سيــارات

الدعم الحكومي ينقذ شركات السيارات من الانهيار


أيمن عزام
 
سارعت الحكومات خصوصا في الولايات المتحدة واوروبا في اعقاب ازمة الائتمان باتخاذ اجراءات استثنائية تستهدف الحيلولة دون انهيار شركات صناعة السيارات لكونها تلعب دورا مؤثرا في الاقتصاد وتساهم في توفير عدد ضخم من الوظائف.

 
ويرجع الفضل الي خطط التحفيز المالي في انقاذ قطاع السيارات من الآثار الفورية المدمرة التي لحقت به جراء هذه الازمة بل ونقله الي مرحلة غير متوقعة من الانتعاش.
 
قالت صحيفة فاينانشيال تايمز ان قطاع السيارات لحق به اول الاضرار واكبرها مقارنة بالقطاعات الاخري حيث تراجعت المبيعات الي الربع في اوروبا نهاية العام الماضي، وانخفضت من 16 مليون سيارة الي 10 ملايين سيارة في الولايات المتحدة مقارنة بفترة ما قبل الازمة وما بعدها لتقترب الصين من اللحاق بها كاكبر سوق للسيارات في العالم.
 
وصدرت في هذا الاثناء توقعات متشائمة تنذر بمستقبل مظلم لصناعة السيارات في العالم، حيث توقع سيرجيو مارتشياني الرئيس التنفيذي لشركة فيات تعرض القطاع لظروف قاسية تقطع الطريق علي فرص بقاء كثير من الشركات باستثناء 7 شركات فقط.
 
واعتبر من ناحية اخري ديتر زيتش رئيس شركة »دايملر« ان الشركات ستجد نفسها مجبرة خلال الفترة المقبلة علي دخول مرحلة من الصراع علي البقاء تنجو منه الشركات الاقوي فقط.
 
لكن هذه الشركات لم تستطع الفرار من هذا المصير المظلم إلا بفضل خطط التحفيز التي اقرتها حكومات دول كثيرة تمتد من كندا الي البرازيل وروسيا وكوريا الجنوبية حيث سارعت هذه الحكومات الي تقديم سيولة نقدية ساعدت في الحفاظ علي استمرارية الانتاج وخطوط التجميع.
 
واستفادت شركات صناعة السيارات باكثر دعم قصير الاجل حيث قدمت  الحكومة دعما ماليا مباشرا في اطار خطط الانقاذ او بدعم غير مباشر في صورة حوافز مقدمة للمشترين في حالة استبدال سيارات قديمة بأخري حديثة غير مضرة بالبيئة، وذلك بقيمة 0016 مليار دولار، لحثهم علي الشراء في اعقاب انهيار مبيعات السيارات منذ اكتوبر الماضي.
 
وساعدت هذه الاموال في الحفاظ علي الوظائف، كما انها حالت دون انهيار هذه الصناعة التي تساهم في استقرار الاقتصاد.

 
وبدأت مصانع السيارات التابعة لشركة »جنرال موتورز« في شمال اسبانيا انتاج سيارات تعادل العدد الذي كانت تنتجه قبل اندلاع الازمة، وزاد الطلب علي سيارات اوبل كورسا بسبب برامج التحفيز الموجهة للمستهلكين.

 
وزاد الطلب علي سيارات من طراز »فيات باندا« و»رونليت كليو« لدي اصحاب السيارات من اصحاب الدخول المحدودة الراغبين في الاستفادة من الحوافز التي تقدمها الحكومة نظير استبدال سياراتهم القديمة بسيارات أخري جديدة صديقة للبيئة وزاد الناتج الشهري من السيارات من 12000 الي 35000 سيارة بنسبة %300 منذ ان اعلنت الحكومة الألمانية خطتها لتقديم حوافز نقدية بقيمة 2500 يورو في شهر يناير الماضي.

 
ولم يعد الغموض يكتنف مستقبل شركة »أوبل« مثلما كان الحال مطلع العام الحالي بعد استفادتها من خطط التحفيز الحكومية.

 
ففي الشهر الماضي عندما كانت »جنرال موتورز« تستعد للتقدم بطلب الافلاس وحمايتها من الدائنين في الولايات المتحدة شعرت انجيلا ميركل المستشارة الالمانية بخطورة امتداد الافلاس الي »اوبل« التي هي فرع »جنرال موتورز« في المانيا فسارعت بتقديم قروض سريعة لانقاذ الشركة من الانهيار.

 
وساعدت الحوافز الحكومية المقدمة للمستهلكين علي تحفيز الطلب لكن هذه الاجراءات كانت لها آثار جانبية تمثلت في زيادة التحول نحو السيارات الاصغر حجما، فتصاعدت لذلك شكوي الشركات المنتجة للسيارات الاكبر حجما والاكثر رفاهية التي تضرر اصحابها من زيادة الطلب علي السيارات الصغيرة علي حساب الكبيرة.

 
ويلاحظ مارك فيولثورب الخبير الاقتصادي في شركة CSM الاستشارية زيادة الاقبال علي شراء السيارات الصغيرة خلال الفترة الاخيرة.

 
وتنوعت الحوافز التي تقدمها الدول فقدمت فرنسا لمشتري السيارات صديقة البيئة حافزا كبيرا يبلغ 5000 يورو، بينما اكتفت بريطانيا بتقديم حافز يبلغ 2000 يورو بغرض تفادي الاضرار بالشركات المحلية مثل شركة »جاجوار« و»استون مارتن« و»بنتلي«.

 
واستفادت بالحافز الذي قدمته الحكومة الالمانية شركات مثل VW و»اوبل« وكذلك شركات عالمية لها فروع في المانيا مثل شركة »فيات« و»بيجو« و»ستروين« و»رونولت« بينما لم تستفد منه شركات المانية شهيرة مثل »بي ام دبليو« و»مرسيدس«.

 
ويحذر بعض المحللين محدودية المكاسب التي حققتها الحوافز ويتوقعون تراجع المبيعات مجددا بعد انتهاء الفترة المحددة لتقديمها.

 
ونجحت الحوافز من ناحية اخري في الحيلولة دون اغلاق اي مصنع لانتاج السيارات بشكل دائم في اوروبا وتضررت من الازمة شركتان هما »جنرال موتورز« و»كرايسلر« وتقدمتا بطلب افلاس لكنهما حصلتا علي دعم حكومي من ادارة الرئيس اوباما بقيمة 60 مليار دولار.

 
ولمواجهة هذه الازمة تدرس شركات منها »بي ام دبليو« و»دايملر« وغيرهما سبل المشاركة في خفض النفقات في اقسام المشتريات والبحوث والتطوير، بينما لم يتم ابرام سوي اندماج واحدة فيما بين »فيات« و»كرايسلر« الشهرالحالي، ولم يتسن تنفيذ رغبة مارتشياني الرئيس التنفيذي لشركة »فيات« في ابرام صفقات استحواذ اخري مع شركة »ساب« و»اوبل« واقامة شركة واحدة بحجم شركة »فولكس فاجن«.

 
واورد المراقبون حالات اخري شهدت تدخل الحكومات لانقاذ هذه الصناعة واشاروا الي انجاح اصحاب الشركات في هذه الازمة مثلما نحجوا سابقا في اقناع الحكومات بضرورة الحصول علي معاملة خاصة وتذكيرها بالانعكاسات السلبية المترتبة علي انهيارها لكونها تساهم بقسط وافر من الصادرات القومية، ولان كل وظيفة يتم التخلص منها يترتب عليها فقدان من 6 الي 8 وظائف في الصناعات المغذية.

 
وتركزت جهود الحكومات في هذه الازمة علي دفع الشركات نحو الحفاظ علي العمالة.

 
ففي فرنسا طلبت حكومة نيكولا ساركوزي في فبراير الماضي من شركتي »بيجو« و»رينو« الابقاء علي الوظائف ومواصلة الانتاج نظير الحصول علي دعم بقيمة 6 مليارات يورو. وتتعرض الشركتان لخسائر ضخمة ويطالب البعض بدمج الشركتين سويا، لكن ساركوزي حصل علي تعهد من الشركتين بعدم اللجوء لتسريح العمالة بشكل اجباري.
 
ووضعت المانيا كذلك علي رأس اولوياتها الحفاظ علي الوظائف في المحادثات التي اجرتها مع شركة »جنرال موتورز« بشأن بيع حصة حاكمة في شركة »اوبل« لكونسورتيوم بقيادة شركة »ماجنا« انترناشيونال الكندية وارجع كثير من المحللين اخفاق صفقة استحواذ »فيات« علي »اوبل« الي موقف مارتشياني المدير التنفيذي لشركة »فيات« من العمالة، حيث ابدي عدم استعداده للابقاء علي ما يتراوح بين 8000 و9000 عامل ومنع اغلاق مصنع تابع للشركة في جنوب شرق المانيا.
 
واشترطت ادارة الرئيس اوباما اعادة هيكلة الشركات الخاسرة نظير حصولها علي دعم غير مسبوق من الحكومة ووجدت شركة »جنرال موتورز« في هذا الاطار نفسها مجبرة علي تقليص عملياتها والاستغناء عن اربع ماركات تجارية واغلاق 14 مصنعا حتي عام 2012 والتخلص من 50000 وظيفة العام الحالي فقط.
 
كما لعبت اللجنة التي عينتها الحكومة الامريكية للاشراف علي عمليات اعادة الهيكلة دورا مهما في ابرام تحالف فيما بين »كرايسلر« و»فيات«.
 
يتضح من هذا ان الولايات المتحدة لا تضع الحفاظ علي العمالة في صدارة اولوياتها مثلما هو الحال في اوروبا، فشركات مثل »جنرال موتورز« و»فورد« و»كرايسلر« اعتادت التخلص من العمالة حتي قبل اندلاع الازمة، وتعهد الرئيس اوباما بعدم التدخل بشكل فج في ادارة شركة »جنرال موتورز« رغم ان الحكومة ستستحوذ بموجب الاتفاق علي %60 من اسهمها وكندا علي %12 بعد خروج الشركة من حالة الافلاس.
 
لكن بعض منتقدي سياسات الادارة الامريكية يحذرون من سيطرة الحكومة بشكل كامل علي الشركة ويؤكدون ان الحكومة ستجد نفسها مجبرة للتدخل في قرارات تتعلق بالمصانع والنماذج لضمان تكبد اقل تكلفة في الانتاج وتحقيق اكبر كفاءة في التشغيل.
 
ورغم ان رفض »فورد« الحصول علي دعم حكومي سيؤدي علي المدي القصير الي تحسين صورتها فإنه قد يضر بها علي المدي البعيد خصوصا اذا برزت منافسة قوية من شركتي »جنرال موتورز« و»كرايسلر« في حالة تحسن اوضاعهما بفضل الدعم الحكومي.
 
وبرزت في هذه الاثناء انتقادات بخطط التحفيز الحكومية الموجهة الي قطاع السيارات فقط حذر جون فليمنج رئيس فروع شركة فورد في اوروبا الشهرالماضي من ان خطط التحفيز المقدمة لشركات مثل »اوبل« و»بيجو« و»رينو« تجعلها في موقف تنافسي ضعيف مع الشركات الاخري لان القروض التي قدمتها الحكومة الفرنسية مثلا قد ادت الي زيادة التوتر داخل الاتحاد الاوروبي، داعيا الاتحاد الي تشديد قواعد تقديم هذه القروض.
 
ويخشي من ناحية اخري ان تؤدي الحوافز الحكومية المقدمة للمشترين للتسبب في وقوع آثار سلبية غير مقصودة، منها الاحتياج الي فترة قبل اتمام عمليات اعادة الهيكلة.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة