بنـــوك

ماجدة بركة القصور الديمقراطى


لماذا - برغم الديمقراطية - تثور حركات : احتلوا فى وول ستريت، وميدان الشمس فى إسبانيا وحول العالم تعبر عن أن مصالح الـ 99 بالمائة غير معبر عنها؟ ولماذا فى عالمنا الثالث أتت الانتخابات ببرجوازية إخوانية تجارية لا تعبر عن مطلب الثورة فى العدالة الاجتماعية وتعتبر مطالب المظلومين والعمال مطالب فئوية رغم أن التمهيد لثورة 25 يناير أتى عقب تكاثف مئات الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والإضرابات، بل حسم أمر التنازل عن السلطة نفسه ببدء إضراب عمال قناة السويس والتهديد بإضراب عام شامل؟ السؤال هو : إذا كانت الأغلبية لها حق التصويت، فلماذا لا تأتى بمن يعبر عن مصالحها؟ !

 

هناك العديد من محاولات الإجابة . لا أتفق بداية مع من يتهمون الشعب المصرى بالجهل وبعدم الاستعداد للديمقراطية قبل أن تمحى أميته، فلا الفلاح الفرنسى الذى تلقى حق التصويت فى القرن التاسع عشر كان متعلماً، ولا الفلاح الهندى الذى يصوت فى أكبر ديمقراطية فى العالم من حيث التعداد السكانى، بأفضل حظاً من نظيره المصرى من حيث التعليم، حيث تبلغ نسبة الأمية فى الهند 35 بالمائة من سكانها .

 

وعلى الجانب الآخر، فإن التعليم والحريات السياسية فى الغرب لم تمنع من الشعور الذى أشرنا إليه آنفاً بأن فى الديمقراطية وجه من أوجه القصور الذى لا يجعلها تعبر عن مصالح غالبية المواطنين، وتتآكل عضوية الأحزاب التقليدية بشكل لافت للنظر قياساً بالحركات الجديدة الاحتجاجية والأحزاب الأحدث التى تخصم من رصيد الأحزاب اليسارية نفسها وتعد نوعاً من اليسار الجديد مثل حزب الخضر على وجه الخصوص .. هذا فى وارد الدفاع عن أن القصور هو فى الغالب فى الآلية الديمقراطية نفسها وليس العيب فى الشعوب المتعلمة فى الغرب أو الأقل حظاً من التعليم فى الشرق بعربه وعجمه .

 

ليس من السهل بالطبع أن تطالب نظاماً لا بديل متبلوراً له، بأن يصلح من نفسه فى غيبة وجود ضغظ من نموذج بديل ذى قوة أو جاذبية . لكن المشكلة هى أن هذا النموذج الذى يبدو أوحداً يمر بأزمة حقيقية . فى 2008 شهد الغرب انهيار النظام المالى فى أزمة الديون العقارية، وكانت ديوناً ذات طبيعة خاصة، وشركات وبنوك استثمارية خاصة، فى 2011 شهد العالم أزمة الديون العامة فى الولايات المتحدة وأوروبا، حيث هدد شبح إفلاس اليونان بخروجها من منطقة اليورو مع مخاوف من أن تتبعها إسبانيا وإيطاليا . تبدو الأزمة اقتصادية بحتة لكن وجهها السياسى يطل فيما ذكرناه من تآكل العضوية الحزبية وصعود الحركات الاحتجاجية والتطرف على جانبى اليمين واليسار . دروس التجربة التاريخية تنبئنا بأن أزمات الغرب الاقتصادية فى الكساد الكبير فى الثلاثينيات من القرن العشرين أسفرت عن صعود النازية والفاشية، و بالطريق الديمقراطى .

 

من حسن الطالع بالنسبة للغرب أن أزمته هذه المرة ليست بقسوة أزمته فى الثلاثينيات من القرن الماضى ثم إن ما تعلمه من مآسى تجربتيه النازية والفاشية ما زال عاصماً له من انزلاق سريع فى مثل هذا المنحدر . السؤال هو كم نحن معصومون، فى ظل ظروف اقتصادية أصعب كثيراً وقصور فى الآلية الديمقراطية لم تجد له الإنسانية حله المبتكر بعد، من السقوط فى فخ شكل من أشكال الفاشية أو النازية الدينية المحمولة على المحفة الديمقراطية إلى ذرى الحكم؟

 

المخاطر جسيمة وماثلة، لكن من الخطأ الاستسلام للشعور بأن الثورة قد هزمت بسرقتها من جانب الإسلاميين من جانب وبعودة تدريجية لقوى الثورة المضادة من جانب آخر . هؤلاء لن يقدموا حلولا لما قامت الثورة احتجاجاً عليه، غايتهم أن يقولوا إما أنه ثبت أنه لم يكن بالإمكان أبدع مما كان، أو أن الثورة كان مطلبها الرئيسى ديمقراطيا وقد تحقق المطلب بالانتخابات وقُضى الأمر .

 

أتفق مع من يرون أن الشعب لم يعط الإخوان المسلمين سوى تفويض بالحكم خلال المرحلة الانتقالية، بعد وضع الدستور ينبغى أن تشهد البلاد انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة على السواء . يمكن لانتخابات ما بعد الثورة أن تأتى بأى أغلبية لكن من العار بعد الثورة المصرية أن يأتى دستور يحد من حقوق المواطنة الكاملة لأى مواطن مصـرى - الأقباط قبل المسلمين، والنساء قبل الرجال - بأى ذريعة دينية (عملاً بحكمة صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يشفى ..) ، ومن العار أن نقبل بالانتخابات فى الرئاسة ثم نرفضها فى اختيار المحافظين، وأن نقبل بأن يجدد مجلس الشورى نفسه بمسميات جديدة وهو مجلس يكلف أمة لا تتسم بالثراء أموالاً طائلة لا طائل من ورائها . إن دستوراً لا يتبنى مبادئ الثورة جدير بأن نقول له : لا بملء الفم، ثم علينا من بعد أن نشارك فى الجهد الإنسانى العالمى نحو إصلاح الديمقراطية وتجديدها وعلاج قصورها لكى تصبح أكثر تعبيراً عن الغالبية الأجدر بالعناية .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة