لايف

رقابة الورثة‮.. ‬نوايا طيبة أم محاولة للابتزاز؟‮!‬


كتب - أحمد يوسف:
 
لا يوجد سقف للابداع.. حرية التعبير مطلق مكفول للفنان.. وفق هذا المنطق تمضي العملية الفنية في الدول المتقدمة، حيث إن بإمكان أي مبدع توجيه النقد واللوم لكبار المسئولين والشخصيات العامة وأشهر السياسيين دون خوف من التعرض للمساءلة.. وأكبر دليل علي ذلك الفيلم الذي انتجته هوليوود بطولة انتوني هوبنكيز، الذي يحكي قصة الرئيس نيكسون وتتناول أحداث الفيلم فضيحة »ووترجيت«، التي خرج علي أثرها نيكسون من البيت الابيض وهو يجر خلفه أذيال العار، وعندما قام الممثل الموهوب روبرت داوني جينيور بتقديم شخصية شارلي شابلن قدمها بكامل تفاصيلها، وأظهر في فيلمه كيف نشأ شابلن في اسرة معدمة، وأن امه من كثرة الضغوط عليها ذهب عقلها وتم احتجازها في مصحة نفسية للعلاج وكيف تغلب شارلي شابلن علي هذه الظروف وصنع من نفسه - رغم المعاناة الكبيرة - كوميدياناً قادراً علي رسم الابتسامة.

 
 
 يحيي الفخرانى
وبكل صرحة أيضا قدمت السينما الامريكية أكثر من فيلم سينمائي، عن حياة ملكة الاغراء مارلين مونرو، وكيف أنها بدأت طريقها للشهرة بنشر صورها عارية في إحدي المجلات الجنسية، فأعجب بها اصحاب شركة فوكس و تبنوها كممثلة.
 
 كل ذلك -و أكثر- تم عرضه عبر شاشات السينما و لم يحتاج ورثة نيكسون، ولم يعارض اقارب شارلي شابلن أو منرو.. فالكل يحترم الحقيقة ويؤمن بأن المشاهير - سواء كانوا سياسيين ام ممثلين - هم في النهاية بشر يخطئون احيانا.
 
وعلي العكس تماماً نجد الصورة مختلفة في مصر، فالابداع مرهون دائما بامر ورغبة الورثة.. وفي فترة سابقة، أخرج المخرج الراحل يحيي العلمي مسلسلاً يحمل اسم »العملاق« يحكي قصة حياة الاديب الكبير عباس محمود العقاد، ولأنه تناول علاقة الحب في حياة العقاد، لجأ احد أقارب الأخير للقضاء وحصل علي حكم بوقف عرض المسلسل بحجة انه اساء للاديب الكبير!
 
ورغم مرور زمن علي واقعة مسلسل العقاد، مازال الوضع كما هو، ولم تتغير طريقة التفكير، فعلي سبيل المثال تحاصر مسلسل »مداح القمر« تحديات كثيرة، منها تهديد الفنانة وردة باللجوء للقضاء اذا أساء العمل لها لأنه يحكي سيرة الموسيقار بليغ حمدي، الذي كان زوجها في يوم من الايام.. ويتربص زكي فطين عبد الوهاب ابن الفنانة الراحلة ليلي مراد بمسلسل »قلبي دليلي« ويخشي أن يقترب أحد من تاريخ والدته.
 
حول الوصاية علي الابداع في مصر يقول المخرج خالد الحجر: من الغريب أن يجد المبدعون أنفسهم محاصرين بضغوط الورثة التي تتحول في وقت من الاوقات إلي محاولة لابتزاز شركات الانتاج وأضاف الحجر: شاهدت مسلسل »السندريلا« الذي يحكي قصة حياة النجمة الراحلة سعاد حسني وقامت ببطولته مني زكي كما شاهدت مسلسل »العندليب« ولم اعجب بهما لأنني أشعر بأن الابطال ملائكة وليسوا بشراً، قراراتهم تحتمل الصواب والخطأ.. وامر طبيعي أن ينصرف الجمهور عن مشاهدة هذه الاعمال لأنها تفتقد المصداقية.
 
ويري الناقد مصطفي درويش أن الابداع في مصر محاصر من قبل جهات عدة منها الرقابة التي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، والورثة في حال تقديم اعمال تحكي السيرة الذاتية لأي نجم أو سياسي ماهر حيث يتربص الورثة ويحاولون اخماد حماس المبدعين ويلجأون للقضاء.. وأضاف درويش أن سوريا احترمت رغبة المبدعين واكبر دليل علي ذلك مسلسل الشاعر الكبير نزار قباني الذي قام ببطولته تيم حسن وسلوم حداد، فقد تعرض هذا المسلسل لهجوم كبير ولجأ أبناء الشاعر الكبير للقضاء ومع ذلك انتصر القضاء للابداع وسمح بعرض العمل رغما عن الورثة.. وبينما يرتفع سقف الابداع في سوريا ينخفض في مصر، مما يمثل تحدياً كبيراً امام المبدعين الجادين والمهمومين بتنوير العقول.
 
وتؤكد الفنانة هالة فاخر أنه يجب علي ورثة المشاهير أن يدركوا جيداً أن الشخصية العامة ملك للجميع، ومن حق الناس أن تعرف عنها كل كبيرة وصغيرة، وأن ضغوط الورثة أصبحت أشبه بمحاولات ابتزاز، فأي عمل فني يعد بمثابة تأريخ للشخصية المعروفة التي يتناولها العمل، وتشير هالة فاخر قائلة: انه يجب علي الكتاب عدم الرضوخ لرغبة الورثة الذين يريدون أن يظهر أقاربهم اشبه بالملائكة التي تسكن السماء.
 
أما النجم يحيي الفخراني فيري أن المسلسل الوحيد الذي اعجبه هو مسلسل »الملك فاروق«، ويضحك بصوت عال قائلا: إن الاعجاب لم يكن بالطبع لأن زوجته لميس جابر هي التي كتبته، ولكن لأن هذا المسلسل لم يغفل عيوب و نقاط ضعف فاروق، أما باقي الاعمال التي شاهدها فكانت بعيدة عن الموضوعية والمصداقية وبالتالي لم تحقق نفس صدي ونجاح الملك فاروق الذي قدم مصر كما كانت في عهد الملكية وعكس الصراع بين القوي السياسية بمنطق وموضوعية، وأضاف الفخراني أن دراما السيرة الذاتية سلاح ذو حدين، فإما تنصف أصحابها أو أن تخسف بهم الارض، علي حد قوله.
 
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة