سيـــاســة

قانون الطوارئ الجديد.. استثناءات تحكمها ضمانات حماية الحريات


فيولا فهمى - إيمان عوف

 

   
 محمد نجيب
 حافظ ابو سعدة
ظل طوال العقود الماضية قانوناً سيء السمعة يجعل كرامة وحقوق الأفراد مستباحة للسلطة التنفيذية، وبعد إلغائه أعلن وزير العدل أحمد مكى مؤخراً عن إعداد مشروع قانون جديد للطوارئ، الأمر الذى أعاد إلى الأذهان حملات الاعتقال الجماعية والاحتجاز دون اتهامات والقبض العشوائى على الأفراد والتجمعات، وإباحة التنصت ومراقبة الهواتف والاجتماعات وتفتيش الممتلكات الخاصة دون إذن نيابة وغيرها من الممارسات القمعية والاستبدادية .

 

واعتبر خبراء استراتيجيون ونشطاء حقوقيون أن قانون الطوارئ ليس مرفوضاً من حيث المبدأ إذا احتوى على ضمانات مشددة لحماية الحريات الخاصة والعامة وإجراء المحاكمات العادلة أمام القضاء الطبيعى وليس أمام القضاء الاستثنائى فى الوقت الذى استنكر فيه آخرون إعادة قانون للطوارئ وإهدار جميع ضمانات الحقوق الشخصية والحريات العامة، فضلاً عن وجود مواد فى قانون العقوبات الحالى تكفى لردع الانفلات الأمنى ومكافحة البلطجة .

 

من جانبه شدد حافظ أبوسعدة، رئيس المنظمة المصرية، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، على ضرورة إصدار قانون طوارئ جديد يتلافى العوار الذى شاب القانون السابق وكان مخالفاً لكل قواعد سيادة القانون والمتمثلة فى إهدار ضمانات حماية الأفراد والممتلكات الخاصة والاعتقاد الإدارى والاحتجاز العشوائي، مؤكداً أن الشعب المصرى كان تحت ظل قانون الطوارئ القديم مستباحاً للسلطة التنفيذية .

 

ولفت أبوسعدة إلى أهمية قصر حالة الطوارئ فى القانون الجديد على الحرب أو التهديد بالحرب أو الكوارث الطبيعية فحسب، على أن تبقى ضمانات الحرية الشخصية والمحاكمة العادلة راسخة ومتوفرة حتى فى حال إعلان الطوارئ، إلى جانب ضرورة تحديد المدة الزمنية لحالة الطوارئ كستة أشهر فى المرة الأولى يجوز تجديدها بموافقة ثلثى مجلس الشعب ثم إجراء استفتاء شعبى عليها، وكذلك تحديد المدة الزمنية لحالة الطوارئ كستة أشهر فى المرة الأولى يجوز تجديدها بموافقة ثلثى مجلس الشعب ثم إجراء استفتاء شعبى عليها، وكذلك تحديد النطاق الجغرافى الذى تطبق عليه حالة الطوارئ بحيث تكون مقصورة على المناطق المتوترة فقط كمحافظة سيناء بسبب التوترات الحدودية مع إسرائيل أو النوبة فى حال حدوث فيضان على سبيل المثال وليس تطبيق قانون الطوارئ على جميع محافظات الجمهورية .

 

واعتبر اللواء جمال أبوذكري، مساعد وزير الداخلية، عضو لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس الشعب سابقاً، أن الردع القانونى للحيلولة دون شيوع الانفلات الأمنى وقطع الطرق وانتشار البلطجة وتجارة المخدرات والأسلحة هو تطبيق قانون الطوارئ، مؤكداً أن تحقيق الديمقراطية والتقدم الاقتصادى وجلب الاستثمارات الأجنبية مرهون بتطبيق الطوارئ وعودة الاستقرار الأمنى فى مصر بعد حالة الانفلات الأمنى التى يشهدها المجتمع .

 

وقال إن معظم دول العالم المتقدمة لديها قانون رادع للمجرمين، وتجار المخدرات، ومهربى الأسلحة والبلطجة، مؤكداً أن عدم إقرار قانون للطورئ بحجة إطلاق الحريات والديمقراطية أمر قد ينعكس بالتداعيات السلبية الفادحة على المجتمع ومستقبل الإصلاحات السياسية .

 

وأوضح أن قطع السكك الحديدية يكلف الدولة ما بين 10 و 12 مليون جنيه يومياً، إلى جانب تعطيل المصالح العامة من خلال المظاهرات العشوائية، الأمر الذى يستوجب تطبيق قانون الطوارئ على المخالفين والخارجين على القانون مشدداً على ضرورة وضع ضوابط محددة فى قانون الطوارئ الجديد بحيث تضمن التوازن بين الحقوق الشخصية للمتهمين وحق المجتمع، فضلاً عن ضرورة تجزئة العمل بقانون الطوارئ وتحديد مدة زمنية ومنطقة جغرافية لتطبيقه بهدف تقدم المسار الديمقراطى فى البلاد .

 

ولم يبد محمد منيب، الناشط الحقوقي، عضو مجلس الشعب السابق، اعتراضاً من حيث المبدأ على إقرار قانون الطوارئ، يتم العمل به فى حال نشوب حرب أهلية أو أحداث بيئية أو إرهابية تؤدى إلى حالة من الارباك والتوتر العام فى البلاد، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن فيما ترسخ فى عقول المصريين شعباً وحكومة تجاه قانون الطوارئ الذى حكمنا به مبارك لمدة 30 عاماً .

 

ولفت منيب إلى أن هناك ضرورة لأن يتم تعديل مفهوم الطوارئ من قانون سيء السمعة يستخدم لردع الحريات وقمعها إلى قانون لحماية مصر من المخاطر الداخلية والخارجية، وهو ما يتطلب أن تكون هناك تعديلات جوهرية على بنود القانون، ولعل أهم تلك التعديلات أن يتم إلغاء القيود على الحريات مثل حرية التظاهر والإضراب والخلط بينها وبين تخريب المنشآت وقطع الطريق، وإحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية أثناء الطوارئ .

 

وأشار إلى ضرورة إقامة حوار سريع وعاجل بين الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، وإيجاد صياغة مناسبة للقانون بشكل يحفظ الكرامة الإنسانية ولا يجور على حقوق المصريين التى دفعوا ثمنها غالياً دمًا وشقاء لأكثر من عامين .

 

وأوضح أن هناك مجموعة من الشروط التى ينبغى الالتزام بها فى قانون الطوارئ، ومنها ألا يتم إعلان حالة الطوارئ فى الأمور التى يمكن معالجتها بالقانون العادى مثل البلطجة التى تعالج عن طريق قانون العقوبات، وإعلان حالة الطوارئ فى مناطق دون الأخرى فهناك مثال لتلك الحوادث التى حدثت فى سيناء مؤخرا يمكن وقتها إعلان الطوارئ فى سيناء وليس فى ربوع مصر، بالإضافة إلى الاستعانة بالقضاء فى مسألة إلقاء القبض على أى مواطن مصرى، وألا يكون الاعتقال عشوائياً، كما ينبغى أن تتم وضع مجموعة من المعايير فى مسألة التفتيش والتوقيف وقت الطوارئ، لا سيما أن تلك الأزمة كانت مثارة بقوة فى ظل حكم حسنى مبارك وكانت سبباً أساسياً فى الثورة .

 

ودعا إلى ضرورة أن تتم مراجعة مدى التزام الجهات الأمنية بحقوق الإنسان فى جميع الأوقات حتى لا تكون الطوارئ أمراً تتيح انتهاك حقوق الإنسان خلال فترات الأزمات، واعتبر أن رعلان الطوارئ ينبغى أن يكون مخولاً لرئيس الجمهورية وليس لغيره حق الإعلان عنها، رافضاً أى حديث عن مشاركة جهات أخرى فى اتخاذ ذلك القرار حتى لا يكون إعلان الطوارئ مرتبطاً بالصراعات السياسية، وحذر من أن يكون قانون الطورئ الجديد بمثابة بداية لثورة جديدة من قبل الشعب المصرى الذى لن يقبل طوارئ مبارك مرة أخرى .

 

من جانبه قال عصام شعبان، عضو الأمانة العامة للجمعية الوطنية للتغيير، عضو المكتب التنفيذى للحزب الشيوعى المصرى، إن الاتجاه إلى إقرار قانون طوارئ جديد ما هو إلا ترسيخ للنظام القمعى وتمكين لبنية التشريعات التى تقمع الحريات، مستنكراً إضافة قوانين أخرى مكبلة للحريات فى الوقت الذى من المفترض أن يتم هدم القوانين والتشريعات الاستبدادية السالبة للحريات والتى يمتد تاريخها الطويل منذ الاحتلال الإنجليزى ومازالت سارية حتى اليوم وتحظر تجمع أكثر من خمسة أفراد وتعتبرهم تجمهراً يعاقب عليه القانون «القانون 10 لسنة 1914» ناهيك عن قانون الإرهاب وقانون النيابات الذى يقصر سلطتى الاتهام والتحقيق على النيابة العامة وقانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 ، وقانون الجمعيات الأهلية والتعاونية، وقانون مباشرة الحقوق السياسية والأحزاب الجديدة، ومواد تجريم الاعتصامات والإضرابات والتظاهر، وغيرها من القوانين والمواد التى تعكس نهج السلطة الاستبدادى ورغبتها التاريخية فى السيطرة على الشأن العام .

 

واعتبر شعبان أن هذا النهج والطريقة توحى بأننا أمام دولة تريد زيادة القيود بحلقة أخرى من سلسلة القوانين التى عوقب بها السياسيون على مدار يمتد إلى أكثر من 90 عاماً وإذا تجاور ذلك مع الهجوم على الإعلام واتخاذ بعض القضايا كذريعة لهجوم شامل على الحريات وبعض الشخصيات الوطنية فى خلط للأوراق لا يقبل الالتباس .

 

ودعا إلى ضرورة انهاء تلك التشريعات ورفض القوانين الاستبدادية عموماً والمحاكمات الاستثنائية سواء كانت عسكرية أو محاكم أمن الدولة وأن تختص الجرائم والعقوبات على المحاكم العادية وينظرها القاضى الطبيعى، ويرى أن المشهد السياسى الآن وما حدث من اعتداءات على حق التظاهر والإضراب والاعتصام السلمى أيّا كانت أسبابه هو عمل مستنكر وقمعى ولا يمكن السكوت عليه بعد ثورة شعبية تريد إسقاط بنى الاستبداد وإسقاط نظامه الذى عذب الشعب واحتكر العمل السياسى لنظام الحكم وحلفائه من رجال الأعمال وكبار رجالات الدولة والوزراء لخدمة طبقة لا تتجاوز %5 من الشعب إذا كانت وزارة العدل تود بالفعل خدمة هذا الوطن فلتبدأ فى إنهاء قوانين الاستبداد وترسيخ العدالة لتكون اسماً على مسمى لا أداة فى يد الاستبداد والطبقة التى تحكم .

 

ولفت إلى أنه إذا كانت وزارة العدل لا تكفيها ترسانة القوانين المقيدة للحريات فلماذا لا تقوم بشجاعة بنشر بنود قانون الطوارئ الجديد والمقترحات المقدمة للنقاش المجتمعى أم أن القانون يصدر لخدمة طبقة محددة ونظام حكم يريد استقرار الوضع على ما هو عليه والتحكم وعدم المصارحة فى ما يتخذه من إجراءات .

 

ويرى د . مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أنه من المؤسف أن يجرى التفكير فى قانون طوارئ جديد فى مصر بعد الثورة، لاسيما أن المصريين شعروا بقيمة إلغاء الطوارئ .

 

وأشار إلى أنه ليس هناك مبرر ولا منطقية فى عودة الطوارئ فى الفترة الراهنة، لاسيما أن القوانين العادية يمكنها أن تحل محل الطوارئ مع مزيد من الاحترام للكرامة الإنسانية، ولفت إلى أن الهدف الأساسى من إقرار الطوارئ خلال الفترة الراهنة يعود إلى رغبة حكومة الدكتور محمد مرسى فى قمع الحركة الاحتجاجية خلال الفترة الراهنة، خاصة أنها من وجهة نظرهم تعوق خطتهم فى السيطرة على الحكم فى مصر .

 

واستنكر أن يتقدم بمشروع قانون الطوارئ قامة سياسية لها تاريخ فى حركة استقلال القضاء فى إشارة إلى المستشار أحمد مكي، وزير العدل، معتبراً أن هناك حالة من الخلط السياسى والفهم الخاطئ لأزمة الانفلات الأمنى التى تعانيها مصر، مؤكداً أن هناك تناسياً لأزمة غياب الأمن وغياب المؤسسات ومن ثم اللجوء إلى أحكام وقوانين استثنائية .

 

وعن إمكانية تكوين تكتل من الحركات الشعبية والسياسية لمواجهة قانون الطورئ استبعد قيام مثل هذه التكتلات الشعبية خلال الفترة المقبلة غير أنه توقع قيام تكتلات للنخبة ونشطاء حقوق الإنسان تقف ضده .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة