكرونة
7.00 الدقيق
3.50 الشاي 40 جم
80.00 المسلى الطبيعي
40.00 المسلى الصناعي
35.00 الفراخ البلدي
28.00 الفراخ البيضاء
45.00 ديك رومي
45.00 بط
30.00 سمك بلطي
50.00 سمك بوري
60.00 سمك مكرونة
150.00 جمبري
80.00 كابوريا
140.00 لحم بتلو
120.00 لحم كندوز
130.00 لحم ضاني

سيـــاســة

حرية التعبير تقاوم الحصار بعنفوان الثورة


رمضان متولى:

البابا: أفضل شىء تصنعونه هو أن تجعلوه يشاهد أدوات التعذيب.

كاردينال محكمة التفتيش: سيكون هذا كافيا يا صاحب القداسة، سنيور جاليليو خبير فى الأجهزة.

«لكن كل شىء قد تغير اليوم، فالإنسان… الإنسان المعذب يرفع رأسه ويقول: إننى أستطيع أن أحيا. كم تكسب الإنسانية من رجل يرفع رأسه عالياً ويقول … لا»- أندريا، أحد تلاميذ جاليليو.

(من رائعة برتولد بريخت - حياة جاليليو).

 

يتحسس الطغاة والمستبدون خناجرهم عند أى حديث عن حرية التعبير، ففى هذه الحرية التى اصطلح على وصفها بأم الحريات بادرة الأخطار على الفاسدين ومصرع المتجبرين، وما كانت مأساة جيوردانو برونو وجاليليو فى خاتمة عصور الظلام إلا محاولة يائسة من طغاة ذلك الزمان لاجتناب مصيرهم المحتوم- مزبلة التاريخ.

 
وفى عدد خاص يصدر احتفالا بمرور عشرة أعوام على ميلادها، تحاول جريدة المال أن ترصد ما آلت إليه حرية التعبير فى بلد شهد ثورة عظيمة كانت «الحرية» ركنا أصيلا فى شعارها الجامع «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية»، ثورة بذل فيها شباب هذا البلد، الذى خبر كل ألوان الاستبداد والقهر، أرواحا طاهرة ودماء زكية لإقامة الفكرة وتحقيق الحلم فى عالم حر وعادل، حدوده خيال هذا الجيل وعنفوان إرادته.

وقد علم التاريخ أن الثورة عيد ينزع فيه المقهورون أسمال عقود من الذل والاستكانة وشعوراً مقيتا بالعجز والرهبة أمام الطغيان، وتلمع فى عيونهم دماء الشهداء ودموع الثكالى وكأنها بشائر فجر جديد وشمس باهرة فى نهاية السرداب، فيبدأون فى تحطيم القيود، وتقويض أبنية القهر ونزع هالات القداسة التى تخفى عورة الطغاة وأساطير العنجهية الزائفة.

وإذا كانت مأساة جاليليو تكمن فى إنكاره ما اكتشف وما أبدع أمام محكمة التفتيش الكنسية ومظاهر التعذيب الهمجية التى يمارسها الجلادون، فإن مأساة الثورة المصرية أنها سقطت وهى لم تزل برعما صغيرا لم يكتمل نضجا فى أيدى أعدائها الذين تنكروا فى زى ثوار وهم يسعون إلى وأدها فى المهد. وكان للمشهد الهجين الذى نشأ عن استمرار الصراع بين ثورة تسعى للانتصار وثورة مضادة ما زالت قوية وقابضة، انعكاسه على ركن عضوى من شعارات الثورة: الحرية، التى تضرجت سواعد أبنائها بالدم حفاظاً عليها وسعيا للمزيد أمام سلطة تتربص بها وتراها تهديدا وعائقا لمساعيها فى وأد الثورة التى فتحت لها الآفاق.

وهكذا أصبحت حرية التعبير بكل مظاهرها ووسائلها هدفا للإدانة والتشويه من قبل سلطة تستخدم وسائل القمع الدموى فى ضرب المظاهرات وفض الإضرابات، وتسعى لمحاصرة حرية الصحافة ووسائل الإعلام، وتدين حرية الرأى وتحاكم البحث العلمى وتحظر الفن والإبداع، بل وتسعى لحصار الفضاء الإلكترونى الذى استخدمه الشباب قناة للاتصال والتواصل ونافذة للتعبئة فى ثورة الخامس والعشرين من يناير.

أول سؤال يقفز إلى ذهنك وأنت تتابع ما تقوم به السلطة حاليا من إجراءات وحملات ضد كل مظاهر حرية التعبير، وخاصة حرية الصحافة والإعلام والإبداع، هو: لماذا كانت الثورة وحرية التعبير ما زالت هدفا للحصار، ومازال كتاب وصحفيون يعاقبون على آرائهم، بل ويستهدفون بالضرب وأحيانا القتل أثناء تغطية المظاهرات والأحداث، كما تنسب للإعلام المسئولية عن كل مظاهر الفوضى الناجمة عن عجز الثورة عن الانتصار وفشل السلطة، حتى الآن، فى وأدها؟ ويبدأ عقلك، رغما عنك، فى المقارنة بين أوضاع حرية التعبير قبل الثورة وبعدها.
حرية الهوامش العرفية:

في الأعوام الأخيرة من حكم مبارك، استطاع الإعلام أن يقتنص مساحة من الحرية واسعة مقارنة بعقود سابقة من حكم الرئيس المخلوع، وهي المساحة التي يصفها يحيى قلاش، الذي كان عضوا في مجلس نقابة الصحفيين لعدة دورات، حرية الهوامش العرفية. وكان اقتناص هذا الهامش جزءا من المخاض العسير الذي مهد لميلاد الثورة في الأعوام الأخيرة.

ويرجع الفضل في اقتناص هذه المساحة الواسعة لحرية التعبير قبيل الثورة كما يرى قلاش إلى العديد من الحركات الاجتماعية والقوى السياسية التي كان الصحفيون والإعلام الفضائي والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي جزءا أصيلا فيها، بالإضافة إلى حزمة من الضغوط الخارجية والداخلية جعلت النظام يتسامح عرفيا معها.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر من عام 2000، استطاع المجتمع المصري عمليا انتزاع حق التظاهر، رغم استمرار القوانين القمعية التي تحاصر هذا الحق، وقدمت قناة الجزيرة الفضائية نافذة إعلامية واسعة لتغطية هذه المظاهرات، ومساحة واسعة لآراء القوى والشخصيات السياسية المعارضة للنظام.

ومع تحول النظام إلى قمع المظاهرات قمعا شديدا في عام 2002 ثم بعد غزو العراق في عام 2003، ولدت الكثير من الحركات السياسية التي وجهت غضبها ونقدها مباشرة للرئيس السابق والطبقة السياسية الحاكمة، مثل "الحركة المصرية من أجل التغيير – كفاية"، التي نظمت عددا من المظاهرات في بعض المدن تحت شعار "لا للتمديد ولا للتوريث" لتقتحم بذلك أحد أهم تابوهات السياسة المصرية بتوجيه النقد مباشرة للرئيس ورفض التمديد له أو التوريث لنجله الأكبر جمال مبارك. وبعد إضراب عمال غزل المحلة الشهير في عام 2006، ظهرت حركات شبابية أخرى مثل "حركة شباب 6أبريل" (يوم الإضراب الشهير) التي دعت للعديد من المظاهرات وحظيت بتغطية إعلامية واسعة من الفضائيات والصحف الخاصة والمواقع الإلكترونية.

وساهم ذلك في ظهور العديد من القنوات الفضائية الخاصة وسعيها لمنافسة قناة الجزيرة، التي تعرضت لانتقادات حادة من النظام بسبب تغطية المظاهرات وإذاعة الآراء المعارضة، على جذب المشاهدين الذين يرغبون في مساحة أوسع لنقد النظام ومعرفة ما يدور على الساحة السياسية. وتنافست البرامج الحوارية "التوك شو" في فتح منافذ جديدة للتعبير عن الرأي وكسر تابوهات أخرى مثل الحديث عن العنف والتمييز الطائفي، وانتشار التعذيب في أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، والفساد والإهمال المستشري في مرافق الدولة، حتى وإن كانت تتعرض لضغوط بين حين وآخر.

تواكب مع ذلك ظهور عدد من الصحف الخاصة التي أتاحت نشر الآراء الجريئة لكتاب رأي معارضين للنظام مثل المستشار طارق البشري، والدكتور حسن نافعة، والدكتور عبد الحليم قنديل – رئيس تحرير صوت الأمة، وغيرهم كثيرون.

ومع ذلك، كان الإعلام الإلكتروني بوسائله المختلفة من مدونات ومواقع وشبكات للتواصل الاجتماعي، هو الأسبق والأعنف في تحطيم ما تبقى من تابوهات وقيود أمام حرية التعبير، وركزت مدونة "الوعي المصري" للصحفي والمدون وائل عباس على فضح ممارسات التعذيب على أيدي الشرطة، ومدونات أخرى وجد فيها أصحابها مساحة أرحب لمخاطبة الشباب بلغة مختلفة وبلا تحفظات أو قيود على حرية النشر أو حرية الرأي.   

يقول قلاش إن جميع هذه المظاهر والمساحات التي انتزعها الشعب المصري للتعبير بحرية عن تنوع الآراء فيه، كانت رغم ذلك عرفية خارج إطار الحماية القانونية، ولم تجد تعبيرا عنها في تغيير القوانين المعادية لحرية الرأي والتعبير والترسانة القمعية التي كان يستخدمها النظام بين الحين والآخر وبصورة انتقائية كلما أراد.

تحدث قلاش عن المعركة التي خاضتها نقابة الصحفيين لمنع الحبس في قضايا النشر في عهد النقيب جلال عارف، الذي استطاع الحصول على وعد بذلك من الرئيس المخلوع. ولكن هذا الوعد لم يتحقق بسبب إصرار النظام على الاحتفاظ بأدوات القمع. غير أن النقابة انتزعت مكسبا يتعلق بمنع حبس الصحفيين تحفظيا على ذمة قضايا النشر، ويعرب قلاش عن أسفه أن هذا الانتصار لم يكن كاملا، لأن الحبس التحفظي للصحفيين ظل قائما في تهمة واحدة سيئة السمعة هي تهمة إهانة الرئيس وفق المادة "179" من قانون العقوبات.

لم يتنازل النظام أبدا، كما يرى قلاش، عن الحفاظ على ترسانة القوانين القمعية حتى وإن تم تجاوزها واقعيا. بل كان يصر على أن يدفع إعلاميون وصحفيون وسياسيون ثمنا لهذا الهامش العرفي من حرية التعبير الذي انتزعوه.

ومنذ إغلاق جريدة الشعب التي كانت تصدر عن حزب العمل وتجميد الحزب ذاته في عام 2000، أغلق النظام العديد من الجرائد الأخرى وسجن عددا من الصحفيين مثل مجدي أحمد حسين، رئيس تحرير الجريدة، كما تعرض آخرون للتهديد والاختطاف والتنكيل مثل عبد الحليم قنديل، وصدرت أحكام قضائية بسجن آخرين مثل ابراهيم عيسى في القضية المعروفة إعلاميا بقضية صحة الرئيس. وكان ذلك ثمنا للإصرار على توسيع الهامش الديمقراطي كما يقول قلاش، والهامش العرفي لحرية التعبير.

 

الثورة – لاحدود لحرية التعبير … ولا هجوم أعدائها أيضا:

في يوم 28 يناير من عام 2011 قام قناص تابع لوزارة الداخلية بإطلاق الرصاص على صحفي شاب يعمل بمؤسسة الأهرام هو أحمد محمد محمود أثناء قيامه بتصوير مظاهرات واشتباكات مع الشرطة أمام مجلس الشعب من شرفة منزل بشارع القصر العيني، نقل بعدها إلى المستشفى حيث فاضت روحه إلى بارئها بعد أسبوع من محاولات إنقاذه.

وقعت هذه الجريمة المنكرة في سياق سلسلة من الإجراءات القمعية التي كانت تحاول عبثا وأد الثورة وخنقها لم تقتصر على القمع المباشر للمظاهرات السلمية بل امتدت إلى حصار جميع وسائط الإعلام والتواصل على اختلافها من محطات فضائية وصحافة مطبوعة وإنترنت سواء مدونات وشبكات تواصل اجتماعي أو مواقع إخبارية وبث مرئي عبر الانترنت.

ويرصد تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان حول حرية التعبير في مصر والعالم العربي عام 2011 العديد من الانتهاكات التي وقعت في إطار ذلك البطش العشوائي منذ بداية الثورة وحتى تنحي الديكتاتور عن السلطة في 11 فبراير من عام 2011. بدأت هذه الانتهاكات يوم 25 يناير بحجب مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية المستقلة لمنعها من تغطية أخبار المظاهرات مثل موقع "تويتر" للرسائل القصيرة وموقع "بامبوزر" للبث المباشر، وموقع جريدة الدستور الأصلي وجريدة البديل بسبب متابعتهما الحية للمظاهرات. ورصد التقرير كذلك قطع الاتصالات بالاتفاق مع شركات تقديم الخدمة الثلاث "فودافون وموبينيل واتصالات" لمنع الصحفيين والمتظاهرين من الاتصال بذويهم أو نقل ما يدور من أحداث بهدف التعتيم على اعتداء أجهزة الأمن على المتظاهرين السلميين.

بعد ذلك، وفقا للتقرير، أصبحت الانتهاكات أكثر شمولا وعنفا، حيث تم قطع الانترنت تماما بالاتفاق مع شركتي "لينك دوت نت"، و "تي إي داتا" في جميع أنحاء الجمهورية ولمدة 5 أيام، واختراق موقع الجزيرة نت، وبدء حملة كراهية ضد الصحفيين الأجانب بثتها وسائل الإعلام الحكومية، واستهداف الصحفيين ومراسلي القنوات مصريين وأجانب من قبل أجهزة الأمن والشرطة العسكرية بالاحتجاز والاعتداء عليهم بالضرب وتحطيم الكاميرات، ولم يسلم صحفيو ومصورو الجرائد الخاصة المصرية من الضرب والسحل والإصابة بالرصاص المطاطي والاعتقال لفترات مختلفة، بل واعتقال مدونين ومصورين لعدة أيام في السجن الحربي والتحقيق معهم أمام النيابة العسكرية.

ورصد تقرير الشبكة العربية كذلك الاعتداء على نقابة الصحفيين وحصارها واعتقال عدد كبير من الصحفيين والمحامين الذين كانوا يعتزمون تنظيم مظاهرة سلمية على سلم النقابة بعد ضربهم بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وكان بين من اعتقلوا آنذاك، محمد عبد القدوس، مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، والكاتبين الصحفيين يحيى قلاش وكارم محمود، ونائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون سامي البلشي، ومراسل لوكالة رويترز صموئيل العاشي. وفي 30 يناير، أصدر وزير الإعلام آنذاك أنس الفقي قرارا بإغلاق قناة الجزيرة ووقف نشاطها في مصر.

بعد ذلك هوجمت مقرات العديد من الصحف الخاصة، كما تم اقتحام مكاتب القنوات الفضائية التي تغطي الأحداث. فقد هوجم مقر جريدة الشروق على أيدي بلطجية يحملون أسلحة بيضاء، ومقر جريدة البديل الإلكترونية وموقع أخوان أونلاين واعتقال صحفيين من داخله.

كانت هذه الإجراءات المتشنجة، على عنفها وقسوتها، إيذانا بانهيار سلطة قمعية تآكلت شرعيتها ومبررات وجودها ولم يعد أمامها إلا الضرب العشوائي أمام المارد الذي انطلق من عقاله للتعبير عن غضبه وعن رغبته الجامحة في مجتمع أكثر عدلا وحرية.

ورغم هذه الانتهاكات العنيفة، فقد فتحت الثورة آفاقا واسعة أمام حرية التعبير والرأي والإعلام والصحافة، ولأول مرة منذ عقود  طويلة استطاع الصحفيون والمدونون والإعلاميون أن يحطموا جميع القيود على النشر والتعبير عن الرأي، حتى بعدما تولى المجلس العسكري السلطة، لم يتردد الإعلاميون والصحفيون والمدونون ونشطاء الانترنت في توجيه النقد الشديد والتعرض للممارسات الوحشية التي ارتكبتها الشرطة العسكرية ضد المتظاهرين، بل ولمساءلة الإمبراطورية الاقتصادية التي يسيطر عليها قادة الجيش، الذي كان الحديث عنه واحدا من التابوهات التي استمرت حتى بعد سقوط مبارك.

 

ويقول جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قد لا يعلم الكثير أن وضع حرية التعبير بكافة روافدها باتت أفضل عقب الثورة سواء فترة حكم المجلس العسكري أو بعد انتخاب الرئيس الاخواني ،رغم الانتهاكات والهجوم الحاد الذي مارسته سلطة المجلس العسكري أو مؤسسة الرئاسة وأتباعهما.

 

غير أنه يؤكد أن ذلك لا يرجع إلى احترام أي من السلطتين لحرية التعبير وحرية الصحافة ، بل لتنامي الشعور باهمية الاعلام وحرية التعبير لدي الصحفيين والكتاب ونشطاء الانترنت، ولأن حرية التعبير ليست منحه بل حق تم استعادته وانتزاعه بالنضال الجماهيري وبالدم وتحدي القمع.

 

ويقول يحيى قلاش: "إن المجلس العسكري لم يمتلك الجرأة للانحياز إلى حرية التعبير ولا حرية الصحافة، بل تعامل مع هذه الحرية بتوجس وأحيانا بخشونة، أما تيار الإسلام السياسي فلا يعترف أصلا بهذه الحرية ويراها كفرا، بل إن قيادات الإخوان المسلمين سعوا في جميع تصريحاتهم إلى تشويه الإعلام وتحميله المسئولية عن كل الكوارث التي تشهدها البلاد." ويؤكد قلاش إن الإخوان يهدفون من وراء ذلك إلى إحداث وقيعة وشرخ عميق بين المواطن ومؤسسات الإعلام مستخدمين في ذلك شعار تطهير الإعلام، بينما هم يقومون بالاستحواذ على وسائل الإعلام المملوكة للدولة من إعلام مرئي ومسموع وصحافة قومية.

 

ويلاحظ قلاش أنه عقب تولي صلاح عبد المقصود، الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، حقيبة الإعلام، مورست الضغوط على العديد من مقدمي البرامج في التليفزيون الرسمي، كما تم منع عدد من الصحفيين وكتاب الرأي من الكتابة في صحف قومية، من بينهم جلال عارف، نقيب الصحفيين الأسبق، والروائي ابراهيم عبد المجيد ويوسف القعيد، وكذلك الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، والكاتب الصحفي أحمد طه النقر، وأسامة الغزالي حرب، والكاتبة الصحفية عبلة الرويني وغيرهم.

 

ومع ذلك، يؤكد جمال عيد أن أوضاع حرية التعبير حاليا أصبحت أفضل مقارنة بأعوام ما قبل الثورة نتيجة لإصرار الصحفيين والكتاب والمبدعين على ممارسة حقهم في إبداء الرأي والنقد وفي ظل قيادة نشطاء الانترنت لرفع السقف، وذلك رغم الملاحقة والمحاكمات أو الهجوم المنظم الذي شنه المجلس العسكري وتشنه جماعة الاخوان المسلمين بهدف النزول بسقف حرية التعبير والابداع ، ورغم ان مصر شهدت كافة انواع الانتهاكات ضد حرية التعبير بدءا من التحقيقات والبلاغات، وصولا الى شبهة القتل والحصار والاعتداءات بكل انواعها. "ان القمع في جانب مهم منه دليل على تصاعد المقاومة، حيث القمع لا يتم على خانع أو مستسلم أو خائف !!"

 

بين الحصار والمقاومة – حرية التعبير مهددة إذا استسلم داعموها:

 

في خاتمة مقال له في مجلة فورين بوليسي، كتب هاني شكرالله، رئيس تحرير موقع أهرام أونلاين السابق، الذي تمت إزاحته من منصبه ومن المؤسسة قبل بلوغه السن القانونية للتقاعد، "مؤخرا، دأب أحد صحفيي الأهرام ممن يتمتعون بقدر من الشهرة، وكان عضوا سابقا في لجنة سياسات جمال مبارك وعلى علاقة وثيقة بجهاز أمن الدولة، على الانتقال من موقع إلى آخر شارحا كيف اكتشف أنه كان دائما ينتمي في أعماقه للأخوان المسلمين، وفي ضوء تبني الأخوان المسلمين أساليب النظام السابق، لا يعد ذلك تحولا كبيرا في الولاء كما يبدو للوهلة الأولى."

 

ورغم أنه لا يعتمد أسلوب الصدام مع الإدارة، تعرض شكرالله لضربة النظام مرتين، كما يشرح في مقاله المنشور أول مارس الجاري، الأولى في يوليو 2005 عندما أزيح من منصبه كرئيس لتحرير مطبوعة الأهرام ويكلي في عهد مبارك، والثانية بعد الثورة في عهد الإدارة الجديدة التي عينتها جماعة الأخوان المسلمين على رأس المؤسسة بعد انتخاب محمد مرسي رئيسا للبلاد، والتي قررت إحالته للتقاعد في يناير 2013.

 

لم يقتصر الأخوان المسلمون في السلطة على انتهاج نفس أساليب نظام مبارك في محاصرة حرية الإعلام، بل إنهم حافظوا كذلك عن نفس المؤسسات والقوانين وآليات السيطرة. وربما كان مشهد وقوف ممدوح الولي، نقيب الصحفيين المحسوب على الأخوان المسلمين، في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور أمام الدكتور الغرياني، رئيس الجمعية، مطالبا بإضافة مادة دستورية تمنع عقوبة الحبس في قضايا النشر، وتوبيخ الأخير له وتجاهله طلبه، كاشفا عن اتجاه الجماعة نحو التسلط وحرصها على الاحتفاظ بآليات القمع.

يؤكد يحيى قلاش إن الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور البلاد الجديد تجاهلت كل ما اقترحته نقابة الصحفيين من مواد جوهرية لضمان حرية الإعلام، وخاصة ما يتعلق بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر وضمان استقلال وسائل الإعلام القومية، بل إنه يرى نص الدستور على إمكانية إغلاق الصحف عودة إلى ما قبل دستور 1923.

وبدلا من إلغاء المجلس الأعلى للصحافة كما طالب بذلك الصحفيون، يقول قلاش إن الدستور الجديد نص على تشكيل مجلس وطني للإعلام وهيئة وطنية للصحافة والإعلام وضع تحت سلطتهما اختصاصات المجلس الأعلى للصحافة بما يعد إعادة إنتاج للآليات القديمة. وأشار إلى أن أحداث العامين الماضيين تشهد أن نظام ما بعد 25 يناير 2011 يعمل على تكريس القوانين المقيدة للحريات ويحافظ عليها ويتمسك بها. "لكن زخم الثورة والثمن الذي يدفعه شبابها كل يوم هو ما يحافظ حتى الآن على حرية التعبير ويحطم القيود التي مازالت مفروضة عليها قانونا، وهي حرية مستهدفة بفعل الممارسات الفاشية للنظام."

يقول قلاش إن أخطر ما في النظام الحالي أنه إقصائي وأحادي النظرة ولا يعترف بالآخر المختلف ومستعد للقمع إلى آخر مدى، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على حرية التعبير والإعلام.

ويلاحظ جمال عيد، بدوره، أن حرية التعبير وقعت عقب الثورة فريسة لألد اعدائها – حكم عسكري وحكم ديني- حيث لا يؤمن كلاهما بحق النقد أو الابداع. ودائما ما كان الحكم العسكري أو الديني في اي بقعة من العالم يشعر بالتوجس من حرية الصحافة ويعمل جاهدا لتكبيلها وكبح جماحها.

يتوجس عيد من المطالبة الدائمة من قبل النظام بأن يكون الإعلام موضوعيا. ورغم أن هذا المطلب مبدئي، تبدو دعوة الحكم الديني إلى إصلاح وتطهير الإعلام شكلية هدفها كبح جماح وسائل الإعلام تنتقد النظام وتكشف عن انتهاكاته، ويسري ذلك على فترة الحكم العسكري.  

وهو يدلل على رأيه بالإشارة إلى سن وتشريع قوانين لمنع التظاهر أو الاضراب ، ثم تجاهل النص على حرية الصحافة في الدستور ، فضلا عن قانون تداول المعلومات الذي يتيح حق الحصول على المعلومة شكلا، وفي الجوهر يقيد ذلك ويحد منها باجراءات تصل لحد المنع، على حد قوله.

وأشار عيد إلى أن محاولة المجلس العسكري عبر التحقيقات ومحاولات احالة بعض القضايا للمحاكم العسكرية ، ثم توسع النظام الحالي في اتهام بعض الصحفيين والاعلامين باهانة رئيس الجمهورية أو ازدراء الاديان ، لم تفلح في تخويف الصحفيين والاعلاميين أو حصارهم.

ويظل استشهاد أحمد محمود في يناير 2011 ولحاق الحسيني أبو ضيف به في أحداث قصر الاتحادية في يونيو 2012 شاهدا على أن النظام مازال يسعى للحصار وأن حرية التعبير مازالت تقاوم بعنفوان الثورة.  

إعلاميون ضد حرية التعبير:

ليس غريبا في مصر أن تجد عديدا من الإعلاميين والصحفيين يتخذون مواقف معادية من حرية التعبير، وكلما اقترب هؤلاء من السلطة كان عداؤهم أشد وأعنف، وإذا كان إعلاميو التيار الديني يتخذون بحكم موقفهم الأيديولوجي والسياسي موقفا عدائيا من كلمة حرية ومن حق التعبير، فقد كان إعلاميو السلطة في زمن الديكتاتور المخلوع يدعون مباشرة إلى محاصرة وقمع المخالفين ويعملون على تشويههم. وطالما زادت حدة الاستقطاب بين الأطراف المتصارعة، كلما كانت حرية التعبير هدفا استراتيجيا في معاركهم.

هذا العداء المكشوف لحرية التعبير أقل خطرا مع ذلك من أشكال أخرى للممارسة الإعلامية التي لا تراعي الدقة ولا تحترم القارئ في نقل المعلومات والأخبار، بل تسعى إلى توجيه الرأي العام هذه الوجهة أو تلك عن طريق بث الإشاعات والأخبار الملفقة بكثافة مستخدمة مختلف الوسائل والأكاذيب سلاحا في المعركة. وهو نوع من الممارسة الأعلامية أخطر على حرية التعبير والرأي لأنه يتجه مباشرة إلى تقويض مصدر القوة الرئيسي للإعلام الحر – المصداقية لدى الرأي العام.

ويقول جمال عيد إن حرية التعبير ومستقبلها في الظروف الحالية يتوقف على مدى مقاومة الصحفيين والمدونين والكتاب والمبدعين لمحاولة الحصار والتخويف من جانب، وعلى التزامهم معايير المهنية والموضوعية من جانب آخر. "إن ما يثير القلق على حرية التعبير هو كم التجاوز والحدة التي تبديها بعض وسائل الإعلام، رغم أن ذلك أمر طبيعي في المراحل الانتقالية وفي ظل استقطاب سياسي حاد."

وباعتباره مديرا للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كمنظمة معنية بحرية التعبير، يوضح جمال عيد أن جزء من دعم الشبكة لحرية التعبير وحرية الصحافة هو انتقاد الصحفيين أنفسهم بهدف إصلاح الخلل والحد من التجاوز، وهو ما يلقى ترحيبا من الصحفيين وعديد من وسائل الإعلام لثقتهم في دوافع هذا الانتقاد.

لكنه يرى أن السلطة لا يحق لها التذرع بهذه الممارسات لتضييق الخناق لانها مشاركة به بشكل واسع ، عبر رفضها لاصلاح وسائل الاعلام المملوكة للدولة، ومحاولة تحويلة مرة أخرى لبوق معبر عنها، والحل الحقيقي أن تقدم السلطة عبر اعلامها نموذجا للمهنية والموضوعية يمكن به ان تحرج المتجاوز من الاعلام الخاص، وتجبر غيرها على تحري الموضوعية فيما ينشره.

واستنكر عيد قيام السلطة بتجميد مبادرات اصلاح الاعلام الرسمي بل وعقاب الاعلاميين في ماسبيرو والصحف القومية ممن يبذلون الجهد لاصلاح منظومة الاعلام، ثم تتحدث هذه السلطة عن الموضوعية. "كيف تطالب السلطة بالموضوعية، واعلامها الخاص وكذلك الاعلام الرسمي الذي تسيطر عليه يمارس نفس التجاوزات؟!"

وذلك لا يعفي الاعلاميين في وسائل الاعلام الخاصة المملوكة لرجال الاعمال من المسئولية، فكثير منه يتجاوز سواء في تأجيج الخصومة مع السلطة عبر نشر اخبار وموضوعات تفتقر للموضوعية أو المهنية، او عبر ترويج لأفضلية العسكر على الاخوان أو العكس، وكل ذلك يهدد حرية التعبير.

أما يحيى قلاش فيرى أن النظم الاستبدادية عموما تضع فكرة المسئولية قبل فكرة الحرية، متغافلة عن حقيقة أن أحد الملامح الرئيسية في الديمقراطية ليس أنها لا تخطئ وإنما أنها تتضمن آليات تصحيح أخطائها. ولذلك فإن أحكاما قضائية كثيرة كانت تؤكد على ضرورة التسامح مع بعض الشطط من الإعلاميين والصحفيين عند التأكد من حسن النوايا بهدف حماية الحرية واضعة في الاعتبار أن هذا الشطط إنما مصدره حرص على المصلحة العامة.

وحذر قلاش من محاولة إعادة إنتاج الرئيس الإله، أو الطريقة الأبوية في إدارة الشأن العام، مشيرا إلى صدور تقارير حقوقية تكشف عن تجاوز القضايا المرفوعة ضد صحفيين وإعلاميين بتهمة إهانة الرئيس "محمد مرسي" في شهور قليلة فقط عدد القضايا التي رفعت بهذه التهمة من قبل الحكام السابقين منذ عهد الملك فاروق.

ويرى النقابي المخضرم أن لعبة النظم الاستبدادية عموما هي أن تنشئ مبررات لممارسة القمع، ومن مصلحتها أن تترك الممارسات غير المهنية والمسيئة للأعلام حتى تستخدمها في تعميم القمع، ولهذا فقد عمدت السلطة على حرمان أصحاب المهنة من تنظيمها ووضع المدونات الأخلاقية الملائمة لها.

وتظل حرية التعبير وفقا لما قرره قلاش أساس البناء في أي ديمقراطية فاعلة، وأن فريضة غائبة عن القوى السياسية والنقابة والمؤسسات المعنية في حمايتها هي النضال من أجل إزالة ترسانة القوانين القمعية الموروثة من عهد مبارك، والتصدي للمواد "الكارثية" في الدستور الجديد، والتصدي للهجوم الشرس على الإعلام والصحافة على أيدي السلطة الحالية وأنصارها.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة