اقتصاد وأسواق

الإفصاح‮.. ‬الصراع الأبدي بين الشركات وجهات الرقابة


نشوي حسين

تصدر عامل »الافصاح عن الخطط المستقبلية وحجم التدفقات النقدية« مبررات الشركات في عدم الإقبال علي بعض آليات وأدوات السوق، منها السندات، فقد تجاهلت الشركات السندات باعتبارها أحد المصادر التمويلية، بل تراجع البعض عن الإقدام علي هذه الخطوة بعد اقرارها وعزت هذا التراجع إلي متطلبات هيئة سوق المال بالافصاح عن الخطط والتدفقات المستقبلية طوال عمر السند بما يكشف أوراق الشركة أمام منافسيها، علاوة علي إحجام الشركات عن القيد في بورصة النيل معللة ذلك بنفس السبب.


 
 على الطاهرى
وطرح الوضع السابق تساؤلاً مهما حول مدي اعتبار عنصر »الافصاح« عائقاً أمام نشاط بعض اليات وأدوات السوق؟ فضلاً عن مدي تعنت قواعد الافصاح المصرية، مقارنة بمثيلاتها العالمية؟ ومدي وجود بدائل قد تخفف من عبء الافصاح مع ضمان التزام الشركات وعدم الاخلال والتغاضي عن حقوق المساهمين.

أشار خبراء سوق المال والاستثمار إلي أن »الافصاح« سيظل سبب الصراع الأبدي بين الشركات والجهات الرقابية في مختلف الأسواق العالمية والمحلية، نتيجة وجود بعض الثقافات التاريخية لدي الشركات عن سياسة الافصاح، فضلاً عن رغبة الجهات الرقابية في الحفاظ علي حقوق المساهمين وتدعيم مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص في السوق.

وأكد الخبراء أن قواعد الافصاح المصرية تعد أكثر تهاوناً عن مثيلاتها في الأسواق العالمية، كما انها لا تضر بمصلحة الشركات نتيجة عدم الزامها بالكشف عن جميع البيانات التفصيلية، بل تكتفي بالمؤشرات التي تطمئن الهيئة العامة لسوق المال إلي عدم التجاوز أو التلاعب، فضلاً عن حماية حقوق المساهمين.

واستبعد الخبراء أن يكون عدم جدوي بعض الآليات هو العامل الأساسي وراء عزوف الشركات عنها، وحددوا عدة عوامل وراء عدم إقبال الشركات علي الأدوات المالية التي تتطلب منهم الافصاح عن خططهم وتدفقاتهم النقدية، ومن أهم هذه العوامل بعض المكتسبات التاريخية التي تعود إلي التهرب الضريبي، وعدم كفاءة السياسة المحاسبية، فضلاً عن عدم حنكة السياسة الإدارية لبعض الشركات، وأضافوا أن عدم الافصاح لا يقتصر علي الشركات الصغيرة فقط، بل يمتد إلي الشركات الكبيرة أيضاً والتي من المفترض أن تكون لديها خبرة مسبقة بمطالب القيد في البورصة.

وأشار الخبراء إلي صعوبة المساس بمبادئ الافصاح، وأكدوا أنه في سبيل تنشيط الآليات الأخري لابد من العمل علي سرعة وتيسير الإجراءات الخاصة بكل آلية.

يقول علي الطاهري، رئيس مجلس إدارة شركة بلتون كابيتال للاستثمارات المالية، إن عنصر الافصاح سيظل الصراع الأبدي بين الشركات والجهات الرقابية المختلفة، سواء في الأسواق العالمية أو المحلية.. وذلك بسبب رغبة الجهات الرقابية المتمثلة في الهيئة العامة لسوق المال بالنسبة للبورصة المصرية، في القيام بالدور المنوط لها، ويتلخص هذا الدور في حماية المستثمرين من المخاطر وتشجيع قيام سوق تتسم بالكفاءة والتنظيم، مع ضمان تطبيق مبادئ العدالة والشفافية بما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص.

وأضاف أن المحك الأساسي الذي يمكن اللجوء إليه بهدف تنشيط الآليات والأدوات المختلفة للسوق وتشجيع اقبال الشركات عليها، هو تسهيل وسرعة تيسير الإجراءات المختلفة الخاصة بكل آلية، مع إحكام الرقابة علي الشركات والزامها بقواعد الافصاح التي تضمن شفافية السوق، خاصة أنه العرف السائد الذي لا يمكن المساس به أو العمل علي تقليله حتي لو كان الهدف المرجو من ذلك هو زيادة نشاط بعض الآليات.

يشار إلي أن »الهيئة العامة لسوق المال« هي جهة الرقابة علي السوق المصرية والتي يتلخص أهم أدوارها في حماية حقوق الأقلية عن المساهمين وتطبيق متطلبات الافصاح طبقاً لمعايير المحاسبة المصرية والرقابة علي الأسواق لتحقيق نزاهة وشفافية التداول علي الأوراق المالية، وكشف التحايل والغش عن طريق متابعة افصاح الشركات المدرجة بالبورصة ومراقبة التداول والتفتيش علي شركات الوساطة، علاوة علي الزام الشركات المصدرة والعاملة في مجال الأوراق المالية بتطبيق التشريعات الحاكمة لسوق رأس المال، وعلي رأسها قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 وقانون الإيداع والقيد المركزي رقم 93 لسنة 2000 وقواعد قيد واستمرار قيد وشطب الأوراق المالية.

كما تقوم الهيئة العامة لسوق المال بدعم نمو وتطور سوق المال في مصر عن طريق تشجيع ادخال أدوات مالية وآليات جديدة وتطبيق التكنولوجيا المتطورة وزيادة وعي المستثمر.

من جانبه أشار صلاح ضيف، المدير التنفيذي في شركة سي آي كابيتال القابضة، إلي أن »الافصاح« يعد النتيجة الطبيعية لمعادلة طرفها الأول القيد في البورصة، ومن ثم يجب علي الشركات تقبل الشروط والقواعد التي تحكم التوجهات المختلفة، مؤكداً أن »الافصاح« يعد المشكلة الرئيسية في جميع الأسواق، وعلي رأسها السوق المصرية رغم عدم تزمت قواعد الافصاح بها، مقارنة بالأسواق الأخري، ولكنها تعد أحد العوامل التي تضمن حقوق المستثمرين وتكافؤ الفرص بين الشركات المختلفة، فضلاً عن عدم التلاعب.

واستبعد المدير التنفيذي في سي آي كابيتال صحة وجهة نظر الشركات التي تبرر عدم إقبالها علي بعض الآليات، كطرح السندات بمتطلبات الافصاح عن خططها المستقبلية وتوقعاتها للتدفقات النقدية بما يكشف أوراقها أمام منافسيها، مؤكداً أن قواعد السوق المصرية لا تتطلب الافصاح عن البيانات التفصيلية التي تضر عمل الشركات، ولكن هذا الإجراء يتم في حدود منطقية.

كما استبعد ضيف أن يكون عدم جدوي بعض الآليات هو العامل الأساسي وراء عدم اقبال الشركات عليها، وأرجع هذا التوجه إلي مجموعة من العوامل علي رأسها ثقافة »الكتمان المتزايدة« لجميع شرائح الشركات الصغيرة منها أو الكبيرة »Large Or Small Caps « والمتعلقة بمبررات تاريخية، منها التهرب الضريبي أو عدم كفاءة النظام المحاسبي ،والذي مازال حتي الآن يحتاج إلي بعض التعديلات، مشيراً إلي أن هذه الأفكار مازالت تراود الشركات وتجبرها علي الابتعاد عن أي آليات تتطلب مزيداً من الافصاح.

وأضاف أن توافر سياسة الإدارة الفردية في الشركات المصرية يعد أحد العوامل التي تدعم مبدأ عدم الافصاح والشفافية، علاوة علي أن تزايد عدد الشركات الأجنبية والعربية العاملة في السوق المصرية فضلاً عن المنافسة الضاربة بين الشركات المحلية، يدعم الفكر السابق، بهدف اقتناص الفرص وعدم لفت أنظار المنافسين إلي التوجهات المختلفة.

وأشار المدير التنفيذي في »سي آي كابيتال« إلي أن الالتزام بالافصاح الدوري يعد إحدي الوسائل الدعائية للشركات التي تعمل علي زيادة جاذبيتها الاستثمارية بالنسبة للمساهمين، مدللاً علي ذلك بشركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة »O.C.I «، التي تعد ملاذاً استثمارياً لجميع فئات المستثمرين سواء المصريون أو العرب أو الأجانب، وتلتزم بعمليات الافصاح الدوري لمشاريعها المختلفة.

وأكد ضيف ضرورة تأقلم الشركات مع المنعطف الرقابي الجديد الذي  تشهده السوق المصرية خلال الفترة الراهنة حتي تستطيع التكيف مع مجريات الأمور، خاصة أن هناك عدة متغيرات طرأت علي النظام الرقابي المصري، وظهرت من خلال الدور الفعال في الجمعيات العمومية للشركات، وزيادة فاعلية لجان المراجعة.

واتفق مع الرأي السابق محمد ماهر، نائب رئيس مجلس إدارة شركة برايم القابضة للاستثمارات المالية، مؤكداً أن مبادئ الافصاح هي القواعد الأولية والأساسية للقيد في البورصة، ومن ثم طالما اتجهت الشركات للإدراج فإنه يلزم عليها الخضوع لكل متطلبات هذا التوجه، بما يضمنه من شروط وقواعد، مشدداً علي أهمية هذا المطلب الذي لا يمكن الاستغناء عنه أو التهاون في تطبيقه حفاظاً علي حقوق المساهمين.

وأوضح نائب رئيس مجلس إدارة برايم القابضة أن الإفصاح عن الخطط المستقبلية وحجم التدفقات النقدية للشركات يعد المحك والركيزة الأساسية التي يبني عليها الأفراد قراراتهم الاستثمارية المختلفة، سواء بالتوجه للشركة أو الابتعاد عنها، متسائلاً عن كيفية الاستثمار في مشروع دون التعرف علي الخطة الاستثمارية له، خاصة في ظل توعية الجهات الرقابية المختلفة للمستثمرين بضرورة الابتعاد عن المضاربات واتباع الأسس الاستثمارية السليمة.

وأشار ماهر إلي العلاقة الطردية بين خبرة وحنكة مجلس إدارة الشركات والالتزام بالافصاح، موضحاً أنه كلما زادت حنكة الإدارة زاد الالتزام بالافصاح، والعكس صحيح... خاصة أن هناك شركات كبيرة »Large Caps « لا تفضل اللجوء إلي الآليات التي تتطلب الافصاح الدوري عن الخطط المستقبلية.

من جانبها أشارت عنايات النجار - مستشار التمويل والاستثمار - إلي أن غالبية آليات السوق تتطلب الافصاح عن الخطط المستقبلية للشركات، وعلي رأسها طرح السندات كأحد المصادر التمويلية أو القيد في البورصة سواء الرئيسية أو النيل، وذلك للتعرف علي الرؤية الإدارية للشركات وضمان القدرة علي السداد، علاوة علي أن »الافصاح« يعد إحدي الركائز الأساسية للتوجهات الاستثمارية.

وجدير بالذكر أن متطلبات إصدار السندات علي سبيل المثال تنطوي علي قيام الهيئة العامة لسوق المال باستيفاء التعهدات والاقرارات القانونية المتعلقة بمدي صحة إجراءات إصدار السندات ومدي وجود رهونات بامتيازات علي الأصول المملوكة للشركة والموقف المالي، كما يتم التحقق من مدي التزام الشركة بمعايير ومبادئ المحاسبة، وذلك تحقيقا لمبدأ الافصاح الكامل عن المركز المالي الفعلي عن آخر ثلاث سنوات فعلية والتوقعات خلال سنوات عمر السند، كما يتم التحقق من مدي قانونية البيانات والمعلومات التي تتضمنها نشرة الاكتتاب بالسند.

وأضافت عنايات النجار: رغم أن »الافصاح« يقلل من فرص نجاح ونشاط بعض آليات السوق نتيجة رغبة الشركات في الابتعاد عن الآليات التي تتطلب مزيداً من الكشف عن خططها، فإنه يعد مطلباً أساسياً لا يمكن المساس به، مشددة علي أهمية السعي نحو مزيد من الافصاح والزام الشركات باتباعه وذلك لضمان حقوق المساهمين وتدعيم لمبدأ الاستثمار وليس المضاربة.

وأكدت النجار أنه في سبيل تدعيم نشاط الآليات والأدوات المختلفة في السوق فإنه من الضروري الابتعاد عن عنصر الافصاح ومحاولة إيجاد حلول أخري تتعلق بزيادة جاذبية هذه الأدوات والآليات.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة