اقتصاد وأسواق

"فيتش" : "صندوق النقد" أمل مصر في الخروج من الأزمة المالية


خالد بدر الدين

قالت وكالة فيتش الامريكية للتقييم الائتماني،إن  قرض صندوق النقد الدولي مهم للغاية، لتحسين ميزان المدفوعات لمصر ومنع انهيار قيمة الجنيه.

وذكرت أنه من غير هذا القرض، سيجري تطبيق قواعد مشددة علي رؤوس الاموال، وسيحدث إنهيار حاد للجنيه ، لاسيما انه لاتوجد اي اتفاقيات ثنائية لدعم مصر، باستثناء موافقة قطر علي شراء سندات خزانة بحوالي 2.5 مليار دولار الشهر المقبل.

ورغم وجود زيادة مرتقبة في الاستثمارات الاجنبية المباشرة هذا العام من خلال اتفاقيات تم التوقيع عليها فعلا، في قطاعات التنقيب علي البترول والبنوك والإنشاءات والأسمدة.. إلا أن  الاستقرار السياسي سيدعم أكثر تدفقات هذه الاستثمارات،

إذ أن الاحتياطي الأجنبي المصري علي وشك الاختفاء، والحكومة عاجزة عن وقف نزيف الجنيه.

وأضافت ان انقاذ الاقتصاد المصري ليس أمامه الا تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي، او الاعتماد علي دول الخليج الغنية، وان كانت قطر هي الامل الوحيد في الوقت الحاضر حيث قدمت حتي الآن 5 مليارات دولار  .

وذكرت وكالة رويترز انه بعد أشهر من التأجيل خرجت الحكومة التي يقودها الرئيس الإسلامي محمد مرسي بخطة جديدة لوقف التراجع في احتياطيات النقد الأجنبي، ومعالجة عجز الميزانية الذي يمكن أن يزيد مشاكل دولة غنية مستقرة.. وقد يدمر بلدا  مثل مصر، تعاني من صراع سياسي عنيف وتدهور اقتصادي واضح.

وتعتمد خطة  الحكومة على أموال تأتي من الخارج  لإنقاذ أكثر البلدان العربية سكانا  وان كانت  الآمال  تبدو ضئيلة في قدرة الحكومة على الصمود لحين إجراء الانتخابات البرلمانية  المقرر أن تنتهي في يونيو القادم ،وعلى تأجيل إجراءات تقشف لا تحظى بقبول نظرا لتزايد  الضغوط الاقتصادية علي الشعب المصري  .

ولذلك فان  امام القاهرة  بعض الخيارات الفورية  مثل  صندوق النقد الدولي الذي سيتطلب إجراءات تقشف قد تثير مزيدا من العنف في الشوارع خلال الحملة الانتخابية،  وخيارا آخر يتمثل في  قطر، الدولة الخليجية الغنية الوحيدة التي تتعاطف بشكل حقيقي مع الحكومة المصرية ،حيث قدمت الدوحة مساعدات بالفعل.. لكن هذه المبالغ لم تمنع احتياطيات النقد الأجنبي من التراجع إلى مستويات حرجة، لانها لم تمنح المبالغ الضخمة التي كانت تعهدت بها لمصر بعد الثورة .

وتؤكد  علياء المبيض الخبيرة الاقتصادية في بنك  باركليز  انه لم يبق امام الحكومة  سوى هامش محدود للمناورة في غياب تدفقات رأسمالية جديدة إلى الاقتصاد المصري  .

ويعتقد اقتصاديون أن الأهم من ذلك كله أن مصر تحتاج إلى توافق سياسي على الإصلاحات اللازمة لاستقرار الوضع المالي..  غير أن هذا الأمل لم يعد قائما فيما يبدو، إذ أن الإسلاميين يتصارعون مع معارضة ليبرالية ويسارية بشأن هوية مصر المستقبلية بعد الثورة .

وأصدرت الحكومة يوم الإثنين الماضي بعض تفاصيل برنامج معدل للإصلاح الاقتصادي. وأعلن وزير الاستثمار أسامة صالح أن الحكومة ستستأنف المحادثات مع صندوق النقد في أوائل الشهر المقبل بشأن قرض بقيمة 4.8 مليار دولار .

وهذا يشير إلى شعور بالحاجة الملحة لإبرام اتفاق بعد أن توصل مسؤولون من الجانبين إلى اتفاق مبدئي بشأن القرض في نوفمبر  الماضي ..ثم طلبت القاهرة تأجيل العملية في الشهر التالي حين وقعت احتجاجات عنيفة في الشوارع .

ومنذ ذلك الحين والمشكلات تتراكم..  ورضي البنك المركزي - الذي أنفق 20 مليار دولار لحماية الجنيه المصري خلال وبعد الانتفاضة التي أطاحت بحسني مبارك   بالنتيجة المحتومة. وفي أواخر ديسمبر   بدأ البنك طرح عطاءات دورية للدولار ليسمح للجنيه بالتراجع أكثر من 8 % في إطار هذا النظام الجديد ليصل اجمالي خسائر الجنيه منذ الثورة إلى 14 % .

وساعدت حماية الجنيه على كبح زيادة أسعار السلع المستوردة التي يعتمد عليها المصريون بمن فيهم الفقراء لكن الدولة تحملت تكلفة باهظة للغاية في سبيل ذلك .

وتراجعت احتياطيات النقد الأجنبي التي كانت 36 مليار دولار في الأيام الأخيرة لحكم مبارك إلى 13.6 مليار دولار في يناير  الماضي . وهذا أقل من المبلغ اللازم لتغطية واردات ثلاثة أشهر ويبدي الاقتصاديون قلقهم حين تتراجع أي دولة عن هذا المستوى .

وأدى حل الحكومة المصرية لبعض المشكلات إلى تفاقم مشكلات أخرى كما يحدث عادة مع الحكومات التي تواجه أزمات فبالرغم من أن البنك المركزي يطرح حاليا  120 مليون دولار فقط أسبوعيا أو نحو ذلك.. إلا ان تراجع الجنيه الذي يصاحب العطاءات يرفع فاتورة الدعم الحكومي .

وكانت الحكومات التي قادها مبارك وسابقوه والمدعومة من الجيش تسعى لكسب التأييد الشعبي من خلال دعم كبير لأسعار الطاقة والخبز. ويعتمد هذا النظام على شراء الدولة للقمح والنفط بالدولار من الأسواق العالمية .

وتعتقد الأسواق أن الجنيه قد يتراجع أكثر من ذلك حيث تشير اسعار العقود الآجلة إلى أنه سيتراجع إلى 7.95 جنيه للدولار على الأقل بعد عام من الآن أي بنسبة 18  % عن السعر الحالي .

وفيما عدا الأولويات المتمثلة في الغذاء والطاقة تجد الشركات والأفراد صعوبة في الحصول على الدولار مما يدفعها للاتجاه إلى السوق السوداء حيث بلغت الأسعار 6.90-7.25 جنيه للدولار وهي أعلى بكثير من السعر الرسمي  6.7375 جنيه .

ويزيد تراجع الجنيه من أعباء الميزانية.

ووفقا لخطة الحكومة سيبلغ العجز  10.9  % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية بافتراض أن حكومة مرسي بصدد بدء الإصلاحات. وإذا لم تأخذ الحكومة تلك الخطوات سيرتفع العجز إلى 12.3 % من الناتج المحلي الإجمالي وفقا للخطة .

.

وقال انتوني سكينر من شركة مابلكروفت لدراسات المخاطر السياسية والاستشارات،  انه من الصعب تصور كيف تستطيع مصر تحمل برنامج إصلاح متناغم يتسق مع اتفاق صندوق النقد لترتيب الوضع الاقتصادي في ظل هذه التوترات السياسية  كيف يمكن تحقيق ذلك نظرا للوضع المالي الحالي والمتغيرات السياسية السلبية .

ولم تصدر الحكومة إلا ملخصا لبرنامجها ولكنها كشفت تفاصيل عن الدور الذي سيلعبه المصريون الاغنياء،  وإجراء آخر  يتضمن ضريبة تمغة على معاملات الأسهم، وضريبة على الطرح الأولي في البورصة وضريبة موحدة بنسبة 25 %على الشركات .

وكان الهلع هو رد فعل الشركات المصرية التي يصارع العديد منها للبقاء.. كما أن هناك  هلعا أكبر في انتظار فقراء البلاد، حيث يعيش 40 % من المصريين بأقل من دولارين يوميا ..و لكن الملخص لم يتضمن تفاصيل عن معاناتهم المتوقعة .

ولا تستطيع مصر التغلب على مشكلات الميزانية دون تخفيض فاتورة دعم الطاقة الذي يلتهم 20 % من الإنفاق الحكومي على الأقل. لكن الملخص لم يتضمن تفاصيل عن هذه المسألة وكذلك مسألة الخبز التي لا تقل حساسية عن ذلك والتي تستورد مصر من أجلها القمح لبيع رغيف الخبز ب5قروش، مع  تراجع واردات القمح ومخزوناته بشدة منذ بداية العام .

ورغم ان  الحكومة  اعلنت الأسبوع الماضي أسعارا جديدة للمازوت في الجريدة الرسمية الا ان  الإعلان لم يذكر نسبة الزيادة التي تبلغ 50 %.  كما أعفت الحكومة من الزيادة، أجزاء حيوية من الاقتصاد، مثل المخابز وشركات إنتاج الكهرباء والصناعات الغذائية. غير أن هذه قد تكون إشارة إلى ما سيحدث في مجالات أخرى.. علاوة علي ان هذا  الإعلان   لهذه الخطوة الكبيرة  جاء قبل يومين من دعوة مرسي لإجراء الانتخابات البرلمانية..  وانه لابد  أن توفر الحكومة  أموالا على وجه السرعة .

وقد يدفع اليأس الحكومة إلى خطوات أخرى لا تستسيغها،  ومنها منح    رجال الأعمال المدانين الذين فروا من البلاد بعد الثورة فرصة للتفاوض  لإسقاط اتهامات الفساد في محاولة لاجتذاب خبرات ورؤوس أموال رجال كانوا مقربين من مبارك .

وقال وزير المالية المرسي السيد حجازي  في منتصف الاسبوع الجاري،  إن برنامج الإصلاح سيحال إلى البرلمان خلال يومين..  غير أن هذا لا يضمن تقدما سريعا بشأن اتفاق صندوق النقد، حيث يري انتوني سايموند من شركة أبردين لإدارة الأصول، ان التوافق السياسي نقطة شائكة أكثر أهمية ويتعين حلها قبل توقيع الاتفاق .

لكن التوافق غير متوفر..  فقد قررت جبهة الإنقاذ الوطني التي تجمع قوى ليبرالية ويسارية مؤخرا  مقاطعة الانتخابات..وربما  يمضي مرسي قدما في الإصلاح لإرضاء صندوق النقد بدون المعارضة، كما فعل في أواخر العام الماضي في مسألة الدستور المثير للجدل الذي وضعته جمعية هيمن على تشكيلها الإسلاميون .

وقد يفتح اتفاق صندوق النقد الباب أمام مساعدات تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار من ممولين آخرين مترددين من بينهم البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج العربية، ولاسيما قطر التي يمكنها ان تقدم المساعدة ..ولكن حتى في هذه الحالة لا بد أن يكون المبلغ كبيرا للغاية لكي يتحقق الهدف المطلوب وتساعد في تحسين  المركز الخارجي والمالي لمصر ووضعه على المسار السليم  .

والعلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي وبين السعودية الدولة الخليجية الكبرى، باردة بشكل ملحوظ.

 وقال مسؤول مصري كبير إن عددا من الدول الخليجية ساعدت مصر حين كانت تحت الحكم العسكري بعد سقوط مبارك.. و لكن هذه المساعدة توقفت حين أصبح مرسي رئيسا في يونيو الماضي .
بوابة جــريدة المال 2017 جميع الحقوق محفوظة