اقتصاد وأسواق

«الاحتكار الممنهج» يهدد نمو الصحف الخاصة


إيمان حشيش

تعانى صناعة الصحافة المصرية الاحتكار الممنهج لبعض الأضلع المهمة المؤثرة فى الإيرادات والانتشار، والمتمثلة فى منافذ الطباعة والتوزيع، التى تستأثر بها مؤسسات الصحافة التابعة للدولة المعروفة بـ«المؤسسات القومية»، مما يثير العديد من التساؤلات، حول فرص كسر هذا الاحتكار الذى يفتقر إلى الغطاء القانونى، ويدعمه فقط نقص الموارد المالية، والإجراءات التى فرضها النظام السابق للسيطرة على انتشار الصحف الخاصة.

ويؤدى احتكار الطباعة والتوزيع إلى تأخير وصول الإصدارات إلى الأسواق أو حجبها عن بعض أماكن التوزيع، مثل محافظات الصعيد وبعض الأقاليم الأخرى، بما يؤثر سلباً على مناخ المنافسة بين الصحف الحكومية والخاصة.

بداية يقول هانى شكرى، رئيس مجلس إدارة وكالة «jwt » للدعاية والإعلان، إن هناك خللاً واضحاً فى منظومة صناعة الصحافة فى مصر، نتيجة استئثار المؤسسات الحكومية بالعديد من المميزات التنافسية التى تعوق فرص تقدم الصحافة الخاصة، مشدداً على ضرورة خصخصة هذه المؤسسات، وإعادة هيكلتها، اقتداء بالأنظمة الديمقراطية فى الدول المتقدمة.

وأكد شكرى أن الصحف الخاصة بدأت بالفعل تستقطع جزءاً كبيراً من حصيلة الإعلانات والتوزيع من الصحف القومية، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التى يعانى منها القطاع الخاص، ضارباً المثل بتراجع إيرادات مؤسسة الأهرام منذ عام 2010 وحتى الآن، مع تزايد التوقعات بانخفاضها إلى الثلث فى غضون 3 أعوام على الأكثر.

وأشار إلى أن البعد السياسى لتحجيم صناعة الصحف الخاصة من خلال المؤسسات التابعة للدولة من الواجب استبداله بمجموعة تشريعات جديدة تضمن نزاهة المؤسسة الصحفية، وعدم تأثر إداراتها بهيكل الملكية، والالتزام بفصل التحرير عن الإعلان.

من جهته قال صادق حشيش، نائب رئيس تحرير جريدة الوفد، إنه لا يوجد قانون يمنع الصحف الخاصة والحزبية من إنشاء مطابع خاصة بها، فمن حق أى صحيفة حزبية أو خاصة إنشاء مطابع لها، لكن إنشاء مطبعة خاصة يعنى عبئاً اقتصادياً كبيراً على أى صحيفة، الأمر الذى يدفعها إلى الطبع لدى الصحف القومية.

وأكد حشيش أن فترة ما قبل الثورة كانت تشهد نوعاً من الضغوط السياسية على الصحف، تمنعها من إنشاء مطابع خاصة بها، لكى تتمكن الحكومة من رقابتها بشكل دقيق فى السابق، ولكن هذه الضغوط تراجعت قليلاً فى الفترة الأخيرة، وأصبح العبء الاقتصادى هو السبب الذى يمنع إنشاء مطابع بالصحف، لأن تكلفتها الآن تتجاوز عدة أضعاف التكلفة فى السابق، حيث زادت بنحو %400 على تكلفتها منذ ما يقرب من عشر سنوات، فجريدة «النبأ» نجحت منذ عدة سنوات فى إنشاء مطبعة لها قبل الارتفاع الكبير فى الأسعار، بشكل جعلها قادرة على التحرر من هذه الضغوط.

وعن جريدة الوفد أشار حشيش إلى أن حزب «الوفد» وضع أكثر من خطة لإنشاء مطبعة خاصة به وتم شراء أرض لهذا الغرض، والشروع فى إنشاء المبنى، إلا أنه يتم استكمال الخطة، لذلك تقوم «الوفد» بطباعة وتوزيع أعدادها مع جريدة «الأهرام» التى تفرض على الجريدة مواعيد باكرة فإذا تأخرت الصحيفة عن الوقت المحدد يؤجل طبعها، كما أن الديون وتقسيط المستحقات، ومعارضة الصحيفة تؤثر أحياناً على توزيع الجريدة.

ويؤكد الدكتور جمال مختار، رئيس وكالة «Aspect »، أن احتكار الصحف القومية للتوزيع والطبع، جعلها تتحكم فى عملية التوزيع لصالحها.

ويرى مختار أن هذا الاحتكار أحد العوامل التى تتحكم فى تحديد الأسعار الإعلانية.

ويشير مصدر بإحدى الصحف اليومية، طلب عدم نشر اسمه، إلى أن احتكار الصحف القومية للتوزيع يؤثر بشكل كبير على توزيع الصحف الخاصة، فأحياناً يتم توزيعها متأخراً بسبب تأخر عملية الطباعة بشكل يؤثر على الطبعة الأولى للجريدة، خاصة فى الصعيد الذى يعتبر الأكثر تأثراً بهذا الاحتكار فأحياناً لا تستطيع الصحف الوصول إلى محافظاته.

وأضاف المصدر أن الضغوط السياسية على الصحف تراجعت قليلاً بعد ثورة يناير، وما زالت هناك ضغوط على التوزيع، بسبب التغطيات السياسية، ولكن بنسبة أقل من السابق.

وأكد المصدر أن تأخر الطبع بالفعل، يؤثر على حجم الإقبال الإعلانى فى كل مرة يتم تأخير توزيع الصحيفة، فأحياناً يتم توزيعها مع جريدة الأهرام المسائى بشكل «يحرق الأخبار»، وهذا يؤثر بدوره فى بعض الأحيان على حجم الإقبال الإعلانى بنسبة تصل إلى %20 لأن تأخير التوزيع يقلل من فرص قراءة الصحيفة.

وأضاف أن نسبة كبيرة من القراء ليس لديهم ولاء لصحيفة معينة، وإنما يقرأون الجريدة التى تصل إليهم مبكراً وبالتالى تأخير التوزيع يقلل من فرصة قراءة بعض الصحف.

وعن جودة الطباعة، أشار المصدر إلى أن الجودة ترجع إلى المطبعة وكيفية الدفع، إذا كان مقدماً أو تقسيطاً، فعلى سبيل المثال، جريدة الأهرام تملك مطبعتين، واحدة حديثة جيدة، والأخرى أقل جودة، ولكل واحدة تكلفتها.

وأشار مصدر آخر بإحدى الصحف اليومية، رفض نشر اسمه، تخوفاً من تأثير ذلك على توزيع الجريدة، أن هناك عدة مشاكل ناتجة عن احتكار الصحف القومية للطبع والتوزيع، أهمها أن الأولوية فى الطبع تكون للصحف التى تميل لها المؤسسة القومية، وهذا بدوره يؤثر على التوزيع وعلى المبيعات، ولكن لا يؤثر على الإقبال الإعلانى عليها، كما أن هناك شقاً تجارياً يؤثر على توزيع وطبع الصحف الخاصة فإذا شعرت الجريدة القومية أن هناك إحدى الصحف تنافسها أو قد تؤثر على توزيعها ومبيعاتها تقوم بتأخير طباعتها وتوزيعها، فالضغوط التجارية هى العائق الأهم، وليس الضغوط السياسية.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة