اقتصاد وأسواق

ألمانيا تبحث عن بدائل لإنقاذ الاقتصاد من الانكماش


نهال صلاح
 
تعتقد ألمانيا رغم مرورها بأزمة تدهور ضخم لحجم صادراتها أنه لا بديل لاقتصادها عن النمو الذي تقوده الصادرات، ولكن المحللين الاقصاديين يرون أن هناك بدائل أخري، لكن المانيا ليست قادرة علي تحم ل التغييرات التي تتطلبها تلك البدائل.

 
وتعرضالناتج المحلي الاجمالي لألمانيا للهبوط بما يقرب من %7 خلال العام الماضي متأثراً بشكل كبير بانخفاض الصادرات، وأحد الدروس المستفادة من هذه الأزمة هو أن الأسوأ من انفجار فقاعة الائتمان، مثل التي تعاني منها الولايات المتحدة، هو الاعتماد علي عملاء يمرون كذلك بمرحلة انفجار لفقاعة الائتمان لديهم، فعندما تشكل الصادرات %47 من حجم الناتج المحلي الاجمالي الألماني  فإن هبوطها في الربع الأول من العام الحالي بنسبة %17 بالمقارنة بالربع الأول من العام الماضي يؤدي إلي تأثيرات سلبية من شأنها القضاء علي سنوات من النمو الاقتصادي الذي تحقق في السابق في لحظة مفاجئة.
 
ووفقاً لجريدة وول ستريت جورنال فإن هناك ثلاث طرق يمكن لألمانيا رابع أكبر اقتصاد في العالم من خلالها الاستجابة لأزمة هبوط الصادرات.
 
في مقدمتها الانتظار حتي تتحسن الأوضاع التجارية العالمية وهذا هو ما تخطط لعمله حكومة المستشارة الألمانية انجيلا ميركيل ومعظم الشركات الألمانية، فمن وجهة نظرهم أن هذا الركود هو عبارة عن كبوة دورية ضخمة، ولكن أساسيات الاقتصاد الألماني تتسم بالمتانة والقوة.
 
والمدافعون عن الوضع الحالي يقولون إن اعتماد المانيا علي التصدير يعكس مزاياها التنافسية، حيث تتفوق في مجال الصناعات الهندسية، في الوقت الذي تحتاج فيه الدول ذات النمو السريع مثل الصين إلي الكثير من الماكينات الجديدة.
 
ولذا فإن الحكومة الألمانية تقوم بدعم مدفوعات رواتب العاملين بالشركات للحفاظ علي قوتها العاملة ومهاراتها حتي تبدأ الدول المستوردة الانفاق مرة أخري علي الصادرات.

 
وتقول جريدة وول ستريت جورنال إن هناك عيوباً لكون المانيا »صانعة ماكينات وأجهزة العالم«، فالانفاق الاستثماري العالمي يمكن أن يتسم بالتقلب الشديد كما يظهر من خلال الركود الحالي.

 
فهناك شكوك حول ما اذا كانت الصادرات الالمانية ستحقق نمواً بنفس السرعة التي شهدتها خلال الأعوام السابقة بعد الأزمة الحالية، ويرجع ذلك إلي أن الولايات المتحدة من بعض الدول الأوروبية ستتجه لزيادة ادخارها وخفض استهلاكها لفترة من الوقت.

 
كما أن معدل التوظيف في قطاعات التصدير الرئيسية بالمانيا، التي تضم صناعة الماكينات والسيارات والصناعات الكيماوية، يعاني من انخفاض طويل الأمد مع تخفيض الشركات نفقاتها والتحويل المنتظم للإنتاج إلي دول ارخص في التكلفة للبقاء في حلبة المنافسة.

 
وأضافت الصحيفة أن الطفرة التي حققتها الصادرات الألمانية في السنوات الآخيرة قد تكون آخر حلقة من سلسلة النشاط التي توفرت لقاعدة التصنيع بألمانيا وبرزت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 
أما الخيار الثاني وفقاً للصحيفة فهو زيادة الاستهلاك المحلي، بعد أن جاءت المنافسة التصديرية علي حساب الإنفاق الاستهلاكي في السابق، وتقول النقابات العمالية إن السبب في ذلك هو أن الشركات الألمانية امتنعت عن زيادة رواتب العمال علي مدي سنوات، فالدخول المتاحة للإنفاق بالقطاع العائلي ارتفعت بالكاد خلال فترة التعاظم في النمو الاقتصادي التي شهدتها ألمانيا فيما بين 2005 و2008، عندما ارتفع الناتج المحلي الاجمالي بنسبة %7 تقريباً، وبخلاف الأمريكيين، فإن المستهلكين الألمان لا يفضلون القيام بعمليات شراء بواسطة بطاقات الائتمان للتعويض عن دخولهم الراكدة ولكن الصعوبة تكمن فيما يمكن فعله حيال هذا الهبوط في الأجور.

 
وترغب النقابات العمالية الألمانية في احياء النمو في الأجور من الحكومة ووضع حد أدني لها علي مستوي البلاد، وأيضاً إلزام القطاعات بمعدلات الأجور التي تقوم النقابات بالتفاوض بشأنها.

 
ولكن رفع الأجور من خلال إجراءات منظمة يمكن أن يؤدي للإضرار بعمليات التوظيف للعمال الأقل مهارة، والتوظيف هو المفتاح الرئيسي للاستهلاك.. وذكرت الجابارتسك ، الخبيرة الاقتصادية لدي فرع بنك مورجان ستانلي في لندن أن الاشخاص الذين يحصلون علي وظائف أو يخسرونها فإنهم يضطرون لتغيير نمط إنفاقهم أكثر من الأشخاص الذين يحصلون علي زيادة في أجورهم.

 
أما الخيار الثالث فيخص تشجيع الاستثمارات في قطاعات جديدة لتكملة النمو القوي التقليدي لألمانيا في السيارات والصناعات الهندسية، فلقد اهملت ألمانيا بشكل كبير تنمية العديد من الصناعات في قطاعات الخدمات والمعلومات التي تدعم من قوة النمو في مناطق أخري مثل صناعات أجهزة الحاسب الآلي والسوفت وير والأدوية والتكنولوجيا الحيوية.

 
وذكر ادام بوسين، نائب مدير مؤسسة بيتير سون للاقتصادات العالمية في واشنطن أن ألمانيا خلقت مزايا تنافسية لها في صناعة الماكينات والسيارات الفاخرة مثل سيارة BMW خلال فترة الستينيات ولكنهالم تجد الكثير من المزايا منذ ذلك الحين.

 
وأضاف بوسين أن السياسة العامة لألمانيا والنظام المصرفي الذي تسيطر عليه الدولة يركز علي دعم الشركات الموجودة بالفعل بدلاً من الشركات الجديدة.
 
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن المانيا تحاول تعزيز النمو في قطاعات جديدة فالدعم الحكومي جعل البلاد رائدة في مجال الطاقة الشمسية، ولكن ألمانيا حلت في المرتبة قبل الأخيرة من حيث عدد الأعمال التجارية الجديدة في، مسح اجري من جانب »جلوبال انتريبر نيورشيب مونيتور«، وهي مؤسسة عالمية للأبحاث، وشمل 18 دولة متقدمة اقتصادياً وأظهر المسح أن بلجيكا احتلت المرتبة الأخيرة بعد ألمانيا في الأعمال التجارية.
 
وقالت دراسة حديثة أجراها مستشارون لدي ماكينز آند كامباني إن ألمانيا يمكنها مضاعفة متوسط نموها الاقتصادي  إلي %3 في العام، اذا اهتمت بجدية تنمية الصناعات الجديدة من القطاعات التي تعتمد علي الأبحاث إلي الخدمات المقدمة للعدد المتزايد من المستهلكين من فئة كبار السن، وحذر التقرير من أنه دون مثل هذه الجهود فإن مستويات المعيشة بألمانيا ستنخفض نسبياً بالمقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخري.
 
وأشار المحللون الاقتصاديون إلي أن تنويع الاقتصاد الألماني سيتطلب إجراء اصلاحات داخل كل من الجامعات الألمانية والنظام المصرفي وأسواق رأس المال والنظام البيروقراطي وأنظمة الضرائب، بالإضافة إلي سوق العمالة وقوانين الهجرة.
 
ومن غير المرجح حدوث مثل هذه الاصلاحات قريباً، فالبلاد تشعر بالارهاق من الإصلاحات التي تم إجراؤها علي مدي سنوات من التغييرات المثيرة للجدل لتخفيض العجز في الموازنة والبطالة طويلة الآجل، وحافظت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل علي شعبية واسعة النطاق خلال ولايتها الأولي التي استمرت أربع سنوات عن طريق تأكيدها للمواطنين الألمان بأن الحكومة لن تسبب لهم المزيد من الإزعاج بالتغييرات المبالغ فيها.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة