لايف

إحياء فن المونولوج‮.. ‬علي الطريقة الأمريگية


كتبت ــ زينب الشرقاوي:
 
العلاقة بين الأبناء والآباء.. قضية التعليم.. التحرش الجنسي.. كل منها يمثل عينة من القضايا التي يطرحها مجموعة من الشباب بشكل كوميدي ساخر من خلال عروض ما يعرف بـالستاند آب كوميدي »Stand up comedy « أو »الكوميديا علي الواقف«، وهو القالب الفني الذي كانت المال أول من رصد ظهوره في مصر منذ أكثر من شهرين، والذي أخذ ينتشر بعد ذلك وأصبح له عدد كبير من الممارسين..

 
 
وقد بدأ ظهور الفن لاول مرة في مصر في عام 2007 علي خشبة مسرح الجامعة الكندية في حفل الخريجين، تلي ذلك اقامة عروض عديدة له بالمراكز الثقافية، وكان أشهر من مارسوه في مصر مجموعة من الشباب الذين عاشوا في الخارج، أشهرهم روني خليل الكوميديان الأمريكي من أصل مصري، ومصطفي هاشم.. وغيرهما، وقد صاحب انتشار الستاند آب كوميدي مجموعة من الانتقادات من قبل البعض، نرصدها خلال السطور المقبلة.
 
ويروي مصطفي هاشم بداياته مع الاستاند آب كوميدي، فيقول إنه طلب من صديق له يملك مطعماً صغيراً في وسط البلد ان يسمح له بتقديم فقرة ستاند اب كوميدي بمطعمه نهاية العام الماضي وذلك بعدما سمع عن هذا الفن واعجب به من صديقة امريكية، ومن أجل الصداقة لا غير قبل صديقه دون ان يعلم شيئاً عن هذا الفن، فقام هاشم بتقديم عرض شهري يتحدث خلاله ارتجاليا مع الجمهور في محاولة لإضحاكهم ولكن دون اطلاق النكات السريعة أو الغناء الفكاهي مثلما يفعل المونولوجست.
 
واعتبر مصطفي ان الستاند آب كوميدي فن صعب للغاية لاعتماده علي لغة جسد الممثل وعلي التحدث للجماهير بشكل طبيعي في موضوع واحد - أو موضوعات متعددة ولكن بشكل مترابط، تعتمد علي ما يسمي بالـPunch line أو القفشات لاخراج الضحك من الجماهير، ولابد ان يكون مقدم العروض ذو عقلية يقظة تمكنه من الارتجال السريع والانتقال من موقف لآخر بحسب رد فعل الجمهور دون التأثير علي الموضوع الرئيسي للعرض.
 
وعلي الرغم من ان مصطفي رأي ان هذا الفن معقد جدا فإنه عاد ليعترف انه لا يري عيبا في كونه بديلا لاحياء المونولوج الكوميدي الذي اشتهر في منتصف القرن الماضي علي أيدي إسماعيل ياسين وشكوكو، وثريا حلمي، خاصة وقد بدأ هذا النوع من الفن في الاندثار، كما ان عودته بالصيغة القديمة ليست مناسبا نظراً لأن الجمهور أصبح يمل النص والافيه الثابت، أما عروض الستاند اب كوميدي فلها نكهة مميزة خاصة ان نفس الموضوع يعرض باكثر من شكل، وبالتالي تتغير الافيهات بتغير الجمهور.
 
من جانبه أوضح عادل محفوظ أحد المشاركين بعروض الستاند اب، أنه فن معروف منذ زمن في الغرب، ولكنه يقدم الآن في مصر بقالب شرقي، موضحا ان هذا الفن يقوم علي التعبير عن موقف شخصي وزاوية يتفق عليها فريق العمل بشرط ان تكون ذات قالب هزلي تقوم علي الارتجال والتواصل مع الجمهور، فلا يوجد نص مكتوب، لذا فقد يختلف نفس العرض من مسرح لآخر، ومن جمهور لآخر، لاعتماده علي التفاعل الشخصي.
 
واعتبر محفوظ ان عدم دراسة كثير من الممارسين له اكاديميا مشكلة كبيرة، وهو ما يجعل عددا من التجارب التي قدمت تبدو ساذجة، خاصة ان إضحاك المشاهدين ليس سهلا كما يعتقد البعض، موضحا انه يحتفظ بمسجل صوتي يدون به اهم ملاحظاته اليومية عن المواقف الاجتماعية التي تصلح للستاند اب كوميدي ويقوم بتخصيص وقت لاعادة كتابته باسلوب كوميدي مثل مواقفه مع سائق التاكسي، والزحام المروري، وهوس عمليات التجميل للفتيات،وحلم الهجرة للشباب، حيث يمكن أن يعتمد هذا الفن أحداثاً حزينة أو مؤسفة واظهار جانب المفارقة فيها والمبالغة في ذلك لتكون أكثر اضحاكا.
 
أما المونولوجست حمادة سلطان فقد رفض اعتبار الستاند اب كوميدي تطورا للمونولوج وما يصاحبه من فن القاء النكات المصرية الشهيرة، مؤكدا ان النوع الأخير له نكهة مصرية وملامح خاصة لا يمكن استبدالها بملامح أخري تحت مسمي التطور، معتبرا ان الستاند أب كوميدي لا طعم له وإنما هو تشويه للفن المصري الذي يقوم علي الارتجال والنكتة والتواصل المباشر مع الجمهور وجها لوجه، وأضاف سلطان: شاهدت احد العروض بساقية الصاوي وشعرت بانها استخفافا بعقل الجمهور ولا يحمل رؤية فنية حقيقية، مشبها اياه بما يتم من تغريب للموسيقي الشرقية عبر المكساج من خلال ادخال ايقاع وتيمات موسيقية غربية، فالمونولوجست كما يصفه سلطان يقوم بتمثيل مشهد كوميدي مكتوباً أو مرتجلاً أما عروض الستاند اب كوميدي فهي فاقدة الهوية والطعم لعدم تناسبها مع الجمهور المصري وطبيعته.
 
من جانبه، اعتبر الناقد المسرحي عمرو دوارة ان فكرة الستاند اب كوميدي فكرة جيدة الا انها تتعرض لكثير من الهجوم في مصر نظرا للتعامل معها بسطحية، موضحا ان الكوميديا دائما ما تغضب طرفا ما - إما النقاد أو الجمهور - وهو ما يحدث مع الستاند اب كوميدي لانها تلامس مناطق الغباء والهزلية في الحياة الروتينية المعتادة التي لم تعد تلفت انتباهنا من اعتيادنا عليها، وعندما يسخر الفنان منا يحدث احد أمرين إما أن نضحك عليه أو نغضب منه.
 
وعن بدايات هذا الفن، أكد دوارة انه برز بشكل كبير في الولايات المتحدة بعد أن كان مجرد أسلوب موجود في المسرح، أما الأساليب الحديثة منه فيقوم فيها الممثلون بايهام الجمهور بأدوارهم ويتحدثون إليهم مباشرة سواء كان ارتجالا أو مخططا في النص وهو ما يعرفه المتخصصون في المسرح بإزالة الحائط الرابع بين الممثلين والمشاهدين، ويقدمون نوعا من الكوميديا المباشرة دون الاستعانة بالدراما، إضافة الي اعتماد برامج كثيرة من التوك شو الامريكية عليه خاصة المتميزة بخفة الظل مثل late Night show الذي يقدمه ديفيد ليترمان، وفي مصر هناك برنامج شهير يقلده مثل نشرة الخامسة والعشرون وشخصية اكرم حسني.
 
وأكد الناقد المسرحي حسين عبد الرازق ان هذا الفن الحديث لاعلاقة له بالمونولوج المسرحي، فبداياته كانت في عشرينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة مع عروض الرجل الواحد علي المسارح والذي كان يقدمه ممثل مسرحي بمفرده قبل بداية حفل موسيقي، وفي الخمسينيات والستينيات تطور هذا الفن الي فقرات خاصة انتقلت إلي النوادي الليلية والمطاعم، وفي الثمانينيات حدث رواج لفن الستاند اب كوميدي خاصة مع انتشار نوادي كوميديا في جميع الولايات وبشكل مكثف في نيويورك لينتقل لباقي الدول الأوروبية.
 
واعتبر عبد الرازق ان فنان الـستاند آب كوميدي هو فنان شامل لانه يكتب ويخرج ويمثل ويرتجل في آن واحد، وعادة ما يتطرق للقضايا الاجتماعية الكبري كما يحدث في امريكا عندما نراه يهتم بالاقليات والسخرية من رؤساء امريكا وسياستهم.
 
وأكد عبد الرازق ان هذا الفن لم ينتقل لأي دولة عربية حتي الآن سوي مصر وذلك من خلال عدد من الشباب الذين عاشوا في أمريكا واختلطوا به وقرروا ان يقوموا بالتجربة ولكن علي النمط المصري، مؤكداً ان الهجوم علي هذا الفن في مصر لا يمنع من كونه تجربة مهمة ستتطور مع الخبرة والانتشار وسيكون لها مذاق مصري مميز.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة