لايف

تصدير التهييس


كنت أتصور أننا بدعنا التهييس، ومنذ شهور وأنا انتقد ما وصل إليه حال البلاد من خلط بين النكات والحقائق فأصبحت الحقائق نكاتا والعكس، لكنى صدمت عندما أدركت أن هذه الظاهرة لا تخصنا وحدنا وأن حتى أمريكا تشهد ظاهرة البرلمانيات المهيسات، فقد تفوقت عضوة الكونجرس الجمهورية ميشيل باتشمان على أكثر برلمانيينا /وبرلمانياتنا إثارة للضحك المبكى وللسخف الموجع لكنه للاسف يبكينا ويوجعنا نحن أكثر من الأمريكيين .

فخرجت عضوة الكونجرس عن مينيسوتا على الامريكيين بتعهد قوى بانها لو احتفظت بمقعدها فى الانتخابات المقبلة ستوصى على الفور بمنع تقديم الفلافل (الطعمية يعني ) فى المدارس الأمريكية . والسبب الذى ساقته البرلمانية المخضرمة عندما سألها المذيع فى حوار تلفزيونى هو ببساطة أن «الفلافل هى المدخل .. يبدأ الأمر بالفلافل وبعدها قد يصل للشاورمة ».

ليست هذه نكتة، فهذا ما قالته باتشمان فعلا بعد أن رفعت عقيرتها منددة «بالأطعمة الجهادية » ومنذرة بمنع تقديمها فى المدارس لكنها لم تصل إلى حد التهديد بفرض حظر شامل على أطعمة العرب الارهابيين فهى فى دولة متحضرة تحترم حقوق المواطنين الراشدين فى اختيار طعامهم أما الأطفال فيجب فى نظرها التحكم فيما يأكلون «لأنك قبل أن تدرك ما يحدث ستجدهم ينتقلون من الطعمية إلى الشاورمة ثم يبدأون فى سماع الموسيقى الإسلامية ثم قراءة القرآن وبعدها يدبرون هجمات على البلاد ».

يبدو أن المذيع الذى كان يستضيفها على الهواء ضحك عندما وصل الأمر بعضوة الكونجرس الجمهورية إلى القول بأن انتشار الأطعمة العربية فى المدارس الأمريكية قد يكون قرينة على مؤامرة على أعلى مستوى، وأضافت : «لا أملك دليلا على أن الرئيس أوباما يجبر أطفالنا على تناول الأطعمة العربية ... لكن ذلك يتفق بالتأكيد مع أسلوبه ».

الحقيقة أن هذه النكتة بالذات مبكية بقدر ما هى مضحكة، ليس فقط لأنها تؤكد وجود الهيافة والتهييس حتى بين الساسة الأمريكيين ولكن لأنها تشير إلى مسئوليتنا المخجلة - من واقع تهييسنا المحلي - عن نقل صورة عن ثقافتنا تصل إلى هذا الحد من الفكاهة .

نعم الهيافة تصدر ونحن نصدر هيافاتنا وسخافاتنا وتهييسنا على شكل صورة ذهنية نرسمها فى أذهان سكان العالم الخارجى عنا ثم نبكى من الاضطهاد والعنصرية، فكيف سيرانا العالم وتتحدث عنا عضوات برلماناته إذا كانت عضوات برلماننا المنحل منهن من كانت تحث النساء على القيام بأعمال تناسبهن «مثل التطريز » وهى نفسها التى قالت ذات يوم «أحث   الحكومة على بحث السجل الاجرامى للشهداء » وهى أيضا التى نسب لها الدعوة بتعديل قانون معاقبة المتحرش لأن المتحرش بها هى المسئولة .

لأ ابرئ البرلمانية الأمريكية من العنصرية ولكنى لا ابرئ الساسة العرب والمسلمين - من أمثال برلمانيتنا - من المسئولية عن هذه الصورة الذهنية التى نكرسها يوما بعد يوم فى أذهان العالم الخارجى بأفعالنا وأقوالنا .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة