بورصة وشركات

نزق الإسلام السياسى


يخوض اليمن - بلا مبالغة - غمار تحديات ومواجهات شرسة على جبهات متعددة، تهدد بتحوله فى الأفق غير البعيد - إلى «دولة فاشلة » ، إذا ما تواصلت حالة الوهن غير المسبوقة التى صارت إليها المؤسسات والسلطات اليمنية منذ العام 2011 ، كنتيجة لمعارضات شبابية شعبية إلى العمل السرى المتسم بالعنف من تنظيم القاعدة، الذى يسمى أنصار الشريعة «السلفية السنية » ليكون أكثر جاذبية مجتمعية إلى تمرد «الحوثية - الزيدية » المتمركزة فى المحافظات الشمالية للبلاد، إلى ما يتعلق بـ «القضية الجنوبية » أو ما يطلق عليه «الحراك الجنوبي » المطالب، لأسبابه، بالاستقلال عن الوطن الأم، الأمر الذى لا تقتصر خطورته فحسب على الداخل ليهدد حاضر اليمن ومستقبله، بل للتمدد أيضاً إلى خارج مناطق تمركز تلك التنظيمات المسلحة والمتنافسة فيما بينها .. ليتصل حراك عناصرها بالجوار اليمنى فى جزيرة العرب .

ولتزداد الحالة اليمنية سوءاً، باعتبارها المنطقة الأهم للولايات المتحدة فى محاربتها لتنظيم القاعدة الذى تهدد عناصره اليمنية الداخل الأمريكي، كما المنشآت الأمريكية فى اليمن، لتقاومها من خلال عشرات الغارات الجوية المنتظمة بطائرات من غير طيار ضد مناطق تمركز القاعدة .. ورموزها القيادية، بموافقة شخصية من الرئيس اليمني، ناهيك عن وصول «المارينز » عقب المظاهرات العارمة الي صنعاء بمناسبة الفيلم المسيء للإسلام، ما أثار مشايخ القبائل وعلماءها .. باعتبارها قوات احتلال يتوجب مقاومتها، ما دفع وفود القاعدة والشباب والحوثيين للدعوة إلى «نصرة الإسلام فى مواجهة الأمريكيين .. واليهود .. والغزاة الصليبيين .. ومن يعاونهم من العملاء فى الجيش والأمن اليمنيين ».

إلى ذلك، ما بين الانفلات الأمنى والسياسى والاقتصادى فى الداخل، والتدخلات الخارجية، تبرز قوى الإسلام السياسى فى صراعها مع نظام الحكم من ناحية وفيما بين بعضها البعض من ناحية أخري، وكأن لها اليد العليا فى تقرير مصير هذا الموقع الحاكم والمهم سواء بالنسبة للاحتياطيات النفطية العالمية فى منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية أو لمشاطئته أحد أهم طرق الملاحة البحرية فى العالم عند مضيق باب المندب، وإذ لولا الخلافات المذهبية بين الزيدية والسلفية السنية ولولا العصبيات القبلية التى تشكل الهوية الاجتماعية لليمن (168 قبيلة ) تمثل نحو %85 من تعداد السكان، واللتين لعب على تناقضاتهما، أى الخلافات المذهبية والعصبيات القبلية، الرئيس اليمنى السابق لضمان استمرار حكمه، لكان من المقدر لمسار الإسلام السياسي .. والذى يتطابق تاريخيا مع الهوية الدينية التقليدية فى اليمن، أن يلحق - إن لم يسبق - نظراءه ممن دانت لهم السلطة فى بلدان الربيع العربي، لولا توزع انتماءات مسار الإسلام السياسى بين أربع قوى رئيسية تنتمى أحزابها وحركاتها المختلفة .. ما بين الإخوان المسلمين «الأصولية » ، والحوثيين «الحداثيين » ، والتيار السلفى بكل اتجاهاته، وأنصار الشريعة ممثلة لتنظيم «القاعدة » ، ذلك بينما ينهش الفقر، بحسب آخر التقارير، عشرة ملايين يمنى تحت خط الجوع، ما يمثل تربة خصبة بامتياز لتجنيد جماعات العنف السياسى المتدثرة بالإسلام .. المزيد من العناصر للانضمام إلى تنظيماتها، الأمر الذى دفع أمين عام الأمم المتحدة منذ أيام إلى الإعلان عن إصرار المنظمة والمجتمع الدولى كله .. على ضرورة إخراج اليمن من ظروفه الراهنة وأوضاعه الصعبة، فى الوقت نفسه الذى بلغت تعهدات «المانحين » فى ختام مؤتمر أصدقاء اليمن، الغائبة عنه مصر التى لها تحت ثرى اليمن عشرون ألف جمجمة .. لولا تضحياتهم لبقى اليمن يرزح فى عصور الظلام والتخلف .. ولتصل المنح الموعودة الي نحو سبعة مليارات دولار، تعهدت السعودية بنصفها، ما يؤكد استشعارها ودول مجلس التعاون الخليجي .. القلق من أخطار تدهور الحالة اليمنية على دول جزيرة العرب، ما يجعل من تعاونهم مع اليمن، رغم استبعادهم للأخير حتى الآن من عضوية «المجلس الخليجي » ، بمثابة ضرورة جيو استراتيجية لحفظ توازن المنطقة وحمايتها من التدخل الخارجى والإرهاب، ومن نزق مغامرات الإسلام السياسى .

 

شريف عطية
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة