سيـــاســة

»‬السلام من خلال القوة‮«‬


شريف عطية

استعدت موسكو منذ أمس 4 يوليو، لاستقبال الرئيس الأمريكي »أوباما«.. بالاستبشار الذي يليق بمنهجيته المأمولة لتسوية قضايا مستعصية تعوق تقدم العلاقات بينهما، إذ يستبق »أوباما« الزيارة.. بنصيحة إلي »بوتين«.. الزعيم القوي للشعب الروسي بتجاوز ذهنية الحرب الباردة من حيث »يقف بإحدي قدميه في الماضي.. والثانية في المستقبل«، وهو ما رد عليه »بوتين« بلباقة ولكن بحزم، مشيراً إلي أن »روسيا تقف علي قدمين ثابتتين« عندما تطالب بتنازلات أمريكية في شأن »الدرع الصاروخية«.. وتوسيع »حلف الأطلسي«، وغيرها من الملفات الخلافية، فيما يري الرئيس الروسي »ميدفيديف« أن »التفاعل المتبادل بين الدولتين يكتسب أهمية خاصة لحل أهم مشاكل العصر الحديث«.

 
وبرغم أجواء التفاؤل التي طغت علي التحضيرات لقمة، ينتظر أن تكون حاسمة في نتائجها.. علي صعيد تقريب وجهات النظر حيال ملفات شائكة ظلت مؤجلة لسنوات عدة، فإنها تبدو أكثر تعقيداً مما توحي التصريحات المتفائلة التي صدرت أخيراً عن موسكو، خصوصاً مما وصف بأنه »تقدم فاق التوقعات« علي صعيد اتفاق الحد من الأسلحة الاستراتيجية، إذ إن مسألتي الأمن الأوروبي والدرع الصاروخية الأمريكية مازالتا تباعدان بقوة بين مواقف الطرفين، ذلك بعكس الأوضاع المعقدة في دول الفضاء السوڤيتي السابق، وفي كوريا الشمالية، وأفغانستان وإيران والوضع في الشرق الأوسط. إذ هي ملفات تتقارب فيها مواقف الدولتين إلي حد كبير.
 
إلي ذلك، ومع تعدد قضايا البحث بالنسبة للقمم الروسية الأمريكية، فإن هذه القمة تتميز عن غيرها بحيوية الملفات المطروحة للنقاش بين الدولتين، مما يعني أن لقاء موسكو - بحسب المراقبين - سيشكل نقطة تحول أساسية تحدد طبيعة مسار التعاون بينهما في المسائل الأهم خلال السنوات الأربع المقبلة علي أقل تقدير، وهو ما قد يعطي منحة من الوقت لأن يتنفس العالم بارتياح خلال فترة انتقالية.. قد يكشف فيها النقاب عن التضارب الخفي والدراماتيكي للمصالح والآمال والأساطير، الأمر الذي قد يحد من وقوع روسيا والولايات المتحدة في مزالق حرب باردة من نوع جديد، خاصة أنه يقودها حالياً اثنان من رجال السياسة الذين نشأوا في حقبة ما بعد الحرب الباردة السابقة.
 
إن اتفاق الدولتين من عدمه.. لم يعد من باب رفاهية القوة، بل باتت فرض كفاية بالنسبة إليهما، خاصة في ضوء ظهور قوي كبري منافسة، ومع تراجع مستوي أدائهما علي أصعدة مختلفة.. قد تؤدي بكل منهما إلي التخلي عن نظام لا أفق له، وحيث يقول »أوباما« في خطابه الإذاعي الأسبوعي 4 يوليو.. إن الولايات المتحدة تواجه مجموعة من التحديات لم تحدث في تاريخها.. حيث تخوض حربين وتعاني من أسوأ كساد اقتصادي منذ ثمانين عاماً.. مما يجعل مستقبل الأمة الأمريكية في خطر، وأما في روسيا.. فلا يزال الكثير من الغموض يكتنف نتائج سياسات الكرملين، وفي هذا الخصوص يمكن للنكتة السياسية الشعبية التي تشيع في موسكو أن تصف بدقة بالغة  مشاعر المواطنين الروس.. »قال رجل مريض أخذته سيارة إسعاف: إلي أين تأخذونني؟ أجاب الطبيب: إلي مستودع الجثث، ولكنني لم أمت بعد.. فأجابه الطبيب: ونحن لم نصل إلي هناك بعد.. إذن، فروسيا »لم تصل إلي هناك بعد«.
 
إن مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية الروسية.. آخذة في التشكل.. ليس كقطبين متعارضين أشاعا الخوف لدي الإنسانية، ولكن كقوتين تنتصران بالعقل علي الجنون.. ومن أجل السلام.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة