لايف

ماذا‮ ‬يقال‮ ‬ أو لا‮ ‬يقال‮ ‬ في المقال؟‮!‬


رجائى عطية

خطير جداً ومؤسف، أن تكون الكتابة لمجرد الكتابة أو استعراض الشطارة.. الأزمة الراهنة التي تهدد مصر في حصتها التي تعتمد عليها حياتها في مياه النيل، تقوم علي أن ما تجريه دول المنبع وتحاول إجراءه دون التفات لحقوق دول المصب، يهدد الحياة والزرع والضرع في كل من مصر والسودان، فلا بديل لهما عن مياه النيل، فهو شريان الحياة.. واحتجازه هناك في الأعالي يهدد الوادي هنا وفي السودان، بينما يبدو الاحتجاز بالسدود هناك محض إيذاء لدولتي المصب.. بلا عائد مضارع لدول المنبع التي تنعم ببدائل نهرية متعددة، فضلا عن الأمطار التي لا تنقطع هناك طوال العام!

 
أسوأ ما يمكن أن يقال الآن، ويفقد مصر حجتها في حوار الحياة والموت الدائر الآن مع دول المنبع، أن يقال إن مصر »تبدد« ما يصلها من مياه النيل، ناهيك بأن يقال إن هذه هي القضية.. الغريب أن هذا الادعاء لم يصدر عن دولة من دول المنبع تحاجي به مصر في دفاعها عن شريان حياتها، وإنما صدر علي غلاف وصفحات مجلة مصرية من الصحف القومية، حملت في صدر مانشيتات عددها السبت 1 أغسطس 2009، مانشيت سماوي نصه: »المؤامرة الحقيقية - لاحظ: الحقيقية!! - علي حصتنا في مياه النيل«!!.
 
فما هي يا تري هذه المؤامرة - الحقيقية!!! - والتي أمسكت بها المجلة القومية؟!
 
قد يظن القارئ إذا لم يفتح المجلة، أنها مؤامرة بين دولة أو أكثر من دول المنبع، تآمرت مع قوي شريرة تستهدف مصر وأمنها بل وحياتها.. هذا هو المعني اللفظي لكلمة »المؤامرة«: هي إذن لابد وأن تكون مؤامرة خارجية ضد مصر وشعبها وحقوقها وحياتها!
 
إلا أن القارئ لا يكاد يفتح المجلة حتي يجد المانشيت سالف البيان مكررا في كل صفحة من الصفحات 10، 11، 12، 13، 14، 15 - يزين مقالا مطولا تحت هذا العنوان لرئيس التحرير، يكفي أن تطل علي عناوينه الداخلية، لتري هل هذا كلام يقال - أو لا يقال - في المقام الذي نحن فيه الآن؟!.. تقول العناوين المليئة بالتشاطر في غير موضعه:
 
> أيهم الأخطر علي أمننا القومي: الحالمون ببناء السدود في دول أخري.. أم زارعو الأرز وحافرو الآبار في أراضي وضع اليد وملوثو النيل بمياه الصرف الصناعي؟!
 
> قبل أن نقلق من حرب لاتلوح احتمالاتها في أي أفق.. علينا أن نتوتر مما نفعله بحصتنا في مياه النيل.. نحن نري الأرض بالغمر ونعيش بالغمر.. صدق أو لا تصدق.. بالساعة!.
 
> نسمع صرخات من مزارعين يشكون من تضييق وزارة الري في نوبات المياه.. ولكننا لم نعرف أي خبر عن زرع مات بسبب العطش.. مما يعني أن الحصص المطلوبة لا ضرورة لها!
 
> »زارعو الأسماك يربحون الألوف سنويا.. لكنهم يهدرون ألوفا من أمتار المياه علي كل فدان .. ويعطلون مسارات المياه.. ويعرقلون طلمبات الصرف وليسوا مستعدين للتخلي علي كارثتهم (مزارعهم السمكية)!
 
> »مصدرو الأرز يمكنهم أن يبيعوا الكيلو في مصر بقرش صاغ.. مقابل تصديره بملايين الدولارات إلي آسيا.. وفي الطريق يهدرون مليارات من ثروتنا المائية.. تأكل منها الشعوب الصفراء«!
 
> »كل يوم تلقي محطة أبورواش مليونا وربع المليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي في فرع رشيد.. و102 منشأة صناعية علي الأقل تلفظ إخراجاتها في عرض النيل علي مدار الساعة«!
 
> »40 ألف حالة تعدي علي النيل.. و23 ألف بئر مياه جوفية غير مرخصة.. واعضاء مجلس الشعب يقاومون أي قرار حكومي يمكن أن يؤدي الي حماية حصتنا من المياه«!
 
> > >
 
فماذا بعد؟!
 
هل أعظم من ذلك هدية يمكن أن تقدم لدول المنبع - الآن!! - في الحوار الضروس الدائر بينها وبين مصر؟! ألا يعطي هذا الكلام - الآن! - ذريعة لدول المنبع للتغول علي الحقوق المصرية مادامت مصر تفرط هذا التفريط الهائل في مياهها بشهادة شاهد من أهلها أو رئيس من رؤساء تحرير صحفها؟!
 
هل مجاله الآن فتح مسألة ترشيد المياه، وبهذا الشكل، وبهذه المبالغات، لنقوض بتشاطرنا ما يبنيه المدافعون عن حقوق مصر، ونعطي بأيدينا ما يشجع الآخرين ويقويهم علي اغتيال حقوقنا؟!
 
هل تاهت البوصلة حتي لم نعد نعرف ما يقال ومتي، وما لا يقال؟!.. هل ميزنا بين ما لا يقال إلا في الأروقة في الداخل، وبين ما يصدر ليتلقفه الآخرون لمحاجاة مصر في حقوقها بل مصيرها وحياتها؟!
 
.. هل عرفنا القاعدة التي تلقيناها في مدارس العلم أن الكلام ينبغي أن يوافق مقتضي الحال؟! لنعرف أن هذا الكلام الذي طالعناه بالمجلة القومية(؟!) لا ينبغي ولا يجوز أن يقال - الآن! - في مقال يقدم هدية مجانية لمن ينازعون مصر في حقوقها وحياتها!!!
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة