استثمار

من تراب الطريق‮ !‬ المعايرة الضريرة !


 

كان من حظى أن عشت خمسة عهود، حضرت الملكية من سن الطفولة الغض، حتى الرابعة عشرة، حين قامت ثورة يوليو 1952 ، فعاصرت مراحلها الأولى التى بدأت باللواء أركان حرب محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية المصرية، وجرت محاولات طمسه من التاريخ وكأنه لم يكن، وثنت بالزعيم الرئيس جمال عبد الناصر الذى عشت عهده ما بين آخر المرحلة الثانوية، وفترة الجامعة، وبداية المحاماة سنة 1959 ، ثم سنوات بالقضاء العسكرى بالقوات المسلحة، عاصرت فيها حرب 1967 ، ثم سنوات الصمود ثم الاستنزاف ثم الردع، وما تخللتها من محاولات دءوبة مخلصة لجمال عبد الناصر لإعادة بناء القوات المسلحة، حتى لا قى ربه فى سبتمبر 1971 ، ليبدأ عهد آخر تولاه أنور السادات حتى اغتياله بمشهد درامى فى 6 أكتوبر سنة 1981 ، أثناء العرض العسكرى بمناسبة حرب أكتوبر ـ المجيدة رغم أنوف، وكنت فى ذلك التاريخ قد عدت منذ آخر 1976 إلى صفوف المحاماة، فعاصرت طوال عهد الرئيس السابق محمد حسنى مبارك، إلى أن أعلن ـ تحت ضغط الثورة ـ تخليه عن منصبه فى 11 فبراير 2011 ، ثم عاصرت أحداث الثورة، وما انتهت إليه من سيطرة الإخوان المسلمين على المشهد وعلى معطيات الثورة، بعد إزاحة الثوار إلى خارج المشهد، وليكتمل الاستحواذ الإخوانى بإعلان الدكتور محمد مرسى رئيسا للجمهورية على حساب منافسه الفريق أحمد شفيق ؛ على تفاصيل ليست مرامى ولا مقصدى الآن .

 

موضوعى اليوم، هو المعايرة الضريرة، والمعايرة من عَيّر، نسبة إلى العار، وتعنى قَبَّحَ عليه فعله، فَيُقال عَيّره بجهله أو بعاره أو بتاريخه الأسود .. وهكذا . وأول ما كانت المعايرة التى أقصدها، فى عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حين شجعتنا طاقة الحرية التى فتحها، على أن نتحدث بما نريد، أو ببعض ما نريد، ناقدين أو مطالبين بالمزيد، يومها طفق حملة مباخر النظام يعايروننا بأننا كنا لا نستطيع أن ننبس ببنت شفة فى عهد عبد الناصر، فما بالنا وقد مُنِحْنَا ما لم نُمْنحه سلفاً ـ نعصى ونتجاوز وننقد ونطالب، وهل كنا نستطيع ذلك فى عهد عبد الناصر وسطوة المخابرات المباحث والمعتقلات ؟ !

 

ولأنه كله سلف ودين، ومع أننا عرفنا لاحقاً أن السادات كان على غير ما اتهمناه أو أفرطنا فى اتهامه به، فإن حملة المباخر وأصحاب الأهازيج والطبول فى عهد مبارك، عاملونا بما عاملنا به الساداتيون، ومضوا بمنطق المعايرة، برغم أن مادتها كانت مفتعلة ـ لأن المخالفات التى جرت فى عهد مبارك كانت غير مسبوقة فى الكم والنوع، ولا محل من ثم لهذه المعايرة التى فقدت منطقها ومادتها وحجتها !

 

اليوم، ونحن نُبْتَلى بأسلوب فى إدارة الحكم غير مسبوق، فيه إشاحة عن كل مبادئ وأصول الدولة الدستورية القائمة على احترام الدستور والتزام القانون، وبكم متنوع وعديد من قرارات وإصدارات وتصرفات تستوجب التوقف والنظر والنقد، وليست غايتى هنا أن أحصيها أو أفصل الحديث فيها، فلذلك مقام آخر تتسع فيه المساحة للعرض والبيان، وإنما هدفى هنا التوقف عند ذات المنطق المتكرر الذى يعاير كل معارض، معايرةً ضريرةً، بما كان فى عهد مبارك !

 

هذه المعايرة ضريرة كفيفة عمياء، وهى كذلك لأنها لا ترى ولا تبصر ولا تقدر ولا تزن ولا تتفطن !!!

 

لا ترى المعايرة الضريرة أنها إفلاس وتسليم بخلو الوفاض من الحجة أو الذريعة التى يمكن بها الرد والإيضاح والبيان .. وتسليم بأن النقد يحمل وجاهته، وأنه ليس لدى المنقود ما يرد به أو يوضح أو يفسر !!! وإلاّ لأبدى ذلك بدلاً من المعايرة بما كان !!

 

ولا ترى المعايرة الضريرة أنها اعتراف وإقرار، اعتراف بأن النقد صواب، وإقرار ضمنى بالأخطاء، وبأنه لا ذريعة لها إلاّ الدفع بما كنا عليه، وكان !!

 

وهى ضريرة لأنها لا تعى أن ما كان، ويعاير الناقد به، لا تعى أنه قد أشعل ثورة هى التى أتت بالموجودين اليوم إلى دست الحكم، وأن مقتضى هذه الثورة وجوب إحلال جديد أفضل من القديم الذى كان !!!

 

وهى معايرة ضريرة كفيفة، لأنها لا تدرك أنه إن أخفق الجديد، صار إخفاقه أوراق اعتماد تقتلع الحاضر كما اقتلعت الماضى الذى كان !!!!

 

لماذا تغيب الفطنة ويحل الظلام والعماء !!!

 

رجائى عطية

 

Email:[email protected]

 

www.ragaiattia.com

 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة