اقتصاد وأسواق

حجب وتعتيم التقارير الحكومية‮.. ‬تأكيد لغياب الشفافية


المال - خاص

كشفت ورشة العمل التي نظمها مركز المشروعات الدولية »CIPE « مؤخراً حول العلاقة بين حجب المعلومات وإعاقة ومكافحة الفساد في الحكومة والشركات العامة والخاصة، عن ضلوع عدد من المؤسسات الحكومية في اخفاء بعض التقارير التي طالما كانت تصدرها في السابق وتعمدها حجب المعلومات والبيانات وقصر تداولها بين الهيئات الداخلية، أما التقارير المعلنة فيتم تعديلها وتجريدها بحيث يتم تقديمها بشكل سطحي لا يتيح أي فرص لالتقاط خيوط دالة علي الحقائق، ومن أبرز التقارير الاقتصادية التي اختفت اصداراتها دون أسباب واضحة، التقرير السنوي للرقابة الادارية المنوط له الكشف عن الفساد بالمؤسسات العامة من خلال مباحث الاموال العامة وتقرير الكسب غير المشروع وكذلك التقريران المعنيان برصد أداء صندوق التأمينات الاجتماعية للعاملين بالقطاعين العام والخاص وايضاً العاملين بالخارج والذي يتناول أصولاً تقدر بنحو 300 مليار جنيه وتقرير مصلحة الضرائب حول حجم الحصيلة وعدد الممولين بكل مأمورية، بالاضافة الي التقرير السنوي الذي كانت تصدره هيئة الرقابة علي الصادرات والواردات الذي يتضمن مخالفات المصدرين والموردين وحركتي الشطب والقيد.


والغريب أن الامر لم يتوقف فقط علي الاختفاء بل - التعتيم حول بعض البيانات والمعلومات الاقتصادية المهمة مع إصرار الحكومة علي اخفاء بيانات توزيع الودائع أو القروض بالبنوك أو حجم التسويات المصرفية، الي جانب عدد قضايا الافلاس والشركات المتعثرة واخيراً حجم العقود طويلة الاجل التي تبرمها الحكومة مع الدول الاخري.

ووفقاً للتعريفات الدولية فإن الشفافية اصطلاحاً يعني التزام جهة الادارة بإشراك المواطنين في إدارة الشئون العامة التي تمارسها لصالح ولحساب المواطنين مع الالتزام باتخاذ جميع التدابير التي تضمن تزويد المواطنين باتخاذ البيانات والمعلومات الصادقة عن جميع خططها وانشطتها وأعمالها، ومشروعاتها وموازناتها ومداولاتها وإعلان الاسباب الواقعية والقانونية الدافعة لها مع توضيح طرق واجراءات مساءلة الادارة عن أوجه القصور أو المخالفة واقرارها حقا عاما بالاطلاع والوصول غير المكلف لمعلومات ووثائق الادارة كأصل عام، كما يقع علي عاتق الادارة ذات الالتزامات السابقة في خصوص ضمان الشفافية في إدارة منظمات المجتمع المدني وإدارة المرافق العامة الخدمية أو الاقتصادية التي يديرها القطاع الخاص، تلك التي تتمتع بوضع احتكاري قانوني أو فعلي أو التي تتلقي دعماً مالياً من الدولة.

وانطلاقاً من هذا المصطلح والمعلومات السابقة بات تعريف »الشفافية« مبهماً في القاموس الحكومي أو علي الاقل تمت إعادة تعريفه بشكل محلي، حيث تم تفريغه تماماً من مجمله ليبقي شعار »الشفافية والنزاهة« متصدراً الخطاب الحكومي خاصة علي مناص الهيئات الدولية.

يقول الدكتور عبد الفتاح الجبالي، مدير برنامج الشفافية ومحاربة الفساد بمركز المشروعات الدولية الخاصة، إن سرية أنشطة وأعمال الادارات الحكومية في الكثير من الدول بيئة مناسبة لممارسة الكثير من الانشطة التي تتسم بالفساد دون تفرقة بين البيانات والمعلومات التي يجب الافصاح عنها والتي تحمي هذا المبدأ والمعلومات التي هي من صميم عمل الادارة، والمثال الواضح علي ذلك هو المادة 10 من القانون الاداري حيث تنص علي أنه »لا يجوز لأي وزارة أو هيئة أو جهة إدارية أو أي فرد في الحكومة أو القطاع العام أو الخاص أن ينشر بأي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام أي مطبوعات أو نتائج أو بيانات أو معلومات احصائية إلا من واقع احصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء«، مما يعني حجب المعلومات عن السلطة الرئاسية إلا من الجهاز المركزي للمعلومات.

ويشير الي أن اتاحة الحصول علي المعلومات مثال مباشر للشفافية، لكن مجرد توافر المعلومات لا يعني الكثير إذا لم يكن الناس علي علم بوجودها وكيفية الوصول إليها، كما يفقد أهميته إذا كانت تكلفة الحصول عليها غير معقولة من حيث »الوقت والمال« وإذا لم تكن المعلومات مواتية للمستخدم فمن الاهمية الأخذ في الاعتبار الاحتياجات المعلوماتية للفقراء أو غيرها من الطبقات المهددة، حتي تحقق الشفافية الهدف المرجو.

وأكد أن اهتمام جهات رسمية عديدة منها وزارة التنمية الادارية بمتابعة ورصد قضايا الفساد وقيام لجنة الشفافية والنزاهة بإصدار تقرير سنوي ليس كافياً لمحاربة الفساد حتي لا يسود انطباع أنها في اطار الجهود الرامية لمغازلة الهيئات الدولية، شأنها في ذلك مثل الامور المتعلقة بحقوق الانسان والتي شكلت لها ايضا لجان تصدر تقارير دورية.

ويقول الدكتور فخري الفقي، خبير الاقتصاد الدولي، إن هناك عدم جدية في معالجة الحكومة ملف مكافحة الفساد فلو كانت هناك مساع حقيقية في هذا المضمار لانعكست جهودها بوضوح علي أرض الواقع وبما ترصده تقارير المنظمات الدولية المعنية، لافتاً إلي أن منظمة الشفافية العالمية وهي أهم منظمة دولية في مجال قياس مدركات الفساد ودرجات الشفافية والنزاهة، تؤكد في جميع تقاريرها السنوية الصادرة منذ عام 1995 ليس فقط أن مصر دولة »ضعيفة جدا« في مكافحة الفساد بدليل حصولها علي 3 درجات من 10 علي مقياس أو مؤشر الشفافية والنزاهة، ولكن ترتيبها بين الدول علي سلم هذا المقياس يزداد سوءاً من عام الي آخر، ففي عام 2006 كانت مصر تحتل المرتبة 72 علي هذا المقياس ثم انحدرت الي المرتبة 105 عام 2007 ثم الي 115 في 2008.

وأضاف أن ذلك يعني أن الادارات الحكومية ليست فاسدة فقط ولكنها تزداد فساداً فمصر تبدو وفقاً لهذا المؤشر أو المقياس من أقل الدول شفافية وبالتالي أكثر فساداً من 12 دولة عربية أخري، حيث لا يسبقها في هذا المضمار سوي الدول العربية المتردية سياسياً واقتصادياً مثل العراق والصومال والسودان في حين سعت حكومات بعض الدول علي تحسين ادائها في هذا المضمار مثل قطر والامارات وعمان والبحرين والاردن وتونس والكويت.

وأكد أن مناهضة الفساد تتطلب مراقبة فعالة عبر برلمانات قوية ووسائل إعلام مستقلة الي جانب التزام جميع الاجهزة الادارية الحكومية بإصدار تقارير لبيان أعمالها بشكل دوري.
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة