استثمار

انكماش مرتقب للاقتصاد الياباني بنسبة‮ ‬%6‮ ‬هذا العام


إعداد - هدي ممدوح
 
قامت شركة »تويوتا« اليابانية خلال الأشهر الأخيرة باستبدال رؤسائها وأوقفت مشروعات صغيرة وقامت بتخفيض الإنتاج بشكل مؤقت داخل اليابان لحوالي النصف تقريباً.

 
كما قامت الشركة بإحكام قبضتها علي شركاتها التابعة معلنة عزمها اغلاق الشركات التي لا تدر ربحاً وفي نفس السياق تخطط »سوني« لتقليص عدد مورديها إلي النصف لتوفير 500 مليار ين »حوالي 5.2 مليار دولار« هذا العام وحده، إضافة إلي اتخاذ جميع الشركات قراراً بتخفيض أوقات الراحة وعدد العمالة المؤقتة بها.
 
تلك الإجراءات التي اتخذتها بعض الشركات اليابانية شجعت الشركات الأخري علي ان تحذو حذوها، حيث تعلمت معظم الشركات اليابانية من الأزمة التي مرت باليابان أثناء »العقد الضائع« - 1999 حتي 2002 - فحينها ارتبكت معظم المؤسسات اليابانية بشكل كبير، أكبر من اعتمادها لتدابير صارمة لمنع اطالة أمد الركود، بعكس هذه المرة، التي كانت الاستجابة فيها أسرع.
 
وقد قامت الصحافة بدورها، من خلال استمرار تذكير الجمهور بطبيعة الأزمة »الوحيدة في القرن« من ثم قامت بتقديم الدعم لمن تم تسريحهم، كما لعبت البنوك هي أيضاً دوراً بناءً أكثر مما كانت عليه عام 1990، حين رفضت تقديم الائتمان للمؤسسات التي لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها مما أفزع السياسيين والبيروقراطيين.
 
فخلال عقد الثمانينيات، حينما سعي البنك المركزي الياباني لتفادي تأثيرات ارتفاع قيمة الين بتوفير الائتمانات الرخيصة، كانت لهذا الإجراء ردة فعل سلبية تمثلت فيما عرف حينها بـ»اقتصاد الفقاعة«، وهو الذي حقق نمواً سريعاً وقياسياً في وقت ضيق للغاية، لكن سرعان ما انفجرت تلك الفقاعة، أما الأزمة الحالية فقد نشأت خارج اليابان، ووقعت جميع التدابير غير السارة علي المصرفيين الأمريكيين.
 
فقد أضرت تلك الأزمة بالمحرك الرئيسي للاقتصاد الياباني المتمثل في »صناعتها التصديرية« كالسيارات والأجهزة الالكترونية والحديد والصلب وجميعها تمتاز بالجودة العالية ومع ذلك فهي تواجه منافسة عالمية شديدة.
 
وإحدي أهم تداعيات الأزمة العالمية علي اليابان هي الانهيار المفاجئ لمبيعات الصادرات الذي حدث جنباً إلي جنب مع ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية وارتفاع قيمة العملة »الين«، مما جعل الصادرات اليابانية أكثر تكلفة في الأسواق العالمية وهو ما يعني انخفاض الطلب علي صادرتها مع تراجع الطلب من جانب الغرب، ومع ذلك لم يكن لدي الشركات اختيار سوي الاستمرار في العمل، وقد انخفضت التجارة الخارجية بأكثر من %30، وأشارت توقعات إلي انكماش اقتصاد اليابان هذا العام بنسبة %6، مما يجعلها الدولة الأكثر تضرراً بين الدول الغنية.
 
كما يتوقع أن يكون فائض الإنتاج الصناعي لليابان هو الأعلي بين أمريكا وأوروبا.
 
ويرصد الواقع سوء الأمور للدرجة التي لا يتوقع معها أن تسوء أكثر مما هي عليه، ومع ذلك فإن هناك علي الجانب الآخر توقعات بأن تشهد البلاد تحسناً علي مدار الأشهر الستة المقبلة مع تحول دورة المخزون واحتمال ان تشهد المبيعات رواجاً، لتبدأ الشركات في اعادة تعبئة مخزوناتها، مما ساهم في دفع مؤشر »نيكاي« لأعلي بحوالي %40 منذ مارس الماضي، بعد وصوله لأدني معدل له منذ 26 عاماً.
 
وقد فشل العديد من المؤسسات في القيام جدياً بإعادة الهيكلة بها خاصة بعد عام 2002 حين تدفقت إليها الأرباح نتيجة زيادة الصادرات، ورفضت الشركات تصفية أعمالها الواسعة بالخارج أو اغلاق قطاعات الأعمال غير الأساسية بها. وحالياً فالأكثر انتشاراً من أشكال اعادة الهيكلة يتمثل في تخفيض حجم العمالة، فمنذ العقد الضائع أصبحت عمالة اليابان أكثر مرونة بعد فتور التقليد المرتبط بأن تصبح الوظيفة دائمة وأن يتوافر العمل مدي الحياة.

 
وقد ارتفعت نسبة العمالة المؤقتة من %20 إلي أكثر من %33 من القوي العاملة، حيث تمثل تلك الأخيرة حوالي %70 من تكاليف قطاع الأعمال في اليابان.

 
وتعد الزيادة في ظاهرة تسريح العمالة المؤقتة أكثر وأسرع قدرة علي تخفيض التكاليف للشركات.

 
وتري صحيفة »الإيكونوميست« أنه لا يزال من الصعب والأكثر تكلفة القيام بتسريح العمالة »الدائمة« حيث تكون الشركات ملزمة بتقديم معاشات التقاعد للعمالة المراد التخلص منها، وتكون هذه المعاشات مبلغاً ضخماً من المال، مما يوضح كيف أن شركة مثل »توشيبا« يمكنها بعد مشقة توفير أموال ضخمة لتغطية تكاليف إعادة الهيكلة.

 
كما أدت الأزمة العالمية أيضاً إلي تغير مفاجئ في حماس الشركات اليابانية نحو قيامها بعمليات الدمج والاستحواذ خلافاً للاتجاه العام لهذه الشركات العام الماضي، في حين كان الغموض يحيط بيئة قطاع الأعمال وكانت هناك ندرة في رأس المال.

 
وقد استحوذت الشركات اليابانية علي العديد من قطاعات الأعمال بالخارج ولم تقل عمليات الشراء، منها علي سبيل المثال شركة »Kirin « لصناعة المشروبات و»J-Power « لتوزيع الكهرباء.

 
أما حالياً، فركود الاقتصاد المحلي لليابان لا يقدم أي آفاق للنمو، وقوة الين، مع انخفاض أسعار الأصول جميعها التي تؤثر بالسلب علي المحرك الثاني للاقتصاد الياباني وهي الصناعات الداخلية مثل معالجة الأغذية وقطاعي البناء والتشييد وتجارة التجزئة، حيث لا تتسم هذه القطاعات بالكفاءة المطلوبة إلا أنها تحظي بالحماية من المنافسة الخارجية بفعل قيود وتشريعات الحماية التي تفرضها الدولة.

 
وقد قامت »هيتاشي« و»توشيبا« و»فيوجيتسو« خلال الأشهر الماضية بتعديل نظام العمل بها بطرق لم تكن تخطر ببال قبل حدوث ذلك الركود، أثناء الربع الأول من هذا العام تعدت ابرام الصفقات في اليابان مثيلتها في الصين بقيمة بلغت 30 مليار دولار.

 
من جانبه رأي » كلوديو ميونوز« المحلل بجريدة »الإيكونوميست« أن اعادة الهيكلة التي أجرتها الشركات اليابانية لم تكن كافية، حيث كان التأكيد فيها علي تخفيض التكاليف أكثر من القيام باصلاح الخلل القائم في قطاع الأعمال.

 
رغم أن هذه التغييرات تم اتخاذها بواسطة كبري شركات اليابان التي تركز علي التصدير فإنها كانت أول من تأثر بالركود الذي ساد الأسواق الخارجية. وكان هناك اصلاح أقل تجاه أكبر قطاع عريض من عدم الكفاءة والمتمثل في الشركات التي توجه إنتاجها للسوق الداخلية، علاوة علي ذلك قامت معظم تلك الشركات بتخفيض تكاليفها عن طريق ترك الجهد الأكبر علي عاتق مورديها، مما قد يجعل الأمور تسوء علي الأجل الطويل.
 
وهناك مقولة تقول إنه تتولد ميزة من الصداقة الحميمة بين القطاعات التجارية، تستطيع حينها الشركات الاعتماد علي أصغر قطاعات الأعمال بها حتي تظل مستمرة داخل السوق، لكن مساندة القطاعات الضعيفة منها تضر بمنافسيها من الأقوياء، بحرمانهم من الموارد التي يتزايد استنزافها دون التخصيص الكفء لها مثل رؤوس الأموال والعمالة المدربة. وعلي سبيل المثال، تستمر شركات الالكترونيات في القيام بأعمالها بتعاملها مع أضعف الموردين الذين يمدونها بأدني تكنولوجيا وبأقل الأسعار، مما دعا أحد الموردين لكبري شركات الالكترونيات لتخفيض ميزانية الأبحاث والتطوير لشركته في ظل انخفاض العائد والأرباح له كمورد خدمة.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة